ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني


انفكاك تركيا
أوروبا تدير ظهرها
بداية التبرّم الأميركي
نقد يهودي أيضا

باتت إسرائيل تواجه وضعا حرجا، على صعيد علاقاتها الدولية، لم يسبق أن واجهته في مرحلة من تاريخها، حتى إنها في ظرف أسابيع قليلة وجدت نفسها في قفص الاتهام، وفي مواجهة محاكمة أمام الرأي العالمي، سواء باتهامها بالمتاجرة بأعضاء الشهداء الفلسطينيين، أو باتهامها بارتكاب جرائم حرب إبان الهجمة الأخيرة التي شنتها على غزة.

هكذا نشهد كيف أن إسرائيل باتت تخسر كثيرا، من مكانتها وسمعتها، على الصعيد الخارجي، لدرجة أن الصورة، التي طالما دأبت على ترويجها عن نفسها، باعتبارها واحة للحداثة والديمقراطية في صحراء الشرق الأوسط، وباعتبارها ضحية يتهددها محيطها العربي المسلم، بهتت واختفت تماما.

وبدلا من هذه الصورة المخادعة والمفبركة فقد أميط اللثام عن إسرائيل، التي باتت تظهر على حقيقتها، بوصفها دولة دينية أصولية في عالم يناهض الأصوليات الدينية المتطرفة، ودولة مارقة تستهتر بالقانون الدولي وحقوق الإنسان، ودولة استعمارية وعنصرية وقهرية، تحتل أراضي الفلسطينيين، وتمارس ضدهم إجراءات تمييزية، وتسيطر عليهم بوسائل القوة والقسر.

الحاصل أن إسرائيل، في هذه المرحلة، تكاد تكون فقدت مكانتها كابن مدلل للغرب، الذي تعتبر نفسها جزءا منه، وامتدادا له في الشرق الأوسط، إذ باتت أكثر انتقادات الغرب (حكومات ومجتمعات ومنظمات مجتمع مدني) توجه إليها (طبعا بعد إيران)، وذلك بعد أن أضحى الغرب يرى فيها عبئا أخلاقيا وسياسيا وأمنيا عليه؛ بسبب سياسات العدوان والعنصرية والغطرسة التي تنتهجها، ضد الفلسطينيين خصوصا، وفي الشرق الأوسط عموما، وبسبب التداعيات السلبية الناجمة عن ذلك على الدول الغربية ومصالحها في المنطقة.

انفكاك تركيا
ولعل أبرز دليل على خسارة إسرائيل لمكانتها وصورتها على الصعيد الدولي يتمثل بانفكاك تركيا عنها، مما يغير من علاقات القوة على الصعيد الإستراتيجي في الشرق الأوسط، وهي ثانية خسارة كبيرة لها، بعد انهيار نظام الشاه في إيران وقيام الثورة الإسلامية (أواخر السبعينيات).

"
شهدت العلاقات بين تركيا وإسرائيل فتورا بسبب سياسات إسرائيل العدوانية والاستعمارية في المنطقة، لذا فإن إسرائيل ترى أنها خسرت كثيرا بابتعاد تركيا عنها، خاصة أنه جاء لصالح التقارب التركي مع سوريا 
"

كان لتركيا علاقات إستراتيجية سياسية وعسكرية واقتصادية قوية مع إسرائيل، بالرغم من كونها دولة إسلامية، ولكن هذه العلاقات شهدت فتورا بسبب سياسات إسرائيل العدوانية والاستعمارية في المنطقة، وبسبب ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من ممارسات قهرية وعنصرية.

وقد تطور هذا الفتور، في ظل قيادة رجب طيب أردوغان (رئيس وزراء تركيا) إلى نوع من السياسات الشرق أوسطية المتعارضة، بعد أن باتت تركيا ترى في إسرائيل عاملا من عوامل الاضطراب وعدم الاستقرار في المنطقة، وعاملا من عوامل تنمية الجماعات المتطرفة فيها، وبعد أن باتت تلتفت أكثر إلى تقوية علاقاتها مع دول الجوار، وخصوصا مع سوريا، في محاولة منها للتركيز على بعدها الآسيوي والإسلامي بدلا من الانحصار في التركيز على بعدها الأوروبي.

هكذا شهدنا مؤخرا سلسلة من ردود الأفعال التركية على الحرب التي شنتها إسرائيل (أواخر العام الماضي وأوائل العام الحالي) على غزة، فقد نددت تركيا بهذه الحرب، وطالبت الحكومة الإسرائيلية بوقفها، وأدانت جرائم الحرب ضد الفلسطينيين، ووصل الأمر برجب طيب أردوغان حد الاشتباك اللفظي مع شمعون بيريز في منتدى دافوس (العام الماضي)، ومؤخرا ألغت تركيا مشاركة الطائرات الإسرائيلية في مناورة «نسر الأناضول»، التي تجري كل عام، في نطاق التعاون العسكري بين الجانبين.

وفي كل الأحوال فإن إسرائيل ترى أنها خسرت كثيرا في محيطها الإقليمي، بابتعاد تركيا عنها، وخسرت أكثر لكون ذلك جاء لصالح التقارب التركي مع سوريا، ومع القضايا العربية. وبحسب تقرير نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" (13/10) فإن إسرائيل قلقة للغاية من تفاقم الأزمة في العلاقات التركية الإسرائيلية."الشعور السائد في إسرائيل هو أن ثمة أزمة خطيرة لم يسبق لها مثيل بين البلدين.. وتخشى إسرائيل بشكل رئيسي، والتي تتابع بترقب تصريحات وتصرفات رئيس الحكومة التركية الطيب أردوغان، من تقارب تركي إيراني.

وتقول إسرائيل الرسمية إنه لا يجوز التنازل عن العلاقات الجيدة مع تركيا، فهي مهمة لإسرائيل وهي بمثابة عمق إستراتيجي يضمن استقرار المنطقة."

أوروبا تدير ظهرها
الخسارة الثانية لإسرائيل في هذه المرحلة، تتمثل بانحسار مكانتها وخسارة صورتها في أوروبا (على صعيدي الحكومات والمجتمعات)، فثمة دول أوروبية رفضت التعامل مع وزير خارجيتها أفيغدور ليبرمان، بسبب مواقفه العنصرية والمتطرفة، وثمة مقاطعة أكاديمية لجامعاتها، وقاطعت النقابات البريطانية مؤخرا البضائع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية.

كذلك ثمة أزمة في علاقات إسرائيل مع النرويج والدانمارك، وكذا مع السويد بسبب تحقيق صحفي اتهم إسرائيل بالمتاجرة بأعضاء الفلسطينيين. وهاهي إسرائيل تقف أيضا في لجنة حقوق الإنسان الأممية بتهمة ارتكابها جرائم حرب إبان هجومها الوحشي الأخير على غزة.

ويلخّص شالوم يروشالمي هذا الوضع على النحو التالي: "في حديث مع دبلوماسية بريطانية كبيرة الأسبوع الماضي اتضحت عدة أمور.. كراهية إسرائيل في العالم هذه الأيام هي في مستويات جنونية.. "أنتم تبصقون علينا جميعا"، قالت الدبلوماسية وتطرقت إلى مواصلة البناء في المستوطنات.."دولتكم لا تطاق، عنصرية وتسلب الفلسطينيين أراضيهم في كل مكان.. الاستيطان كله غير قانوني".. الحرب في غزة هي نقطة انعطاف. الصور من هناك شوّهت إسرائيل في نظر الشعوب.. رجال الأسرة الدولية يسمحون لأنفسهم باستخدام تعابير لم يتجرؤوا على اتخاذها في الماضي.. اليوم هم يتحدثون عن جرائم حرب.. جرائم ضد الإنسانية.. تطهير عرقي في المستوطنات وفي البؤر الاستيطانية التي لا يخليها أحد، يتحدثون عن واجب العالم لتقديم الوزراء في الدولة وضباط الجيش الإسرائيلي إلى المحاكمة." (معاريف 5/10)

وكما قدمنا، فإن صورة إسرائيل في الغرب تغيرت كثيرا، إذ إن الدعاية عنها كدولة ديمقراطية حديثة، استهلكت وتبددت بواقع السياسات الاستعمارية والعنصرية، وبواقع مطالبة إسرائيل حتى بالاعتراف بها كدولة يهودية/دينية، وبواقع تملصها من عملية التسوية وممارساتها الوحشية ضد الفلسطينيين.

"
صورة إسرائيل في الغرب تغيرت كثيرا، إذ إن الدعاية عنها كدولة ديمقراطية حديثة، استهلكت وتبددت بواقع السياسات الاستعمارية والعنصرية، وبواقع مطالبة إسرائيل حتى بالاعتراف بها كدولة يهودية دينية
"

معلوم أن أحداث الانتفاضة الأولى (انتفاضة أطفال الحجارة 1987ـ1993)، وقيام إسرائيل بشن هجمات عسكرية همجية على الفلسطينيين، ومحاصرتها لهم، منذ عام 2002، وصولا إلى الحرب التي شنتها مؤخرا على قطاع غزة، أسهمت كلها في حفر مسار هذا التحول النوعي في الرأي العام الغربي إزاء إسرائيل.

ويجدر بنا هنا التذكير بنتائج استطلاع للرأي نظمته المفوضية الأوروبية، قبل سنوات قليلة، وبيّن أن غالبية الأوروبيين يعتبرون إسرائيل خطرا على السلام العالمي (هولندا 74%، ألمانيا 65%، بريطانيا 60%، فرنسا 55%). والأهم أن إسرائيل في هذا الاستطلاع تقدمت على إيران وكوريا الشمالية والولايات المتحدة وأفغانستان، في تهديد السلام العالمي.

وبرغم أن إسرائيل تعتبر نفسها مدينة لأوروبا في نشوئها واستقرارها فإن رد فعلها، على التحولات الأوروبية هذه، اتسمت بالتوتر والعجرفة ونكران الجميل. فهي أولاً، رفضت أي دور سياسي لأوروبا في عملية التسوية وفي مجمل الترتيبات الإقليمية الشرق أوسطية. وثانيا، عملت على تسعير الخلافات الأوروبية الأميركية لاسيما المتعلقة بشؤون المنطقة العربية. وثالثا، تعمدت اتهام الأوساط الأوروبية المعارضة لها بـ"اللاسامية" لمجرد أن هذه الأوساط عارضت السياسات التي تنتهجها ضد الفلسطينيين، القائمة على الاحتلال والعنصرية والإرهاب، وهو ما جرى مؤخرا في الأزمة التي اشتعلت بينها وبين كل من السويد والنرويج.

وفي كل الأحوال فإن أوروبا حكومات ومجتمعات، باتت تدرك المخاطر الناجمة عن السياسات الإسرائيلية العدوانية والاستعمارية والعنصرية على استقرار مصالحها، وعلى مكانتها في الشرق الأوسط، وهو العامل الأساس الذي يحفزها نحو تحجيم إسرائيل ولجم سياساتها.

بداية التبرّم الأميركي
وفي الولايات المتحدة ذاتها باتت إسرائيل تخسر، كما باتت تجد نفسها في مواجهة انتقادات حادة ومتزايدة، رغم التأييد والدعم اللذين تحظى بهما هناك، إذ باتت في نظر بعض الأوساط أحد مصادر كره العالم العربي للولايات المتحدة، ومن أهم محرضات نشوء جماعات التطرف والإرهاب فيه، وعاملا مهما من عوامل ضعف الاستقرار في هذه المنطقة، بل إنها باتت أيضا من عوامل الخلاف الأوروبي الأميركي.

وإذا كانت انتقادات الرئيس الأميركي باراك أوباما لإسرائيل معروفة، فثمة انتقادات حادة وجهها الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر لإسرائيل التي اتهمها في كتاب له بالعنصرية، وثمة تصريحات عديدة لوزير الخارجية الأميركية الأسبق جيمس بيكر طالب فيها إسرائيل بأن تلزم حدودها، وأن تضع حدا لأوهام إسرائيل الكبرى.

"
باتت إسرائيل في نظر بعض الأوساط الأميركية أحد مصادر كره العالم العربي للولايات المتحدة، ومن أهم محرضات نشوء جماعات التطرف والإرهاب فيه، وعاملا مهما من عوامل ضعف الاستقرار في هذه المنطقة
"

وقد وصل الأمر ببعض الأوساط في الولايات المتحدة حدّ التجرّؤ على تحميل إسرائيل مسؤولية احتلال الولايات المتحدة للعراق، باعتبار أن ذلك تم لضمان أمن إسرائيل، بحسب تصريح أدلى به كل من الجنرال المتقاعد أنطوني زيني، وإرنست هولينغز عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي. كذلك ظهرت في المرحلة الماضية انتقادات للوبي اليهودي في واشنطن (الإيباك)، لدرجة اتهامه بالتدخل في توجيه السياسات الأميركية الشرق أوسطية، بما يضر المصالح الأميركية.

ومن المهم هنا التنويه إلى الدراسة الشهيرة التي وضعها الاختصاصيان في العلوم السياسية جون ميرشايمر وستيفن والت، حول سياسات الإيباك، وضررها على السياسات الأميركية، لصالح إسرائيل (نشرت في "ذي لندن ريفيو أوف بوكس" عام 2006).

نقد يهودي أيضا
اللافت أكثر أن انتقاد إسرائيل بدأ يشق طريقه في أوساط النخب اليهودية في العالم أيضا لاسيما في أوروبا وأميركا. فهذه النخب باتت تتبرأ من سياسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتحملها مسؤولية ازدياد نعرة العداء لليهود في العالم، رافضة في ذلك ادعاءات إسرائيل المتعلقة بالمساواة بين أي نقد لها وبين "اللاسامية"، معتبرة أن نقد إسرائيل شرعي، وينسجم مع نقد أي اتجاه عنصري.

الأهم من ذلك أن هذه الاتجاهات باتت ترى أن إسرائيل، بسبب سياسات حكامها، دولة تهدّد فيها حياة اليهود لكونهم يهودا أكثر من أي دولة أخرى، وتأخذ على إسرائيل تحولها إلى دولة أصولية متطرفة، وكونها لا تراعي الشرعية الدولية، ولا القيم الإنسانية، بعد أن بات المستوطنون والمتدينون المتطرفون يتحكمون في دفة السياسة فيها، ويبطشون بشعب آخر تحت سمع العالم وبصره.

ولنا في ذلك عديد من الأسماء من مثل هنري سيغمان السياسي الأميركي، وريتشارد فولك مبعوث الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في فلسطين، والقاضي ريتشارد غولدستون، وثمة غيرهم كثيرون من الأكاديميين الإسرائيليين (مثل إيلان بابيه) الذين حضوا الجامعات الغربية على مقاطعة الجامعات الإسرائيلية.

وثمة ما يفيد أن بعض الأوساط اليهودية الفاعلة في الولايات المتحدة أنشأت منظمة لوبي يهودي جديد، (منافس لـ"إيباك")، باسم "جاي ستريت" (J–Street) واسم مؤسسها ومديرها التنفيذي جيريمي بن عامي، وهي تحمل أفكارا تقدمية، وتتشاطر نفس الأفكار مع الرئيس أوباما، وتعمل على تشجيع الإدارة الأميركية على إنقاذ إسرائيل من نفسها.

"
انتقاد إسرائيل بدأ يشق طريقه في أوساط النخب اليهودية في العالم والتي باتت تتبرأ من سياسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتحملها مسؤولية ازدياد نعرة العداء لليهود في العالم
"

ووفقًا لـ"بيان المبادئ" لهذه المنظمة، فإنها تؤيد "إنشاء دولة فلسطينية قابلة للحياة بالاستناد إلى حدود 1967 مع مقايضات متبادلة ومتَّفق عليها". وتصرّ "جاي ستريت" على أن معظم اليهود الأميركيين يشاطرونها آراءها حول الشرق الأوسط. إنهم ليبراليون بطريقة موثوق بها في مسائل الحرب والسلم. وتدلل على ذلك بنتائج استطلاع واسع أجرته لآراء اليهود حول مسائل الشرق الأوسط (يوليو 2008) تبين منها أن اليهود الأميركيين يعارضون بناء مزيد من المستوطنات (60 مقابل 40%)، وأن غالبيتهم تدعم اقتراحا بأنه على الولايات المتحدة أن تنخرط بفاعلية في عملية السلام حتى لو اقتضى ذلك أن "تعلن على الملأ اختلافها في الرأي مع إسرائيل". واللافت أن المجيبين عموما وضعوا إسرائيل في المرتبة الثامنة ضمن لائحة انشغالاتهم، ولم يضعها سوى 8 % في المرتبة الأولى أو الثانية.

ويستنتج من ذلك أن دولة إسرائيل لم تعد في نظر قطاعات من يهود العالم موضع ثقة بالنسبة لهم، لا سيما أن هذا الأمر بات يضعف من مكانة هؤلاء في أوطانهم.

طبيعي أنه ليست ثمة مبالغة في هذه المواقف، ففي إسرائيل ذاتها مواقف مشابهة. وإذا تركنا الاتجاهات اليسارية المؤيدة للسلام مع الفلسطينيين فثمة أوساط عديدة باتت تبدي ميلا للتبرم من السياسات الإسرائيلية، التي تنتهك أية معايير إنسانية وتفتقد لأي أفق سياسي يدفع نحو السلام.

عموما فإن هذا التدهور في مكانة إسرائيل يؤكد حقيقة أساسية مفادها أن إسرائيل تخسر بالرغم من إحساسها بالربح الناجم عن القوة وشعور الغطرسة والتفوق.

الآن، لا يمكن الركون فقط إلى خسارة إسرائيل، على الصعيد الدولي، وفي المعركة على الرأي العام، إذ إن خسارتها لا تعني أن الطرف المقابل بالضرورة يحقق نجاحات، ذلك أن نجاح العرب أو الفلسطينيين خصوصا في معركتهم ضد إسرائيل يتطلب تعزيز التضامن بينهم، وإعادة ترتيبهم لأوضاعهم الداخلية، وتحسين إدارتهم لصراعهم مع إسرائيل، كما يتطلب منهم أصلا القدرة على استثمار الخسارة الإسرائيلية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك