عبد الستار قاسم

عبد الستار قاسم

كاتب وأكاديمي فلسطيني


 
طالما عشنا غرباء في هذا الوطن العربي الكبير لأننا لم نكن نعلم إلا النزر اليسير حول ما يجري على الأرض العربية، ذلك لأن وسائل الإعلام العربية كانت تشبعنا كذبا وتضليلا، حتى ظننا أن الأمة في ظل الأنظمة العربية القائمة قوية وناهضة وعظيمة ومهابة الجانب، ولم تصدمنا الحقيقة إلا بعدما خبرنا بأنفسنا الهزائم المتكررة في مختلف الميادين، ورأينا الأمم تتقدم ونحن نلهث خلفها والهوة بيننا وبينها تتسع وتتعمق. لقد أشبعتنا وسائل الإعلام العربية تمجيدا بالقادة والزعماء، وأشبعتنا أوهاما حول انتصارات كبيرة وكثيرة في مجالات الثقافة والعلم والاجتماع والاقتصاد.

كنا نهرب أحيانا من وسائل إعلام العرب إلى إذاعة لندن (BBC) وأحيانا أقل إلى إذاعة إسرائيل. في كثير من الأحيان لم نكن نصدق ما تقوله الإذاعتان لأننا تربينا وترعرعنا على خطابات العرب الرنانة والانتصارات الوهمية المجيدة. وأذكر أنني لم أصدق أن الجندي الإسرائيلي قد احتل الضفة الغربية حتى عندما رأيته يسير في شوارع قريتي دير الغصون. خفت وطأة التضليل الإعلامي بعض الشيء بعد عام 1967، أو أنه بدأ يأخذ منحى آخر أقل وقاحة، لكنه استمر حتى الآن على المستويات الرسمية، والمستويات غير الرسمية التي تخضع لمراقبة أجهزة المخابرات، وتخضع لتعليماتها إلى حد كبير.

ظهرت في التسعينيات محطات فضائية حاولت تحسين مستوى الإعلام العربي من خلال طرح وجهات النظر الأخرى ولو بصورة خجولة. أعطت المحطات اللبنانية مثل LBC والمستقبل انطباعا لا بأس به عن الإعلام اللبناني من الناحية السياسية، لكنها لم ترتق إلى مستوى الفضائيات العالمية ذات الجمهور الإعلامي. وظهرت المنار التي حاولت أن تأخذ البعد العربي، لكن الضغوط عليها هائلة، وتأثرت كثيرا بالأزمات الداخلية اللبنانية، وأصبح الخبر اللبناني يتصدر إعلامها السياسي، إلا إذا كان هناك خبر حول المواجهة ضد العدو الصهيوني.

ثورة الجزيرة
"
فتحت الجزيرة الباب أمام مختلف الآراء والمواقف، وتعددت برامجها التي أخذت أبعادا قومية عربية وتعالج هموما عربية لها وقعها على حاضر العربي ومستقبله, وأصبح هناك أصوات أخرى في الساحة العربية غير الصوت الرسمي ومن والاه
"
لم تحدث ثورة إعلامية في الوطن العربي إلا بعد انطلاق محطة الجزيرة الفضائية في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 1996. وأسميها ثورة لأن تغييرا إعلاميا كبيرا قد حصل على الأرض العربية حشر الإعلام العربي الرسمي وشبه الرسمي في الزاوية، وفتّح عيون المواطن العربي على الكثير من الأمور التي كانت في غياهب المجهول. انتهجت الجزيرة نهجا مختلفا تماما مبتعدة عن رغبات الأنظمة العربية وناذرة نفسها للمهنية الصحافية والإعلامية بحيث شكلت سلطة قومية عربية نلمس أثرها يوميا على الأرض العربية.

أصبح هناك أصوات أخرى في الساحة العربية غير الصوت الرسمي ومن والاه، ولم يعد التحليل السياسي حكرا على أصحاب السطوة، ولم يعد الموقف الرسمي العربي هو وحده المسموع، ولم يعد المواطن العادي واقفا على الرصيف يتفرج فقط على اللاعبين، بل أصبحت أمامه فرصة قول الرأي والدفاع عنه.
 
فتحت الجزيرة الباب أمام مختلف الآراء والمواقف، وتعددت برامجها التي أخذت أبعادا قومية عربية وتعالج هموما عربية لها وقعها على حاضر العربي ومستقبله. هناك برنامج الحوار المفتوح الذي يحرص على تعددية الرأي، والمنبر الحر, والاتجاه المعاكس، والرأي والرأي الآخر، إلخ، وهي جميعها كانت من المحرمات من حيث مضمونها.
 
لقد كسرت الجزيرة الاحتكار الإعلامي إلى حد كبير. منذ متى كنا نسمع انتقادات شديدة أو خفيفة للحكام العرب؟ ومنذ متى انكشفت أعمالهم التي لم ترتق بالأمة العربية؟ ومنذ متى كان العربي يتحدث عن التخلف العربي بصراحة وموجها أصابع الاتهام إلى الحكام العرب؟ هذا نسمعه على مدى سنوات على قناة الجزيرة، والتي شكلت حافزا لقنوات أخرى لمناقشة بعض الأمور ببعض الشجاعة.

هذا لا يعني أنه لا يوجد قنوات فضائية تفتح المجال الآن لأكثر من رأي، لكن لا يوجد قناة تتبنى هذا الأمر بكثافة الجزيرة وبوضوحها.

النقمة على الجزيرة
السلطان يكره من يتحداه، ويكره أن يرى تغييرا يأخذ مجراه لما في ذلك من خطر على سلطانه وكرسي حكمه. لقد أتت الجزيرة بما لم يأت به الأولون من الناحية الإعلامية، وكان من المتوقع أن تتعرض للتشهير والتسخيف والتتفيه، وللحرب.
 
تعرضت الجزيرة لحملات قاسية من قبل أغلب الأنظمة العربية بسبب ما تذيعه من أخبار، أو بسبب ما يصرح به بعض الضيوف على برامجها. ومعها تعرضت قطر للضغط من أجل إغلاقها أو استبدال طاقمها بطاقم منافق يمالئ الحكام ويثني على سياساتهم. ولم تكن النقمة عربية، بل تعرضت القناة لضغوط أميركية وبريطانية وغربية عموما، وتم الاعتداء على مكاتبها بالطائرات القاذفة.

ما تقوم به الجزيرة يرفع من مستوى وعي المواطن العربي بمشاكل الأمة وهمومها، وبهزائمها وإخفاقاتها وجديتها في مواجهة التحديات. إنها تفصح عن سياسات الأنظمة العربية بطريقة أكثر وضوحا من كل القنوات العربية، وتضع الحكام العرب في كثير من الحرج. وتاريخيا، تعتبر حركة الوعي خطيرة جدا على المستبدين والفاسدين والمتنفذين بغير وجه حق.
 
"
الجزيرة تفصح عن سياسات الأنظمة العربية بطريقة أكثر وضوحا من كل القنوات العربية، وتضع الحكام العرب في كثير من الحرج, وتاريخيا، تعتبر حركة الوعي خطيرة جدا على المستبدين والفاسدين
"
الوعي النظري يولد الصراحة العلنية في الطرح، والذي ينتهي غالبا بوعي عملي، أي بترجمة الوعي النظري إلى عمل. وإذا حصل ذلك فإن مصالح الحكام العرب ستكون مستهدفة، وكذلك مصالح إسرائيل وأميركا ومختلف الدول الاستعمارية عموما. لم يعد الحاكم العربي يلقي خطابه ولا تسمع في وسائل الإعلام إلا الثناء عليه والمديح، إنما هناك من يستمعون للخطاب بتركيز ليحللوه بحلوه ومرّه مباشرة.

الثورة الإعلامية هي ثورة معرفية، والثورة المعرفية تعني السير خطوات نحو التغيير الذي يكرهه السلاطين. صاحب السلطان مع الاستقرار لأنه يخدمه ويخدم مصالحه، أما التغيير فيؤذن بما لا تشتهي نفوس المتربعين على ثروات الأمم.

تبني القضايا العربية
واضح أن الجزيرة منحازة للقضايا العربية وبالأخص قضيتي فلسطين والعراق، وقضايا التنمية والتعليم والبناء الاقتصادي وعدالة التوزيع. وقفت الجزيرة مع قضية فلسطين منذ أن بدأت وما زالت -على الرغم من أن رجال السلطة الفلسطينية يتهمونها بالتحيز لحماس- وهي تلعب دورا هاما في حشد الرأي العام العربي لصالح فلسطين وحقوق شعب فلسطين، وتنذر نفسها وقت الأزمات الحادة لخدمة هذه القضية.
 
يعرف الجميع كيف غطت الجزيرة أحداث الانتفاضة، وحصار عرفات، والحرب على غزة، إلخ. لكن هذا لم يكن على حساب المهنية إذ أبرزت إلى حد ما الاقتتال بين الفلسطينيين، وما زالت تجري اللقاءات مع فلسطينيين لا يبحثون عن الحقيقة أو الحلول بقدر ما يبحثون عن مناكفات.
 
وفي تغطيتها لمختلف القضايا العربية أعطت الجزيرة المجال للحكام وللمعارضين الوقت المتكافئ والمناسب لشرح وجهات النظر. وإذا كان لنا أن نقوم بدراسة إحصائية نجد أنها عملت وفق ميزان حساس في استضافتها للناس من مختلف المواقف حيال القضايا العربية.

قطر مأخذ على الجزيرة
هناك من يقول إن الجزيرة قناة مدسوسة ويعلم الله ما هي أهدافها لأنها تبث من قطر وتنفق عليها قطر. هم يقولون إن قطر دولة تابعة لأميركا، وفيها قاعدة عسكرية أميركية ضخمة، ولولا أن أميركا معنية بوجود القناة لما سمحت لقطر بتبنيها والإنفاق عليها. لاحظت أن الغالبية الساحقة ممن يتبنون هذه الجدلية منخورون من قبل أميركا وأجهزتها، وإسرائيل وأجهزتها.
 
أغلبهم من الذين يوالون أميركا ويسعون إلى الصلح مع إسرائيل على حساب الحقوق الفلسطينية والعربية والإسلامية. هذا ما يعطي الانطباع بأن الهدف هو الانتقاص من شأن الجزيرة، وليس مناقشة الأمور بجدلية علمية. فمن يرى في أميركا خطرا على الأمة، عليه أن يتوقف عن التعامل معها، أو خدمة مصالحها لقاء بعض الدراهم.

أوافق بأن قطر هي دولة تقيم تعاونا أمنيا وإستراتيجيا مع أميركا، وهذا أمر أعتبره ضد المصلحة القومية العربية. أميركا عدو للعرب والمسلمين ويجب التعامل معها على هذا الأساس، لكن المشكلة ليست فقط في قطر وإنما في أغلب الأنظمة العربية التي تدين بالولاء والطاعة لأميركا، ولا تتصرف في القضايا الإستراتيجية الهامة إلا وفق الإرادة الأميركية.
 
والسؤال: هل الأفضل أن تكون مواليا لأميركا وتقيم قناة الجزيرة، أم تكون مواليا وتحارب قناة الجزيرة؟ إذا كانت الجزيرة عبارة عن مخطط أميركي لتلويث العقل العربي فإنني أدعو أعوان أميركا إلى التوقف عن تنفيذ المخططات الأميركية على الأمة العربية قبل توجيه الاتهام للآخرين.

مآخذ على الجزيرة
"
أكره أن أرى على شاشة الجزيرة صهيونيا أو إسرائيليا لأن ذلك من التطبيع, التطبيع مع إسرائيل عبارة عن قضية قومية هامة، ومن المطلوب ألا تشارك الجزيرة بها
"
لا تخلو الجزيرة من مآخذ على أدائها الإعلامي، ولا بد أن لكل مشاهد ما يقوله بهذا الشأن. وهنا أضع بعض النقاط:
أولا: أكره أن أرى على شاشة الجزيرة صهيونيا أو إسرائيليا لأن ذلك من التطبيع. التطبيع مع إسرائيل عبارة عن قضية قومية هامة، ومن المطلوب ألا تشارك الجزيرة بها. كمشاهد، أحب أن أعرف كيف يفكر الصهاينة، وأتعرف على مواقفهم من مختلف القضايا، لكن ليس من خلال إدخالهم إلى بيتي عبر الشاشة، كعربي، بيتي يقتحمه الغزاة الصهاينة اقتحاما تحت جنح الظلام، وليس كضيوف، ومن واجبي أن أعمل حتى لا يتمكنون مني.

ثانيا: تبالغ الجزيرة أحيانا بالتغطية الإعلامية لأمور ليست ذات أهمية مثل مؤتمرات القمة العربية واجتماعات الجامعة العربية، والمناكفات الفلسطينية.

ثالثا: على المستوى الفلسطيني، هناك انحياز لصالح بعض الشخصيات الأمنية المعروفة بتواطئها مع إسرائيل. وهي تحرص أن يكون ضيفها الداخلي في برامجها الحوارية في الغالب من المؤيدين للسلطة، بينما المعارض من خارج فلسطين. الموجود في الداخل لديه معرفة أكثر بما يجري من الذي في الخارج.

رابعا: أوصاني منسق أحد البرامج ذات مرة في لقاء لي مع الجزيرة بألا أكون شديدا على السعودية. مر البرنامج دون أن نأتي على ذكر السعودية، لكن التوصية بحد ذاتها تدل على عدم مهنية. فهل تكرر هذا الأمر مع غيري؟

خامسا: يعبر بعض ضيوف القناة أحيانا عن انتقاد للجزيرة، ولاحظت أن المذيع أو المذيعة يقطع الاتصال. هذا يعبر عن ضعف، والمفروض الاستماع حتى تتضح فكرته.

سادسا: على الرغم من أن الجزيرة تجمع حولها العرب من كل مكان، وتعزز المشاعر العربية الوحدوية، لكنها لم تطور برامج خاصة بقضية الوحدة العربية حتى الآن. هناك حاجة ماسة لبرامج تحمل عناوين الهموم العربية الكبرى مثل الوحدة العربية، والفساد الإداري والمالي في البلدان العربية، وسوء توزيع الثروة، ومشاكل التخلف سواء أكان اجتماعيا أو اقتصاديا أو فنيا أو ثقافيا. مطلوب من الجزيرة التحرر من شعار التضامن العربي الأجوف، والتركيز على الوحدة بوضوح.
 
الجمهور الأوسع
"
قد تفوق بعض البرامج في قنوات أخرى قناة الجزيرة جماهيريا, لكن تبقى برامجها التثقيفية التي تحكي المعاناة العربية ذات قدرة استقطابية واسعة
"
تبين الإحصائيات أن الجزيرة تتمتع بأكبر جمهور عربي، واستطاعت أن تكسب ثقة أغلب الناس في الوطن العربي، وأن تكون قناتهم الأولى بخاصة فيما يتعلق بالأخبار. هناك قنوات قد تفوقها من ناحية الجمهور في برامج معينة مثل برامج السوبر ستار وستار أكاديمي على الشاشات اللبنانية، أو مثل مسلسل باب الحارة على MBC، أو مسلسل نور ومهند التركي، لكن تبقى برامجها التثقيفية التي تحكي المعاناة العربية ذات قدرة استقطابية واسعة.
 
وقد حاولت بعض المحطات منافسة الجزيرة وأخذ دورها، لكن هذا لم يتكلل بالنجاح بسبب ممالأة هذه القنوات للحكام العرب. كن مع الحكام العرب إذا أردت أن يكرهك حوالي 90% من الناس.
 
هناك انطباع جماهيري بأن الجزيرة ناقدة للوضع العربي، وتأتي بمثقفين وأكاديميين يتحدثون بصراحة حول أوضاع الأمة، وبما أن الجمهور العربي غير مرتاح للسياسات الرسمية العربية فإن وقته لن يقضيه في مشاهدة تلفاز رسمي عربي يغني لقائد أو ينشد لزوجته. وتقديري أن الجزيرة تستطيع أن تعزز من جمهورها بالمزيد إذا راجعت نفسها باستمرار، وعملت على تقييم أدائها بصورة دورية.

المصدر : الجزيرة

التعليقات