راشد الغنوشي

راشد الغنوشي

زعيم حركة النهضة التونسية


 
مع أن ميزان القوة الدولي المختل لصالح القوى الغربية قد نجح في تفتيت آخر شكل للاجتماع السياسي الإسلامي وتجزئته إلى عشرات من الدول الضعيفة رسم خطوطا حُمْرًا لاكتسابها القوة، فقد نجحت بعض الأجزاء في ظل ظروف معينة من انشغال الشياطين الكبار بصراعاتهم أن تفلت، فتحاول تخطي الخطوط الحمر.

حاولت ذلك مصر محمد علي في القرن التاسع عشر مستفيدة من الصراعات الدولية، إلا أنهم سرعان ما جمعوا لها كيدهم فأجهضوا المحاولة، وتكررت مع عبد الناصر في ظروف الحرب الباردة، فوثبوا عليها واغتالوها. وفي ظرف مشابه أفلتت إيران، فأطاحت بحكم تابع، وأرست حكما ممتلئا طموحا إلى اكتساب القوة ومقومات العظمة، فدفعوا لإجهاضها النظام العربي بزعامة البعث، واضعين تحت تصرفه أحدث المعدات ممولة بالنفط العربي.

"
لا يزال نادي العمالقة يوالي خنق إيران، واضعا فوق رأسها سيف التهديد والوعيد بتكرار تجربة العراق، باحثا عن الثغرات في بنيتها المجتمعية السياسية والطائفية والعرقية لتفجيرها، كما حصل الأيام الأخيرة، فهل سيتكرر الأمر مع باكستان رغم أنها حليفة؟
"
حاول بعث العراق الإفادة من الظرف لبناء تقدم علمي يتجاوز الخطوط الحمر المرسومة لأهل المنطقة ضمانا لاستمرار ضعفها وابتزاز مواردها وللتفوق الصهيوني، إلا أنه ما إن أنجزت المهمة وأنهكت إيران وتفجر سرطان الطائفية في المنطقة، حتى استداروا إليه لتجريده من الإمكانات التي أتيحت له وحاول الإفلات بها، فجمعوا كيدهم وسحقوه ومزقوا بلده تمزيقا ليكون عبرة لمن يجرؤ على سرقة النار المقدسة، ولم يوفّروا حتى المتاحف والمكتبات.

أما إيران فلم يكتفوا بإنهاكها، بل فرضوا عليها حصارا خانقا، ومراقبة دؤوبا لشل طموحها لاكتساب المعرفة والتقنية النووية ولو للأغراض السلمية، حتى لكأن الوكالة الدولية لمراقبة انتشار الأسلحة النووية لم تخلق إلا لمنع الدول الإسلامية من اكتساب هذه التقنية.

ولا يزال نادي العمالقة يوالي خنقها، واضعا فوق رأسها سيف التهديد والوعيد بتكرار تجربة العراق، باحثا عن الثغرات في بنيتها المجتمعية السياسية والطائفية والعرقية لتفجيرها، كما حصل الأيام الأخيرة، فهل سيتكرر الأمر مع باكستان رغم أنها حليفة؟

أ- ضمن تسويات الانسحاب البريطاني من شبه القارة الهندية، عمد المستعمر إلى تلغيم القارة قبل مغادرتها، فشقّ خنادق، ستمتلئ دما وكراهية في وجه الإسلام لكي لا يستعيد سيطرته على شبه القارة كما كان لمئات السنين قبل انتزاعها منه، فولدت دولة باكستان ولادة قيصرية مأزومة مشطورة. وفي سياق الحرب الباردة تزعمت الهند معسكر عدم الانحياز بمنزعه الاشتراكي، وانحازت باكستان المهددة بالتفوق الهندي للمعسكر الغربي، ودارت بينهما حروب طاحنة دفعت كلا منهما إلى اعتصار كل إمكاناته لانتزاع قصب السبق في سباق التسلح، فاتجها لتطوير التقنية النووية، وما لبثت تفجيراتهما الأولى أن تزامنت.

لقد بلغ حرص علي بوتو حاكم باكستان البلد الفقير على مواجهة التحدي الهندي أن قال "حتى لو أكلنا الحشيش لن نتراجع عن امتلاك القدرة النووية". لم يكن هذا التطور الذي أدخل بلدا إسلاميا وحيدا، المنطقة النووية المحرمة مرغوبا فيه من قبل الدول الغربية، ولكنه إذ تم في سياق الحرب الباردة وبعيدا عن بؤرة الصراع العالمي (الصراع العربي الإسرائيلي) فقد كان السكوت عليه ولو على مضض محتملا.

إلا أن الأمر قد تغير أولا: مع انتهاء الحرب الباردة، بما جعل مصالح الغرب في الهند أهم من مصالحه مع حليفه القديم، باكستان، الذي لم تعد إليه حاجة كبيرة، بما كشف الغطاء الإستراتيجي عن سلاحه النووي، حتى إن بوش لم يتردد في إبداء إعجابه بالهند وعقد اتفاقيات للمساعدة على تطوير برامجها النووية، بينما كانت زيارته لباكستان باهتة باردة، رغم أنها قاعدته الخلفية لحربه على أفغانستان.

ثانيا: بسبب ما شاع من تسريب عبد القدير خان أبي المشروع النووي الباكستاني معلومات تقنية نووية إلى بلاد إسلامية. ثالثا: بما تروجه بعض الأوساط في دوائر أميركية معينة من تواطؤ الاستخبارات الباكستانية مع طالبان.

ب- 11سبتمبر كارثة حلت بباكستان: لم يمر أكثر من شهرين على ذلك الزلزال المدمر حتى كانت أول دولة إسلامية هي أفغانستان تنهار على رؤوس أهلها، بذريعة إيوائها لعناصر القاعدة الذين تبنوا أحداث11 /9، وبدل أن تتبرأ دولة طالبان من ذلك الصنيع الشنيع ومقترفيه، قدمت لهم المأوى، فجرّت البلاء على نفسها وعلى شعبها وعلى دول إسلامية أخرى، بدءا بالعراق، بذريعة علاقة له مدعاة بالقاعدة، بما فتح الطريق لوضع خطة جاهزة موضع التنفيذ هي "هيمنة أميركية لقرن جديد" كانت تنتظر الصاعق لتنطلق، فتطوعت الحماقة بتقديم المطلوب.

ولم يقف الأمر عند حد إسقاط دولتين مسلمتين في أقل من سنتين وتمزيق نسيجهما الاجتماعي والزج بهما في أتون حروب أهلية، وإنما يبدو أن العد العكسي لإسقاط الدولة الإسلامية الثالثة قد بدأ، وهي باكستان.

"
لم يقف الأمر عند حد إسقاط دولتين مسلمتين (أفغانستان والعراق) في أقل من سنتين وتمزيق نسيجهما الاجتماعي والزج بهما في أتون حروب أهلية، وإنما يبدو أن العد العكسي لإسقاط الدولة الإسلامية الثالثة قد بدأ، وهي باكستان
"
والمسيرة بدأت صبيحة كارثة 11/9 وتبني قيادة القاعدة الضيفة على حكومة طالبان "بطولة" هذا الإنجاز، ورفض الدولة المستضيفة تسليم الفاعلين، فكان رد الفعل السريع توجيه إنذار لها بالغزو إذا لم تذعن. ولم تكن لغزو أفغانستان مسالك أهم وأوسع من باكستان فتلقت حكومة الجنرال الانقلابي "مشرف" زيارات من قبل شخصيات في أعلى سلم القيادة الأميركية السياسية والعسكرية مهددين متوعدين بالويل والثبور إذا لم تستجب وتفتح حدودها معبرا وقاعدة لوجستية للجيوش الغازية، فوجد مشرف نفسه في وضع لا يحسد عليه، خصوصا أن غريمته الهند جاهزة للخدمة, وبدل أن ينهض السلاح النووي بمهمة الدفاع عن البلد من كل تهديد تحول مصدر ابتزاز، مطلوب تقديم التنازلات لحمايته.

رضيت القيادة الباكستانية بالأمر، تقديرا منها أنه الضرر الأدنى ولربما يكسب البلد حظوة ومساعدات تقنية ومالية وامتيازات، وبذلك دخل البلد في أتون من الفتن والإكراهات ومتاهة من الطلبات الأميركية التي لا تنتهي: أخضعت مطاراته ومرافقه وأرضه وسماؤه وطرقه للإستراتيجية الأميركية الغربية في الحرب على الإرهاب.

لقد اتخذ بوش العراق ساحة حربه الأساسية على الإرهاب أما خليفته فقد اعتبر أن حرب العراق لم تكن ضرورية. الحرب الضرورية هي الحرب على أفغانستان حيث مأوى زعماء القاعدة. وبذلك ازداد الضغط على باكستان وتصاعدت الاتهامات لجيشها بأنه لا يقوم بما يكفي في الحرب على طالبان.

بدأ الإسهام الباكستاني العسكري في الحرب غير مكشوف، وهو عبارة عن تسهيلات، ثم تطور إلى ضغط ثقافي عندما وجهت التهمة إلى المدارس الدينية الأهلية المنتشرة منذ قرون في أرجاء المنطقة وما عرف لها ارتباط ولا للمعاهد الدينية ارتباط بأعمال الإرهاب، مما حمل الدولة على التدخل بغلق المئات منها وتشريد طلبتها ومدرسيها وبلغ هذا التدخل أوجه بالهجوم على المسجد الأحمر في العاصمة إسلام آباد حيث أزهقت أرواح طلبة ومراجع دينية، وهو ما كان له مفعول الحريق في شبكة المعاهد الدينية وطلبتها، متفاعلا مع أثر الغارات الأميركية على مناطق القبائل المتهمة بإيواء عناصر من القاعدة وطالبان، غارات عشوائية تقوم بها في أحيان كثيرة طائرات بلا طيار تبحث في كهوف جغرافيا شديدة التعقيد عن عناصر قيادة طالبانية أو قاعدية!! مما ألهب قلوب السكان غضبا وهم على مر التاريخ لم يألفوا خضوعا لأي سلطة مركزية بل كانت أمورهم تدار بأنظمة عشائرية، فلا يكاد الناس يشعرون بشيء اسمه الدولة وإنما ارتباطهم بها عبر خيوط دقيقة ينهض بها زعماء العشائر.

تفاعل كل ذلك لينتج طالبان الباكستانية، وأخذ يراكم شحنات متزايدة من الثأر والنقمة على الدولة وجيشها، مع أن هذا الجيش ظل أبدا جيشا وطنيا هو العمود الفقري للدفاع عن البلد وبقائه أصلا.

في الوقت ذاته ظل هذا الجيش ومخابراته تلاحقهما من قبل التحالف تهمة التقاعس وحتى التواطؤ وأنهما لا ينهضان بما يجب عليهما، حتى إنه لما عقدت الحكومة مصالحة مع المناطق القبلية، بمقتضاها تقبل الدولة مطلب القبائل في الاحتكام للشريعة، مقابل دخول القبائل في السلم والاعتراف بشرعية الدولة، ثارت ثائرة الإعلام الغربي ومؤسسات إيديولوجية متعصبة ضد الإسلام فضغطت على صناع القرار السياسي في التحالف الغربي وضغط هؤلاء على الحكومة الباكستانية الضعيفة فتراجعت عن الاتفاق فعادت مراجل الغضب تغلي وتقذف حممها في مواجهة ما ينزل على رؤوس الناس من حمم.

لم تسلم مدارسهم ولا حفلات أعراسهم ومساجدهم وأسواقهم من القصف العشوائي المدمر، بحثا عن طالباني أو قاعدي، بما ضاعف من تصاعد الغضب ضد التحالف وضد الدولة وجيشها، لينخرط البلد في أتون حرب أهلية غدت معها مصداقية الجيش ومهابته محل أخذ ورد لا سيما وقد غدت حتى مراكز قياداته وتدريبه مرمى لطالبان التي لم تعد حركة جهوية محصورة في منطقة القبائل، وإنما فشت في أرجاء البلاد تضرب في كل مكان بأيدي أبناء المناطق ذاتها بما فيها منطقة البنجاب كبرى المناطق وأغناها وقاعدة الحكم والنخبة، وهو ما جعل الخطر حقيقيا على مصير البلد الذي انخرط جيشه لأول مرة في حرب شاملة مع قطاعات واسعة من شعبه تحت ضغط الولايات المتحدة التي بلغ ضغطها حد تقديم مشروع قانون للكونغرس مقتضاه فرض رقابة على المساعدة المالية التي تقدمها لباكستان ضمن الإسهام في مجهودها في الحرب على الإرهاب، وذلك على خلفية التشكيك في أبواب صرف تلك المساعدات، ومعنى ذلك الإمعان في التدخل في أخص خصوصيات الدولة ومقومات سيادتها ألا وهو جيشها.

فلم يكفهم أن زجوا به في الحرب ضد شعبه وذلك لأول مرة في تاريخه بل هم يتمادون ويتوغلون في دواليبه، بما لا يستبعد معه أن ينتهي الأمر إلى وضع أيديهم على مخزن السلاح النووي في البلد بذريعة حمايته من احتمال سقوطه في يد الإرهاب الذي بدت يده طائلة كل شيء في البلد.

"
لم تمض أكثر من ثماني سنوات على كارثة 11/9 حتى وقفت دولة إسلامية ثالثة هي الدولة الإسلامية النووية الوحيدة على شفا الانهيار منخرطة في حرب أهلية، لا يتورع جيشها من الإعلان يوميا على انتصارات يحققها ضد شعبه
"
وهكذا لم تمض أكثر من ثماني سنوات على كارثة 11/9 حتى وقفت دولة إسلامية ثالثة هي الدولة الإسلامية النووية الوحيدة على شفا الانهيار منخرطة في حرب أهلية، لا يتورع جيشها عن الإعلان يوميا عن انتصارات يحققها ضد شعبه مستخدما نفس التقنيات الأميركية والصهيونية في القصف العشوائي، خضوعا لما يتلقاه من ضغوط، فإلى أين سيؤول الأمر؟

1-تقديرنا أن المستهدف اليوم في باكستان هو أساسا مشروعها النووي الذي أفلتت به في ظروف حرب باردة انقضت. ولم يشفع لها تحالفها وانخراطها المباشر في الحرب العالمية على الإسلام تحت لافتة مخرّقة، الحرب على الإرهاب، وذلك أنه محظور على بلد إسلامي تجاوز حدود معينة في امتلاك المعارف والتقنيات القادرة على صنع توازن رادع يتيح له الدفاع عن مصالحه والتصدي للتهديد. ما تواجهه باكستان لا يختلف عما تواجهه إيران، وما ووجه به العراق ومصر محمد علي أو مصر عبد الناصر.

2-ليس الغرب إلها ولا قدرا، معاناته في العالم الإسلامي وفي حربه على الإسلام، ليست قليلة رغم تفوقه التقني المعرفي الهائل ولكن ضراوة المقاومة الإسلامية لم تعرف قط وهنا بل تزداد ضراوة، وتتشعب أشكالا، ينطق باسمها حتى من هم في الخط الأول في مواجهة الخنجر الغربي في القلب الإسلامي: إسرائيل. يقول المجاهد العظيم رائد صلاح وهو يقف في مواجهة الدبابة الإسرائيلية ذابا عن الأقصى "نحن قوم لا نستسلم. إما أن نموت وإما أن ننتصر"، يفسر التوجيه الإلهي "قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين" التوبة.

3-ستنتصر العقلانية الغربية وقيم العدالة وأصوات الضمير، على مواريث التعصب وتأثيرات اللوبي الصهيوني المتحكمة، وعلى سماسرة البنوك وتجار السلاح. وتقرير غولدستون وانفجار التعاطف المتزايد مع ضحايا الحروب التي يوقدها أولئك، وتصاعد الغضب ضدهم شاهد. ومقتضى ذلك الاتجاه إلى علاقات دولية تتأسس على العدل والتعاون المتكافئ.

4- ما كان للشيطان أن يلج بيوتنا إلا من ثغرات فيها. "قل هو من عند أنفسكم" 164/3. وأهمها الاستبداد والانفراد بالسلطة وإقصاء الجماهير عن حقوقها، بما يجعل الحاكم عندما يواجه من الخارج مكشوف الظهر، فيسلمه شعبه لدرجة تمني زواله، بل قد يشارك في ذلك، والعراق شاهد.

ورغم أن الأمر قد يختلف نوعا ما في التجربة الإيرانية حيث نهض الحكم على قاعدة جماهيرية واسعة فإن الخشية حقيقية من أنها لم تستمر في الاتساع إن لم تكن قد تقلصت بعض الشيء أمام تيار معارض مدنيا وجماعات مسلحة، بلغت نقمتها حد التضحية بنفسها، مما لا يأتي إلا من قبل جماعة عقدية. خلاصة ذلك أن نموذج الدولة القومية والحكم المركزي الذي ورد إلينا مشوها من الغرب بديلا عن الخلافة الجامعة وما كانت تتمتع به شعوبها من شبه حكم ذاتي يحترم خصوصياتها، ينكشف المزيد من عوراته يوما بعد آخر.

5- رغم ما يبدو لبعض الحكام من حكمة مسايرة الإرادة الغربية توقيا لشرورها أو استجلابا لمنافعها، فلا تفتأ حوادث الزمان تزودنا بسيل من الحجج المضادة الشاهدة على أن الحكمة كل الحكمة في حمل أنفسنا على الالتصاق بضمير شعوبنا المنصهر في ذوب الوحي متفاعلا مع تجربة التاريخ، قاضيا بالتمسك بقرارنا المستقل. لقد وجدت سوريا في سياقات الحرب الأميركية على العراق في وضع شبيه بوضع باكستان مهددة بالاجتياح إذا لم تفتح حدودها للغزاة، إلا أنها خلافا للقيادة الباكستانية عضت على شفتها وتأبّت عن الخضوع معرّضة نفسها للخطر. التجربة شهدت لما ذكره الأسد "لقد أدركنا أن تكاليف معارضة الإرادة الأميركية أدنى من تكاليف مسايرتها".

6- عالم الإسلام يموج بالعنف والتنادي للجهاد غرفا من بحر الصحوة الإسلامية المتصاعدة، إلا أن هذه الصحوة طاقة جبارة، يمكن أن تضيء وتنفع كما يمكن أن تحرق وتدمر، ولقد شهدت التجربة لحكمة علمائنا في توزيع أنواع الجهاد على الحقول المناسبة. فقصروا الجهاد القتالي على دفع العدوان الخارجي عن الأمة، وكانت فعالية الجهاد في هذا المجال ولا تزال عظيمة، فرَدّ الصائلين العتاة على أعقابهم خاسئين ومن تبقى منهم "سيهزم الجمع ويولون الدبر" القمر.

"
بقدر توفر حظوظ كبيرة في انتصار طالبان أفغانستان واضطرار التحالف الغربي للبحث معها عن تسوية شرط تخليها عن القاعدة، فإن حظوظ طالبان باكستان في الانتصار على الجيش ضعيفة جدا إلا أن يؤول الأمر إلى حالة صومالية
"
أما استخدام طاقة الجهاد القتالي أداة لإصلاح الفساد داخل الأمة ورد المظالم مهما عظمت فقد أثبتت التجربة ضعف المردود فيه بل كارثيته غالبا، خصوصا زمن الدولة المركزية المتحكمة في أدوات ضخمة مدعومة من الخارج، وهو ما حمل جماعات جهادية كثيرة على القيام بمراجعات جريئة اعترفت فيها بخطئها وضآلة فقهها في الدين وفي الواقع يوم اندفعت إلى إعلان الجهاد ضد أنظمة راسخة جارة البلاء على نفسها وعلى الناس، سائقة الماء إلى طواحين الطغاة وأجهزة القمع للتحكم في رقاب الناس والتسلط على أموالهم بذريعة التصدي للإرهاب.

تقديرنا أن ما تأتيه جماعات إسلامية من أعمال باسم الجهاد هو غير مشروع وغير نافع. إنه بقدر توفر حظوظ كبيرة في انتصار طالبان أفغانستان واضطرار التحالف الغربي للبحث معها عن تسوية شرط تخليها عن القاعدة، فإن حظوظ طالبان باكستان في الانتصار على الجيش ضعيفة جدا إلا أن يؤول الأمر إلى حالة صومالية تختفي فيها الدولة، وحدوث ذلك بعيد في وجود جيش قوي.

وأدنى من ذلك حظوظ جماعات مشابهة مثل "جند الله" تستخدم وقودا لمخططات أجنبية. ليس من سبيل للإصلاح الداخلي غير العمل المدني "بالحكمة والموعظة الحسنة" النحل.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك