عادل لطيفي

عادل لطيفي

كاتب وباحث أكاديمي


عودة إلى التاريخ
قراءة في قصور التجربة التونسية

انتخابات نهاية هذا الشهر في تونس ستكون دون أدنى شك حلقة جديدة من مسلسل انتخابي لا يحمل من المسمى، أي الاختيار، سوى الاسم. فلا يوجد رهان حقيقي لا للحزب الحاكم، لأن فوزه معلن ومضمون منذ سنوات، ولا للمعارضة الفعلية لأن تهميشها صار تقليدا. قد نستثني من ذلك ما يسمى بالمعارضة الرسمية (الديكورية) التي يقتصر دورها على تحقيق شرط تعدد المترشحين في انتظار ما سيمن به عليها الرئيس المنتصر سلفا.

لقد أضحت الانتخابات التونسية وسيلة لضرب الديمقراطية ولتكريس الإقصاء السياسي. التساؤل الحقيقي قد يطرح على المستوى المعرفي وذلك لمحاولة فهم فشل إرساء تعددية حقيقية وتداول فعلي على الحكم في بلد طرحت فيه مبكرا مسألة الحريات.

عودة إلى التاريخ
ما من شك في أن الجمود السياسي في تونس، الذي لا تستطيع البهرجة الانتخابية الدورية تغطيته، يتعارض أيما تعارض مع الإمكانيات الثقافية ومع تراكم التجربة السياسية للمجتمع التونسي. هذا ما يبرزه التاريخ التونسي القريب لدولة الاستقلال الذي يمكن تقسيمه إلى ثلاث محطات أساسية.

بداية، كي نفهم مدى العمق التاريخي لهذه المسألة، بإمكاننا العودة إلى النقاشات التي صاحبت إلغاء النظام الملكي (نظام البايات) وإعلان الجمهوري في جلسة المجلس القومي التأسيسي ليوم 25 يوليو/تموز1957 أو في الجلسات الأخرى التي خصصت لمناقشة بنود الدستور الذي تم إعلانه في غرة يونيو/حزيران 1959.

"
الجمود السياسي في تونس، الذي لا تستطيع البهرجة الانتخابية الدورية تغطيته، يتعارض أيما تعارض مع الإمكانيات الثقافية ومع تراكم التجربة السياسية للمجتمع التونسي, وهذا ما يبرزه التاريخ التونسي القريب لدولة الاستقلال
"
إذ يشد الانتباه في هذا النقاش ما ورد على لسان العديد من المتدخلين الذين أكدوا على الحاجة الملحة لإرساء نظام تعددي حقيقي يقي الشعب ويلات الانفراد بالسلطة. وقد عكست بعض هذه التدخلات مدى العمق النظري وكذلك مدى سعة اطلاع النواب على نماذج الحكم في البلدان الأخرى.

كما أكدت عديد المداخلات في يوم إعلان الجمهورية على ضرورة الاتعاظ بتاريخ حكم البايات وبالتسلط الذي صاحبه وبضرورة تفادي الانزلاق في حكم فردي يعيد التونسيين إلى نير الاستبداد.

وصل هذا الخطاب التحرري حد اعتبار أي شكل من أشكال الحكم الفردي خيانة لنضال الشعب التونسي من أجل استقلاله وخيانة لشهدائه (النائب محمد الغول). هذا ما دفع بعض النواب إلى المطالبة بضرورة حماية الدستور من أي محاولة تنقيح ترسخ حكما فرديا متعاليا على الجمهورية عن طريق التنصيص على منع تنقيح بعض بنوده.

غير أن هذا الزخم الذي ميز السنوات الأولى من الاستقلال أفرز عكس ما كان متوقعا وعكس ما كانت توحي به حيوية وانفتاح مداخلات النواب. إذ تم تنقيح الدستور في نهاية سنة 1974 لتمكين الرئيس الحبيب بورقيبة من رئاسة مدى الحياة. وكان هذا القرار بمثابة تقنين دستوري لوضع كان قائما على أرض الواقع منذ الاستقلال. كيف نفسر ذلك؟

الحقيقة أن الأجواء العامة التي صاحبت أعمال المجلس القومي التأسيسي بين سنوات 1956 و1959، كانت شديدة الارتباط بالظرف التاريخي المتميز وبطبيعة الصراع السياسي آنذاك أكثر من ارتباطها برغبة حقيقية في إنتاج نموذج للحكم يرسخ الديمقراطية.

فالمعطى الأول يتمثل في رغبة بورقيبة في تحييد مؤسسة البايات أو إلغائها ليتسنى له الانفراد بالقيادة. هذا ما نلاحظه من خلال إشرافه على كل المؤسسات التي تم إحداثها، فقد تولى رئاسة المجلس القومي التأسيسي، ثم رئاسة الحكومة ثم رئاسة الجمهورية وذلك في ظرف سنة تقريبا.

المعطى الثاني يتمثل في الصراع الداخلي بين بورقيبة والأمانة العامة للحزب الدستوري ممثلة في شخص صالح بن يوسف. فتركيز هذا الأخير على خطاب عروبي إسلامي دفع بورقيبة وأنصاره في الجبهة القومية إلى تبني خطاب تحرري وديمقراطي لكسب السند الدولي. أما المعطى الثالث فيتمثل في الموقف من فرنسا. فبعض بنود الدستور جاءت لتقدم ضمانات للإدارة الفرنسية، التي لم تنه بعد انسحابها الكلي من تونس، حول مصالح جاليتها في البلاد.

هذا يعني أن كل تلك النقاشات التي أفرزت دستورا يؤكد على مبادئ الجمهورية والتعددية السياسية والتداول على السلطة كانت محكومة بظرف سياسي متميز أكثر من انخراطها في الإعداد لنموذج ديمقراطي في المجتمع والدولة. بزوال هذا الظرف، عمد بورقيبة إلى ترسيخ هيمنته على الدولة بتنقيح الدستور منهيا بذلك مرحلة تأسيس مجهض.

أما المرحلة الثانية فتتمثل في تنظيم انتخابات تشريعية سنة 1981 وذلك لأول مرة منذ سن الرئاسة مدى الحياة سنة 1974. حيث سمح بورقيبة بتنظيم انتخابات تشريعية حققت فيها حركة الديمقراطيين الاشتراكيين نجاحا ملحوظا. غير أن السلطة سرعان ما انقلبت على هذه التجربة وزورت بشكل مفضوح النتائج النهائية.

وعلى تواضعها، ساهمت هذه التجربة في التوسيع من هامش حرية التعبير، وهو ما تجسد على سبيل المثال في النقد المباشر لعمليات التزوير، وهو موضوع لا يمكن الإشارة إليه اليوم. أضف إلى ذلك إصدار العديد من الصحف والمجلات النوعية التي أثرت الإعلام التونسي.

كما ساهمت هذه التجربة المتواضعة في تسليط الأضواء على عديد من الحركات السياسية، اليسارية والقومية والإسلامية، التي عانت كثيرا من التهميش. المهم أن السلطة، التي يهيمن عيها شبح القائد العجوز، ضيعت من جديد على المجتمع التونسي فرصة لتحقيق تعددية حقيقية بعد ما يقارب ثلاثة عقود من استقلاله.

"
بلغ الهوس بضمان الانفراد الكلي بالسلطة لصالح الرئيس الحالي زين العابدين بن علي والتجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم حد المهزلة من خلال تحقيق نسب مشاركة ونسب نجاح خيالية
"
المحطة الثالثة بدأت مع التغيير الذي شهده هرم السلطة سنة 1987. فقد بادر الفريق الجديد باتخاذ بعض الإجراءات الرمزية التي أعطت الانطباع بجدية السلطة الجديدة لإدخال البلاد في تجربة تعددية وديمقراطية حقيقة.

بدأ سيل هذه الإجراءات بإلغاء الرئاسة مدى الحياة وبالاعتراف الرسمي ببعض الأحزاب ضمن نطاق ما سمي بالميثاق الوطني. تجربة جديدة انتهت كسابقاتها إلى شبه رئاسة مدى الحياة مسنودة بتحويرات دستورية زادت في ابتذال الدستور وحتى إلى خضوعه إلى القانون العادي (المجلة الانتخابية، قانون الصحافة...).

وقد بلغ الهوس بضمان الانفراد الكلي بالسلطة لفائدة الرئيس الحالي زين العابدين بن علي والتجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم حد المهزلة من خلال تحقيق نسب مشاركة ونسب نجاح خيالية.

كما يظهر هذا الجانب الكاريكاتوري من خلال الضخ الإعلامي حول ترشح الرئيس الحالي للانتخابات وذلك منذ سنتين تقريبا، أو من خلال إقصاء بعض المرشحين للرئاسة مع قوائمهم في الانتخابات التشريعية بالرغم من رمزية هذه المشاركة.

هذه بعجالة فصول الفشل التونسي في تحقيق تعددية حقيقة في مجتمع يشهد له العديد بنوعية نخبه المثقفة وباستعداده الفكري والنفسي والاجتماعي للتعامل مع التعدد ومع الديمقراطية. لماذا هذا التراجع المتكرر من طرف السلطة عن مسارات انتخابية كانت أقرتها؟

قراءة في قصور التجربة التونسية
لا يمكننا أن نتقصى خفايا هذا القصور دون العودة إلى نمط السلطة الذي ترسخ منذ الاستقلال. وهو نمط أبوي مبني على هيمنة شخص القائد الرمز أو الرئيس الخارق، الذي يفتح صدره لكل التونسيين وفي نفس الوقت يمسك بالعصا لردع كل سلوك "متهور" من طرف الزاعمين للمنافسة.

"
العقلية الأبوية هي التي رسخت هيمنة الجهاز الأمني لإدارة الشؤون اليومية للمجتمع كما رسخت دور الحزب الحاكم باعتباره مؤطرا للأفراد وللعمل السياسي عموما, وكان هذا شعار بورقيبة لربح معركة التقدم وهو الشعار الحالي مع الرئيس بن على لربح معركة التقدم
"
هذه العقلية الأبوية رسخت هيمنة الجهاز الأمني لإدارة الشؤون اليومية للمجتمع كما رسخت دور الحزب الحاكم باعتباره مؤطرا للأفراد وللعمل السياسي عموما. كان هذا شعار بورقيبة لربح معركة التقدم وهو الشعار الحالي مع الرئيس بن على لربح معركة التقدم.

أدى هذا النمط من السلطة إلى تداخل كبير، في ذهن المواطن العادي، بين شخص الرئيس والحكم والدولة والحزب الحاكم والوطن. فكل هذه المستويات مجسدة في شخص القائد الخارق وكل معارضة لأحدها تعد خروجا عن المجموعة الوطنية وعن الوطن. هكذا نفهم تركيز الدعاية الرسمية على اتهام المعارضين بالعمالة لجهات أجنبية، وهكذا نفهم اختناق الفضاء السياسي والإعلامي بسبب المراقبة الأمنية.

يمكننا أن نفهم هذا الفشل كذلك ضمن خصوصيات الواقع الاجتماعي والمعيشي التونسي. فبطء النمو الديموغرافي منذ السبعينيات، ساهم في الحد من وطأة التهميش الاجتماعي وخاصة في المدن. ظاهرة الفقر موجودة بطبيعة الحال، وقد تكون حدتها متفاوتة من جهة إلى أخرى، لكنها تبقى دون المستوى الذي تشهده بعض المجتمعات العربية الأخرى.

هذا ما يفسر، إلى حد ما، ضعف الانخراط الشعبي في السياسة خلال العشريتين الأخيرتين خلافا لما ساد البلاد مع نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي من تردي للوضع الاجتماعي والسياسي أجبر السلطة على قبول محتشم بتنظيم انتخابات تشريعية سنة 1981 بعد حركات الاحتجاج سنة 1979.

زاد تقليص فضاء المشاركة السياسية خلال العشريتين الأخيرتين مع تفشي ثقافة النجاح الاجتماعي الفردي. فمع التوجه المنهجي لتدجين كل المؤسسات القادرة على الفعل الاجتماعي والسياسي، من نقابات وصحف وجمعيات، كان هناك توجه لتدجين الفرد باعتباره كائنا اجتماعيا وسياسيا عن طريق بث ثقافة الربح السريع ونمط العيش الاستهلاكي الذي أغرق العائلات في دوامة الديون. لم يبق من خيار سوى الاستقالة أو الانخراط الفردي في فضاء الفعل السياسي الرسمي الذي رسمته السلطة وحددت أدوار كل طرف فيه.

كل هذه العوامل مجتمعة تفسر ما نشهده اليوم من عدم اهتمام الشارع التونسي العادي بالانتخابات الحالية كما كان الحال في كل محطة انتخابية. وهو وضع لا يحرج القائمين على السلطة طالما لم تكن نسبة المشاركة في الانتخابات في يوم ما رهانا حقيقيا.

بإمكاننا أن نذهب بعيدا في هذا التوجه التحليلي لنسحبه على تركيبة السلطة القائمة منذ الاستقلال. حيث يمكن ربط مصالح القوى الاجتماعية الفاعلة فيها بانتمائها الجهوي لمناطق الساحل والعاصمة. انتماء قد يجعل هذه الفئات ترفض كل عملية توسيع للمشاركة السياسية بشكل يؤدي إلى إعادة توزيع جغرافي لإمكانيات النفوذ. لكن هذه الفكرة تبقى رهينة دراسة أكثر تعمقا.

أما فيما يتعلق بالمعارضة، والحديث هنا عن المعارضة الفعلية لتفريقها عن المعارضة التي فرّخها الحزب الحاكم، فيمكن القول إنها بصفة عامة ضحية توجه دولة الاستقلال نحو تهميش كل مشاركة سياسية خارج إطار المسموح به كما أنها ضحية المراقبة الأمنية المفرطة وبخاصة خلال العشريتين الأخيرتين.

لكن علينا الإقرار في نفس الوقت بأن قدرتها على التأطير والدعاية تبقى محدودة لأسباب موضوعية تخصها. إذ هي تفتقر إلى الإبداع على مستوى الدعاية وعلى مستوى تحريك الفاعلين الاجتماعيين في الشارع بشكل يمكنها من صنع الحدث. بدا هذا واضحا في أحداث الحوض المنجمي بجنوب البلاد أخيرا.

توجد عوامل خارجية أخرى قد تكون لعبت دورا ما في تعطيل التوجه نحو توسيع المشاركة السياسية ونحو التعددية الفعلية. فاختيار تضييق فضاء المشاركة السياسية وهيمنة الحزب الدستوري في الفترة البورقيبية استفاد من وضع الحرب الباردة الذي احتلت فيه تونس، بتوجهها الغربي، مكانة إقليمية هامة مقارنة مع ليبيا والجزائر ذَواتَيْ التوجه الشرقي.

"
المواجهة التي شهدتها تونس منذ سنتين بين قوى الأمن ومجموعة من الإسلاميين الجهاديين قرب العاصمة وضعت علامات استفهام حول جدوى سياسة القبضة الحديدية الأمنية
"
مع بداية انهيار الكتلة الشرقية، وتزامنها النسبي مع إقصاء بورقيبة من الحكم، استفادت السلطة التي قامت على أنقاضه من الحرب "العالمية" ضد الإرهاب. وزادت أهمية هذا الانخراط التونسي في فترة الاضطرابات الأمنية في الجزائر وكذلك بسبب عدم وضوح التوجهات السياسية للقيادة الليبية. ربما تفسر هذه الظروف تساهل القوى الدولية الفاعلة، وخاصة الغربية منها، مع السلطة القائمة في تونس فيما يتعلق بملف الحريات وحقوق الإنسان.

هذه بصفة عامة مختلف العناصر التي قد تفسر تواتر الانقلاب على التعددية السياسية في تونس. لكن السنوات الأخيرة بدأت تشهد بعض التغيرات ذات الدلالة على مستوى علاقة المجتمع بالدولة وما لذلك من انعكاس على قوى الدفع السياسي المعارض. فالمواجهة التي شهدتها البلاد منذ سنتين بين قوى الأمن ومجموعة من الإسلاميين الجهاديين قرب العاصمة وضعت علامات استفهام حول جدوى سياسة القبضة الحديدية الأمنية.

نضيف إلى ذلك التحركات الشعبية الشبابية التي عاشتها هذه السنة بعض مدن الجنوب والوسط الغربي وما بينته من قدرة الفاعلين الاجتماعيين العاديين على اختراق المراقبة الأمنية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك