عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوري



الحرب الضرورية
أطروحة هاس
الحرب في أفغانستان
الحرب بوصفها قناعًا

كثُرت مع مطلع الألفية الجديدة الدراسات التبريرية الاستطلاعية حول الحرب المشروعة وغير المشروعة، وما كانت المعالجات التي كتبها كتّاب وساسة أميركيون وأوروبيون هي الأولى في هذا المجال، لكن ما يهمنا في هذا الحيّز هو ما تفرّع عنها من إشكاليات أو مسائل، تخص مدى تبرير أو تسويغ الغاية للوسيلة، ومدى تمتُّع الدولة أو الجهة التي تشن الحرب بالحق أو المشروعية الضرورية لذلك.

الحرب الضرورية
من المقولات التي عادت إلى ساحة التداول السياسي العالمي من جديد مقولة "الحرب الضرورية"، وجاءت هذه المرّة على لسان الرئيس الأميركي باراك أوباما، حين دافع عن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة الأميركية إلى جانب حلف شمال الأطلسي في أفغانستان، ووصفها بأنها "حرب ضرورية"، وليست "حربًا اختيارية".

"
من المقولات التي عادت إلى ساحة التداول السياسي العالمي من جديد مقولة "الحرب الضرورية"، وجاءت هذه المرّة على لسان الرئيس أوباما، في معرض دفاعه عن الحرب التي تخوضها أميركا في أفغانستان
"
والمفارقة في الأمر هو أن يلجأ الرئيس أوباما إلى استعارة هذا التمييز المخادع والمضلل من كتاب "War of Necessity, War of Choice: A Memoir of Two Iraq Wars" (الحرب الضرورية، الحرب الاختيارية: مذكرات حربي العراق) لـريتشارد هاس (Richard N. Haass)، أحد أبرز المفكرين السياسيين الأميركيين ومدير مركز مجلس العلاقات الخارجية الأميركية، مع أن المؤلف نفسه تنصل من هذا التمييز بين الحربين، واعتبر في مقال نشره مؤخرًا في صحيفة نيويورك تايمز أن الحرب في أفغانستان ليست "حربًا اختيارية"، بل حربًا من "اختيار أوباما".

ويبدو أن الرئيس الأميركي يبني تصوره على التأكيد بأن الحرب في العراق هي حرب مختارة. وهي حرب "سيئة"، وكانت من اختيار الرئيس السابق جورج دبليو بوش، لذلك يعمل جاهدًا على الانسحاب من العراق بأقل خسائر ممكنة، بينما يعتبر أن الحرب التي اختارها هو -وهي الحرب في أفغانستان ضد تنظيم القاعدة وطالبان- حرب "جيدة" و"ضرورية"، بحيث يتوجب على الولايات المتحدة الأميركية أن تسخّر كل قوتها العسكرية وجهودها وطاقاتها من أجل الانتصار فيها.

أطروحة هاس
يعتبر ريتشارد هاس أن حرب قوى التحالف ضد العراق، التي شنت من أجل تحرير الكويت، كانت حربًا ضرورية، بوصفها واحدة من تلك الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة الأميركية ردًّا على تصرف دول أخرى، حيث اعتقدت الولايات المتحدة أن اجتياح صدام حسين للكويت كان عملاً يهدد المصالح الحيوية الأميركية.

في حين أن الحرب الاختيارية هي تلك الحرب التي تشنها الولايات المتحدة "لتغيير سلوك دول أخرى"، وتبرر شنها لتلك الحرب بطموحات أيديولوجية وأهداف أخلاقية. لكن هاس صمت عن الحرب التي قادتها الولايات المتحدة الأميركية ضد العراق عام 2003، وأفضت إلى احتلال العراق وخراب الدولة العراقية، ولم يعارض هذه الحرب، التي شنت بناء على ادعاءات كاذبة وواهية، أبرزها الخطر المزعوم الذي شكلته أسلحة الدمار الشامل، مع أنه كان مديرًا للتخطيط في وزارة الخارجية الأميركية في ذلك الوقت.

وبالاستناد إلى تمييز هاس نفسه، فإن كل الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة الأميركية ضد العراق كانت بدافع الاختيار، وعن سابق إصرار وتصميم لتحطيم هذا البلد، ولم تكن هناك أية ضرورة واضحة للعيان.

وتكمن القضية في الفرق بين ضرورة الحرب واختيارها في أن كل قرارات شن الحرب التي اتخذتها الولايات المتحدة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية، كانت تخضع لمعيارية السلطة الحاكمة في تعريف الضرورة وخلق مسوغاتها وتبرير مشروعيتها، وجعلها ضرورية أمام الرأي العام الأميركي، بغية تأمين دعم وتمويل الحرب. وتشمل الحرب الضرورية وفق أطروحة هاس مصالح حيوية، لا يتوافر بديل سياسي لها، في حين أن المصالح التي تشملها الحرب الاختيارية ليست حيوية في تصوره، لأن ثمة بديلا سياسيا لها.

إلى جانب أن اتخاذ القرار في حروب الضرورة يجب أن يكون واضحًا ومباشرًا، أما القرار في حرب الاختيار فيكون بعيدًا عن الوضوح. لكن السؤال الهام في هذا المجال هو: هل الحرب في أفغانستان ضرورية فعلاً بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية؟

الحرب في أفغانستان

"
يعلم أوباما أن مهمة قواته، ومعها قوات حلف الناتو، في أفغانستان معقدة جدًّا وتواجه ضربات وصعوبات كثيرة، إلا أنه مصمّم على مواصلة القتال في أفغانستان، ولا يعلم تمامًا ما الذي ينتظر القوات الأميركية فيها
"
من نافلة القول أن الحرب في أفغانستان التي تُشنّ تحت يافطة "الحرب على الإرهاب"، لا طائل منها، لأن هناك العديد من عقلاء العالم، من بينهم العديد من الأميركيين، يرون فيها محاولة خطرة وفاشلة لتغيير الخريطة الاجتماعية في العالم، وأن هذه الحرب هي قضية الرئيس أوباما، ويقف إلى جانبه عدد من الساسة الذين يتمسكون بأي حرب كانت، ومهما كانت، ولا يتوقفون عن تصوير الحرب على الإرهاب في أفغانستان على أنها حتمية ولا مفر منها، مع أنهم لا يقدمون له أية ضمانات على النصر فيها، خصوصًا بعد أن فشلوا في حربهم ضد العراق، وباتت أنظارهم موجهة نحو انتصار ما في أفغانستان وباكستان.

ولا شك في أن الحرب في أفغانستان تشكل هاجس الرئيس باراك أوباما، حيث قرر فور وصوله إلى البيت الأبيض تركيز الحرب على أفغانستان وباكستان، وتخفيض سقف التوقعات من إقامة حكومات مستقرة، سواء في العراق أو أفغانستان أو باكستان، حتى إن الهدف من أول زيارة خارجية له إلى كندا كان ينحصر في إقناع الحكومة الكندية بعدم سحب قواتها من أفغانستان.

ويعلم أوباما أن مهمة قواته، ومعها قوات حلف الناتو، في أفغانستان معقدة جدًّا وتواجه ضربات وصعوبات كثيرة، وبالرغم من أنه طرح مقولة "الحوار مع معتدلين من طالبان"، فإنه مصمّم على مواصلة القتال في أفغانستان، ولا يعلم تمامًا ما الذي ينتظر القوات الأميركية فيها.

ومن جهة ظروف الحرب الدائرة منذ سنوات عديدة في أفغانستان، فإنها تعدد وتتشابك، مع تكاثر الأطراف والمتغيرات المتفاعلة فيها، حيث تتحكم فيها محددات مختلفة، يتداخل فيها موقع أفغانستان الجغرافي والإستراتيجي مع مدى توافر الإرادة السياسية لدى الأطراف المتحاربة للظفر بهذه الحرب الخاسرة أو تقاسم مغانمها، إلى جانب حساب التكلفة الباهظة والمردود. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: إن كان من شبه المستحيل الانتصار في هذه الحرب، فما فائدة المكانة الإستراتيجية لأفغانستان؟

يبدو أن الإجابة عن هذا السؤال تحرج القادة الأميركيين، مدنيين وعسكريين، خصوصًا مع تزايد الخسائر والضربات والتكاليف الباهظة، حيث يقول الجنرال ديفد بتراوس قائد القيادة المركزية الأميركية، إنه لا يعتقد أن "هناك شخصًا يستطيع أن يضمن أن الأمور ستنجح في أفغانستان، حتى لو كرسنا المزيد من الموارد، لكنها بالتأكيد لن تنجح إذا لم نقم بشيء". ويستبعد بتراوس تمامًا أن تكون إستراتيجية الطائرات بدون طيار والقصف الصاروخي والاعتماد على القوات الأميركية الخاصة كافية لوحدها في أفغانستان.

"
الولايات المتحدة الأميركية أنفقت ما يقارب 230 مليار دولار على الحرب في أفغانستان منذ بدايتها 2001 وإلى اليوم، ومساعدات حكومة كرزاي وصلت إلى ما قيمته 9.3 مليارات هذا العام
"
من جهة ثانية، فإنه وفقًا لهيئة الأبحاث في الكونغرس الأميركي، فإن الولايات المتحدة الأميركية أنفقت ما يقارب مائتين وثلاثين مليار دولار على الحرب في أفغانستان منذ بدايتها 2001 وإلى اليوم، وازدادت المساعدات العسكرية والاقتصادية المقدمة لحكومة كرزاي من 942 مليون دولار في عام 2002 إلى ما قيمته 9.3 مليارات هذا العام (2009)، منها 5.8 مليارات دولار مساعدات أمنية و3.5 مليارات مساعدات اقتصادية. ويبدو أن هذه الحرب تحتاج إلى المزيد من الأموال، فضلاً عن تزايد الخسائر البشرية، خصوصًا بين صفوف المدنيين الأفغان.

الحرب بوصفها قناعًا
يكشف واقع الحال أن الرئيس باراك أوباما لا يفترق عن سابقيه عندما يتعلق الأمر بتسويق الحرب التي يخوضها في أفغانستان، ومن الطبيعي أن يلجأ إلى خداع التفريق بين حرب ضرورية وأخرى اختيارية، مثلما فعل غيره باعتماد مقولات مثل "الحرب الاستباقية" أو "الوقائية" أو "الحرب العادلة"، لكنه أدخل نفسه بذلك في سرداب الحرب المظلم، الذي تترد فيه مفردة "الحرب" على كل الألسن، وترد في صيغ متعددة، مثل "الحرب على الإرهاب"، "الحرب الاستباقية" أو "الوقائية"، "الحرب العادلة" وغير ذلك.

ويظهر التاريخ الإنساني أن الحرب الضرورية هي تلك التي يضطر الإنسان لخوضها دفاعًا عن الحرية. ويعلم جيدًا الرئيس باراك أوباما أن الحرب تكون ضرورية عندما تكون رادعة، أي ردعًا لعدوان، أو دفاعًا عن أرض محتلة أو حق مغتصب، لكن يبدو أنه في المعيارية الأميركية صارت الحرب في أفغانستان ضرورية، مثلما كانت في العراق من قبل.

لكن بالرغم من كل ما يقال ويكتب، فإنها تبقى غير شرعية، قبل كل شيء، لكونها فعلاً تتناقض مع القوانين والأعراف الدولية.

ويبدو أن مفردة "الحرب" صارت قناعًا يخفي ما تعبّر عنه وما تجسده، وإلحاقها بلازمة معينة مثل "على الإرهاب" أو "ضد المتطرفين" أو ضد القاعدة وطالبان، يعني محاولة إضفاء طابع الشرعية على ما يصاحبها من قتل وتدمير وترويع وضحايا مدنيين، ويصبح الهدف هو إضفاء طابع الاعتياد على ويلاتها ودمارها وخرابها.

وقد انبرى بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، عدد من الكتاب –الحربيين- الذين باتوا يروجون للحرب، خصوصًا بعض الكتاب الأميركيين ومن يردد مقولاتهم أو من يتلاقى مع أطروحاتهم ولو من جهة الرفض. ونمت الأدبيات "الحربية" التي جهد أصحابها في إفراغ كلمة "حرب" من محتواها، وفي حمل الناس على فهمها فهمًا سلبيًّا، لا يثير التفكير لديهم، ولا يحرّض الوعي لديهم. فحين تتسلل كلمة الحرب إلى كل التحليلات، وتترد فوق كل المنابر، فإن المواطن سرعان ما يستأنس بها، ويتقبلها بوصفها تسمية لشيء قدري لا مناص منه، وكأنها بلاء يُوحّد الأمة. والمصيبة إذا عمت هانت، وتلك هي الحكمة البالغة لمنظري خطاب الحرب ومروجيه.

"
لجوء ساسة الولايات المتحدة الأميركية إلى تسويق ضرورية الحروب التي شنتها ضد العراق وأفغانستان يدخل في باب التطهر ورفع اللوم عنهم، وبالتالي كي يتنصلوا من تبعاتها ومن الأعباء الأخلاقية
"
غير أن لجوء ساسة الولايات المتحدة الأميركية إلى تسويق ضرورية الحروب التي شنتها ضد العراق وأفغانستان يدخل في باب التطهر ورفع اللوم عنهم، وبالتالي كي يتنصلوا من تبعاتها ومن الأعباء الأخلاقية، وكي يخفوا أهداف الحرب الحقيقية التي لا تخرج عن نزعة محاولة بسط الهيمنة والسيطرة على كافة المستويات.

ويرى روبرت كاغان في مقال كتبه في صحيفة واشنطن بوست، أن التهرّب الذي تأمله الإدارة الأميركية من الأعباء الأخلاقية ما هو إلا وهم، نظرًا لأنه بمجرّد إعلان الولايات المتحدة الأميركية أمرًا ما ضروريًّا لا يعني أن بقية العالم، وخصوصًا الضحايا سيصدقون أنه عادل، وبالتالي فإن ادعاء الضرورة لن يعفي الولايات المتحدة والرئيس باراك أوباما من تحمّل مسؤولية أفعالهم.

وينقل على لسان راينولد نييبور أن الساسة الأميركيين يجدون صعوبةً في الاعتراف بهذا الغموض الأخلاقي في السلطة، لكونهم يرفضون مواجهة واقع أن أي خير لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الممارسة الغامضة أخلاقيًّا لسلطتهم. ويمكن لأي فعل أن يكون صائبًا أو عادلاً من دون أن يكون ضروريًّا، لذلك يجب على الرئيس أوباما تبرير سبب كون خياره صائبًا وأنه أفضل من الخيارات البديلة.

المصدر : الجزيرة