محمود المبارك

محمود المبارك

حقوقي دولي


يخطئ من يظن أن تقرير لجنة مجلس حقوق الإنسان الأخير، المعروف اختصارا بتقرير غولدستون، جاء منصفا في المهمة التي أنيطت به. وبغض النظر عن مظاهر الفرحة والابتهاج التي سادت الساحتين السياسية والإعلامية في العالم العربي، فإن القراءة القانونية لهذا التقرير ربما أعطت صورة مختلفة عن القراءة التي تغنى به السياسيون والإعلاميون.

بل إنه ليس من المبالغة القول إن تقرير غولدستون شمل "تبريرا غير مباشر" لكثير من الانتهاكات القانونية الدولية التي قامت بها إسرائيل خلال حربها الأخيرة على غزة.

وقبل الخوض في التفاصيل القانونية للتقرير، يحسن التنبيه إلى أن تجاوزا قانونيا غير مسبوق حدث من قبل اللجنة المناط بها تقديم هذا التقرير، حين قامت اللجنة بتوسعة دائرة صلاحياتها المخولة لها من قبل مجلس حقوق الإنسان للبحث في الانتهاكات الإسرائيلية التي ارتكبت خلال حرب إسرائيل الأخيرة على غزة.

ففي الثالث من أبريل/نيسان 2009، وتنفيذا لقرار مجلس حقوق الإنسان رقم 60/251 المنعقد بتاريخ 12 يناير/كانون الثاني 2009، أنشأ رئيس مجلس حقوق الإنسان بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن النزاع في غزة، مسندا إليها ولاية قوامها "التحقيق في جميع انتهاكات قانون حقوق الإنسان الدولي والقانون الإنساني الدولي والتي تكون قد ارتكبت في أي وقت في سياق العمليات العسكرية التي جرى القيام بها في غزة في أثناء الفترة من 27 ديسمبر/كانون الأول 2008 إلى 18 يناير/كانون الثاني 2009، سواء ارتكبت قبل هذه العمليات أو أثناءها أو بعدها".

"
وسعت اللجنة المكلفة بالنظر في أحداث غزة من دائرة التحقيق لتشمل الانتهاكات القانونية التي حدثت في إسرائيل والضفة الغربية، ولولا هذا المدخل المثير للجدل ما كان التقرير ليخلص إلى أي اتهامات ضد حماس وبقية الفصائل الفلسطينية المسلحة
"
كما يتضح من هذا القرار، فإن مسؤولية اللجنة محددة بمكان معين وهو غزة. ولكن اللجنة قامت من ذات نفسها ووسعت دائرة التحقيق لتشمل الانتهاكات القانونية التي حدثت في إسرائيل والضفة الغربية إضافة إلى غزة، بزعم أن انتهاكات القانون الدولي في تلك الفترة شملت هذه المناطق، رغم أن قرار المجلس كان محددا بغزة فقط! والمشكلة هنا هي أن اللجنة قامت بتوسيع دائرة عملها من غير أساس قانوني، وفي ذلك تعدٍ للتفويض الذي كلفت به! ولا يكفي القول إن اللجنة أخطرت الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان بهذا التصرف مسبقا، لأن أي تعديل لأي تفويض قانوني يتطلب العودة إلى المصدر. حري بالقول إنه، نتيجة لتوسعة دائرة التفويض هذه، صار بإمكان اللجنة أن تنظر فيما تراه انتهاكات من جانب الفصائل الفلسطينية ضد إسرائيل كإطلاق الصواريخ على المدنيين الإسرائيليين، ولولا هذا المدخل المثير للجدل ما كان التقرير ليخلص إلى أي اتهامات ضد حماس وبقية الفصائل الفلسطينية المسلحة. وإن دلت هذه الملاحظة على شيء فإنما تدل على أن اختيار شخص غير محايد لترؤس هذه اللجنة لم يكن موفقا البتة!

وإذا كان المفترض في أي لجنة تحقيق أن تؤدي دورها بـ"نزاهة"، فإن من أبجديات اختيار اللجنة لكي تكون "نزيهة" أن تكون محايدة. وواقع الأمر أن اختيار شخص غير محايد لترؤس لجنة التحقيق هذه أمر يثير تساؤلات عن السبب الذي من أجله غلَّبت لجنة حقوق الإنسان الاعتبارات السياسية على الاعتبارات القانونية في مسألة قانونية دولية صرفة! وإذا كان غولدستون نفسه عبر عن "صدمته" لاختياره رئيسا لهذه اللجنة، فمن حق المواطن العربي أن يطرح تساؤلات غير بريئة عن سبب عدم اختيار لجنة محايدة!

يؤكد عدم حيادية اللجنة ما اعترفت به اللجنة في تقريرها من أنها "لم توثق جميع الحوادث ذات الصلة التي وقعت في الفترة المشمولة بولاية البعثة" وأنها اكتفت بما يوضح "الأنماط الرئيسية" للانتهاكات الإسرائيلية، حيث اعترفت اللجنة بأنها لم تحقق سوى في 36 حادثة في غزة فقط! غني عن القول إن 36 حالة لا تمثل حتى واحد في الألف من حالات الانتهاكات القانونية الدولية في غزة، أو جرائم ساعة واحدة من ساعات القصف الإسرائيلي إبان الحرب على غزة.

في السياق ذاته، شمل التقرير اتهامات مبطنة لحماس والجماعات المسلحة (وهي اتهامات ذات مغزى خطير) في أنهم كانوا يطلقون الصواريخ ضد إسرائيل من "مناطق مدنية"، والمقصود هنا هو "تبرير غير مباشر"، كما يسمى في القانون، لاستهداف القوات الإسرائيلية للمناطق المدنية داخل غزة، قد يستخدم لاحقا أثناء المحاكمات إذا ما حصلت.

أي أنه إذا كان تقرير اللجنة أقر بأن الجماعات المسلحة الفلسطينية كانت تتخذ من المناطق المدنية حصنا لها في إطلاق الصورايخ ضد إسرائيل، فإن ذلك قد يكون مبرراً كافيا لردة فعل عسكرية إسرائيلية ضد المناطق المدنية في غزة. (لست أدري من أين أتى التقرير بهذه المعلومة المشوهة! اللهم إلا أن التقرير زعم أن هذه المعلومة تبينت للبعثة على أساس "معلومات مجمعة" لديهم!).

وتضع اللجنة النقاط على الحروف في هذا الشأن حين تصرح بأنه "في حين أن مباشرة أعمال القتال في المناطق المدنية لا تشكل في حد ذاتها انتهاكا للقانون الدولي، فإن الجماعات المسلحة الفلسطينية، في الحالات التي تكون فيها قد أطلقت هجمات بالقرب من مبانٍ مدنية أو مبانٍ محمية، تكون قد عرضت سكان غزة المدنيين للخطر على نحو غير ضروري". وفي هذا الكلام ما يعين أي محام يحمل عبء الدفاع عن مجرمي الحرب الإسرائيليين في حال مثولهم أمام المحاكم الدولية، في أن ما قام به الجيش الإسرائيلي من قصف للمناطق المدنية أو المحمية كالأونروا، إنما جاء كرد فعل ضد الجماعات الفلسطينية المسلحة، التي كانت تطلق صواريخها من مناطق مدنية أو محمية، اضطرت الجيش الإسرائيلي للرد عليها!

"
على الرغم من أن الأحداث التي حققت فيها البعثة لم تثبت استخدام "الجماعات المسلحة" المساجد لأغراض عسكرية، فإنها لا تستبعد احتمال أن يكون ذلك قد حدث في حالات أخرى, فبأي حق تثير اللجنة هذا الشك، ما دام أنه لم يثبت لها ذلك؟!
"
في جانب آخر، ومن باب التهمة التي لا تستند على أساس قانوني ضد حماس والجماعات الفلسطينية المسلحة، اللهم إلا من باب الظن السيئ، يعترف التقرير بأنه "على الرغم من أن الأحداث التي حققت فيها البعثة لم تثبت استخدام (الجماعات المسلحة) المساجد لأغراض عسكرية، فإنها لا تستبعد احتمال أن يكون ذلك قد حدث في حالات أخرى". فبأي حق تثير اللجنة هذا الشك، ما دام أنه لم يثبت لها ذلك؟! ولماذا لا يكون مثل ذلك الاستنتاج في حق إسرائيل؟!

وفي الوقت الذي تقر فيه اللجنة بأن إسرائيل لم تتعاون معها البتة، إلا أنها تصدر شهادة تخفيف التهمة حين تقول "وتسلم البعثة بالجهود التي بذلتها إسرائيل لإصدار تحذيرات عن طريق المكالمات الهاتفية والمنشورات والإعلانات الإذاعية وتسلم بأن هذه التحذيرات، وخاصة في الحالات التي كانت فيها محددة بوجه كافٍ، قد شجعت السكان على ترك المنطقة والابتعاد عن موقع الخطر"! وكأن من واجب اللجنة أن تقبل جبين الجيش الإسرائيلي على إنذاره المدنيين من شيوخ وعجزة ورضع في إخلاء منازلهم المدنية الآمنة قبل إطلاق الصواريخ عليهم! فأي تضليل وتحقير للعقل أكبر من هذا؟!

وكما لا يخفى، فإن القصد هو تخفيف العبء على المدافعين عن المتهمين الإسرائيليين في حال مثول أي منهم أمام المحاكم الدولية.

أمر مهم، هو أن التقرير اتهم حماس بشكل مباشر بأنها هي التي انتهكت وقف إطلاق النار الذي تسبب في اندلاع الحرب، في تبريرٍ آخر غير مباشر للحرب الإسرائيلية على غزة! أي كأن التقرير يقول إن إسرائيل ما كانت لتبدأ الحرب على غزة لولا أن حماس أطلقت الصواريخ أولاً! ولم تكترث اللجنة بالتصريحات التي كان أدلى بها الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر حين قال في لقاء مع محطة سي أن أن "إن حركة حماس لم تنتهك الهدنة، وإن حماس لم تنتهك عهدا قطعته على نفسها"!

القراءة القانونية أيضا تثير شكوكا في حيادية التقرير، الذي تحدث عن الجندي الإسرائيلي المأسور مرات عديدة، في حين لم يشر لا من قريب ولا من بعيد إلى أكثر من عشرة آلاف فلسطيني بين مختطف وأسير في سجون الاحتلال! أما حين يتحدث التقرير عن قنابل الدايم، فتبدو محاباة فاضحة للجانب الإسرائيلي، حين يذكر التقرير أنه "في حين أن البعثة ليست في وضع يمكنها من أن تعلن على نحو مؤكد أن القوات المسلحة الإسرائيلية قد استعملت ذخائر متفجرة معدنية خاملة كثيفة (الدايم)، فإنها لم تتلق تقارير من الأطباء الفلسطينيين والأجانب ممن عملوا في غزة أثناء العمليات العسكرية تفيد بوجود نسبة مئوية مرتفعة من المرضى ذوي الإصابات التي تتمشى مع تأثير هذه الذخائر". ولعل ما في هذه العبارة من الصياغة الملتوية ما يغني عن التعليق!

وبنفس أسلوب المخادعة، يتحدث التقرير عن هجوم الفاخورة الذي لا يمكن قبوله أو تبريره، ولكن يضيف التقرير بقوله "وتعترف البعثة، وهي تضع استنتاجاتها القانونية بشأن الهجوم الذي شن على مفترق طرق الفاخورة، بأن القرارات المتعلقة بالتناسب والتي توازن بين الميزة العسكرية التي ينتظر تحقيقها والخطر المتمثل في قتل مدنيين هي قرارات تطرح على جميع الجيوش معضلات حقيقية فعلاً في حالات معينة". وكأن البعثة بهذا القول نصبت نفسها مبررة لجرائم الجيش الإسرائيلي!

"
اتهامات اللجنة ضد إسرائيل في الغالب تكون بعبارة "يبدو للجنة أن.."، أما حين تسلط أسيافها على حماس فلسان حالها يقول "وتخلص اللجنة.."، وهذا يعني أنه استنتاج أكيد لا لبس فيه!
"
وواقع الأمر أن مداهنات اللجنة للجيش الإسرائيلي لا تنتهي في هذا التقرير، في حين أن اللجنة إذا سلطت أسهمها على حماس والجماعات المسلحة غالبا ما تنتهي بمفارقة عجيبة! فاتهامات اللجنة ضد إسرائيل في الغالب تكون بعبارة "يبدو للجنة أن.."، أو كما جاء في مكان آخر "توحي ملابسات الضربة أنها ارتكبت عمدا.." (من غير جزم أكيد من قبل اللجنة حول هذا الاتهام، وإن كان ظاهره اتهاما). أما حين تسلط أسيافها على حماس فلسان حالها يقول "وتخلص اللجنة.."، وهذا يعني أنه استنتاج أكيد لا لبس فيه!

ومن هذه المفارقات أيضا، أن التقرير في بعض الحالات التي وجه خلالها تهمة إلى الجيش الإسرائيلي، تجده يستخدم عبارات مثل: أن هذا العمل هو "بمثابة جريمة حرب"، (الفصل 13)، (من غير جزم أن هذا العمل "هو جريمة حرب"، والأسلوب يجيء للتخفيف على المدافعين عن المتهمين الإسرائيليين في حال مثولهم أمام محكمة دولية).

أو أن يقول التقرير، كما في أماكن عديدة من التقرير منها الفصل 16، "في رأي اللجنة أن هذا الأمر يتعارض مع القانون الدولي الإنساني"، في حين أنه في ثنايا اتهامه لحماس يصر التقرير على أن ذلك العمل "يمثل جريمة حرب طبقا لاتفاقية جنيف الرابعة". ولعل الأمر الذي لا يخفى هنا هو أن قول "رأي اللجنة" يجعل الأمر مسألة "رأي قانوني" يمكن الخلاف حوله، ويمكن قبول "وجهة نظر" قانونية أخرى لفقهاء القانون الدولي قد تختلف مع وجهة نظر كاتبيه، لأن المسألة ليست محسومة هنا!

ختاما، تركت اللجنة مخرجا لكل من إسرائيل وحماس للإفلات من أي ملاحقة قضائية دولية، إذا ما أقرت إسرائيل والسلطات في غزة محاكمات داخلية نزيهة وشفافة، ولكنها تركت تقدير ذلك الأمر لمجلس الأمن! أي أن الاتهامات القانونية قد تنتهي برؤية سياسية!

بالإضافة إلى كل ذلك، فإن من المهم الإشارة -ولو بشكل عابر- إلى ما أغفله التقرير. فالتقرير أغفل جرائم كبرى اقترفتها وتقترفها إسرائيل أثناء وقبل وبعد الحرب على غزة. من هذه الجرائم ادعاءات نشرتها صحف إسرائيلية أثناء الحرب، وأقر بها الجيش الإسرائيلي لاحقا من أن الجيش الإسرائيلي وزع على مقاتليه فتاوى من قبل حاخامات يهود تفتي بجواز قتل الأطفال والنساء والشيوخ في غزة وعدم إظهار أي رحمة تجاه هؤلاء.

ووجه التأكيد هنا هو أن هذه ليست مجرد تهمة، ولكنها حقائق نشرتها صحف إسرائيلية ثم أقر بها الجيش الإسرائيلي ذاته. والجرم هنا لا يكمن في إصدار هذه الفتاوى، لأن الحاخامات لا يمثلون القيادة العسكرية أو السياسية للبلاد، ولكن المسؤولية القانونية تقع على عاتق الجيش الذي قام بتوزيع هذه الفتاوى الدينية على الجنود المقاتلين، في إشارة إلى تشجيع الجنود على عدم المبالاة في قتل هذه الفئات المحمية باتفاقية جنيف الرابعة. وغني عن القول إن إغفال مثل هذه التهمة فيها حماية للجيش الإسرائيلي من مخالفة جسيمة للقانون الدولي.

أيضا، أغفل التقرير مسألة تهويد القدس والاستيطان ومسألة الجدار العازل، وهي مسائل وإن كانت بعيدة عن مهمة التقرير إلا أن اللجنة حين سمحت لنفسها بتوسيع نطاق عملها، فشملت جميع انتهاكات قانون حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، كان عليها أن تدرج هذه الانتهاكات القانونية الدولية كذلك.

"
تقريرغولدستون أغفل التعرض لحق المقاومة ضد الاحتلال، وهو أمر مشروع بموجب القوانين والشرائع الدولية، ولعل الحديث عن حق المقاومة يفند ادعاءات إسرائيل في أن حربها كانت دفاعا عن النفس، إذ لا يوجد حق الدفاع عن النفس للمحتل
"
أغفل التقرير التعرض لحق المقاومة ضد الاحتلال، وهو أمر مشروع كما يعلم غولدستون، بموجب القوانين والشرائع الدولية، ولعل الحديث عن حق المقاومة يفند ادعاءات إسرائيل في أن حربها كانت دفاعاً عن النفس، إذ لا يوجد حق الدفاع عن النفس للمحتل في القوانين الدولية، في حين تكفل القوانين الدولية حق المقاومة ضد المحتل، وهذا لا خلاف فيه بين فقهاء القانون الدولي. وغني عن القول إنه لو أشار غولدستون إلى حق المقاومة لأسقط نظرية إسرائيل القائمة على زعم "الدفاع عن النفس" في حربها ضد غزة.

هذه مجرد نبذة عاجلة، وخلاصة القول إن هذا التقرير كمن أعطى حكما بالسجن لمدة سنة واحدة لشخص اقترف جرائم عقوبتها تزيد على مائة سنة! وترك تنفيذ العقوبة لوالد المتهم، الذي هو أشفق الناس به!

ورغم ذلك كله، فإن إخراج هذا التقرير وتمريره في مجلس حقوق الإنسان، أمر هام للغاية، ومع ما فيه من مثالب، فإن ذلك لا يقلل من قيمته السياسية والقانونية، إذ هو خطوة هامة في هذه المرحلة، ويمكن أن يشكل خطرا حقيقيا على المسؤولين الإسرائيليين سواء كانوا سياسيين أو عسكريين، ويفتح الباب أمام تقديم طلبات القبض عليهم وتقديمهم للمحاكمات الدولية، ولأجل ذلك ارتعدت فرائص الحكومة الإسرائيلية، وشكلت اللجان القانونية والسياسية لمواجهة هذا الخطر الداهم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك