صالح السنوسي

صالح السنوسي

أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بنغازي


بدا قرار السلطة الفلسطينية بتأجيل التصويت على تقرير القاضي "غولدستون" في مجلس حقوق الإنسان في جنيف، بمثابة الخطيئة التي حجبت الخطايا العربية الكبيرة منذ كامب ديفد إلى حصار غزة، فقد اتخذت الجماهير العربية والتيارات السياسية المعارضة وكثير من وسائل الإعلام موقفا يدين تصرف السلطة الفلسطينية بهذا الملف، وهو موقف يجد تبريره وشرعيته في ما ارتكبته حكومة رام الله الفلسطينية في حق شعبها، فبدا الأمر وكأن هذه السلطة قد خرجت عن الصف العربي فطعنته من الخلف وغدرت به في الوقت الذي كانت فيه أنظمته السياسية تحاول جاهدة بكل ما توفر لديها من وسائل، الوقوف في وجه إسرائيل.

"
الأنظمة العربية سعت بعد التطورات التي تلت كامب ديفد، إلى فك ارتباطها بالقضية الفلسطينية بحجة استقلالية القرار الفلسطيني, ولعل قرار تأجيل التصويت على تقرير غولدستون ليس إلا مثالا على تبعية مطلقة في ظل استقلالية مزيفة
"
ليس هذا من أجل الدفاع عن خطيئة السلطة الفلسطينية بل من أجل ألا تحجب شجرة هذه الخطيئة غابة خطايا الأنظمة السياسية العربية التي تتضاءل بجانبها الخطايا الفلسطينية وتصبح مجرد نتائج منطقية لأفعال وتصرفات هذه الأنظمة، فلاشك أن الفعل الفلسطيني مقاوما كان أو مستسلما، كان دائما مشروطا بما يكون عليه الواقع السياسي العربي ورهينا إلى حد بعيد للتغيرات التي تطرأ على هذا الواقع، مهما حاول الطرف الفلسطيني أن يحتفظ باستقلالية إرادته وفعله، ذلك لأن مفهوم الاستقلالية في ظل العلاقة العضوية بين القضية الفلسطينية والعرب هو مفهوم مخادع وخطير على هذه القضية ولا يحيل إلى معناه الحقيقي بالنظر إلى تلك العلاقة، ذلك لأن هذه الاستقلالية المعلنة أدت إلى عدة نتائج كل منها أخطر من الأخرى:

1- ازدياد تبعية القرار الفلسطيني لسياسة الأنظمة العربية ولاسيما المجاورة والمطبعة، دون أن تكون هذه الأنظمة مسؤولة رسميا عن هذا القرار الذي يضطر الجانب الفلسطيني إلى اتخاذه تحت ضغوط وتهديدات هؤلاء الحكام القادرين ولاشك على وضع هذه التهديدات موضع التنفيذ، فهم لا يخشون شعوبهم الفاقدة لروح الفعل الجماعي ويتمتعون في الوقت نفسه بمؤازرة إسرائيل ودعم الغرب.

ولهذا فإن هذه الأنظمة سعت بعد التطورات التي تلت كامب ديفد، إلى فك ارتباطها بالقضية الفلسطينية بحجة استقلالية القرار الفلسطيني وأن الفلسطينيين أولى وأدرى بشؤون قضيتهم، ولعل قرار تأجيل التصويت في مجلس حقوق الإنسان على تقرير القاضي "غولدستون" ليس إلا مثالا على تبعية مطلقة في ظل استقلالية مزيفة.

فلا نظن أنه بإمكان أى مسؤول فلسطيني مهما كانت درجة ارتباط مصالحه بإسرائيل، أن يجرؤ على اتخاذا قرار ترفضه الجماهير العربية وتعارضه حكوماتها بشكل جاد وقطعي، فالحكومة الفلسطينية التي ليست إلا إحدى محصلات كامب ديفد ووادي عربة وأوسلو، لم تتخذ –على الأغلب- مثل هذا القرار إلا تحت ضغوطات أنظمة عربية ولأسباب متعددة، مما جعل هذه السلطة تستجيب للمشيئة الأميركية والإسرائيلية على حساب دماء الشعب الفلسطيني التي سفكتها آلة الحرب الإسرائيلية تحت سمع وبصر وحصار هذه الأنظمة ومباركتها وتشجيعها لما تفعله إسرائيل بغزة.

ما فعلته السلطة الفلسطينية في جنيف ليس إلا تماهيا مع العار القومي الذي لم تعد  في ظله أية فضيحة مهما بلغت درجة عريها -حسب رأي عزمي بشارة- صادمة ولا مثيرة للدهشة.

إن ادعاء الاستقلالية في ظل جدلية العلاقة بين العرب والقضية الفلسطينية لم يخدم هذه القضية بقدر ما وفر غلالة لستر عورات الأنظمة السياسية العربية المنسحبة من التزاماتها دون أن تفرط في أدني تأثير تستطيع أن تمارسه على الفلسطينيين لخدمة مصالحها كأنظمة تبحث فقط عن بقائها واستمراريتها على حساب شعوبها وأقطارها، فكل القرارات الفلسطينية التي اتخذت تحت مظلة الاستقلالية لم تكن في حقيقة الأمر سوى استجابة اضطرارية لأفعال الأنظمة السياسية العربية.

"
ادعاء الاستقلالية في ظل جدلية العلاقة بين العرب والقضية الفلسطينية لم يخدم هذه القضية بقدر ما وفر غلالة لستر عورات الأنظمة السياسية العربية المنسحبة من التزاماتها
"
فتعديل الميثاق الفلسطيني لم يكن في الأساس استجابة للضغوطات الغربية التي ما كانت لتؤثر في القرار الفلسطيني لو أن العرب كانوا خلفه حقا، بل كان ذلك محاولة لمواءمة الوضع الفلسطيني مع مبدأ "السلام خيار إستراتيجي" الذي أعلنت من خلاله الأنظمة العربية استسلامها وتخليها عن استخدام القوة لاسترداد أراضيها المحتلة بما في ذلك الأراضي الفلسطينية، وكذا الأمر بالنسبة لاتفاقية أوسلو التي كانت اقتداء بكامب ديفد واستباقا لوادي عربة وذلك تطبيقا لمبدأ إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن ينهار البيت العربي من جميع أركانه بعد أن ساد منطق الخلاص القطري الذي تبنته الأنظمة السياسية العربية للمحافظة على بقائها تحت شعار بلدنا أولا.

2- أما النتيجة الثانية التي تمخض عنها ما سمي بالاستقلالية الفلسطينية، فهي ازدياد ضعف الفلسطينيين وهشاشة موقفهم، فقد ترك الفلسطينيون وحدهم في مواجهة إسرائيل المدعومة من الغرب بعد أن تم تزوير هوية الصراع العربي الإسرائيلي ليأخذ مسمى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

ولم تتوقف تداعيات هذه الاستقلالية المزعومة عند حد وقوف الفلسطينيين في مواجهة إسرائيل والغرب، بل تعدتها إلى إمكانية المواجهة مع بعض الأنظمة السياسية العربية في حالة ما إذا حاول الفلسطينيون –تطبيقا لمبدأ الاستقلالية- أن يبحثوا عن حلفاء آخرين قد تقتضي مصالحهم مد العون إلى الفلسطينيين.

ففي هذه الحالة لابد أن تضم هذه الأنظمة جهودها إلى الجهد الإسرائيلي والغربي لضرب من يتجرأ من الفلسطينيين على التمادي في دفع حدود هذه الاستقلالية إلى معان لم تكن هي المقصودة حينما جرى تبنى هذا المفهوم.

3- ترتب على هذه الاستقلالية في ظل منطق الخلاص القطري عدم الاعتراف بأية سلطة فلسطينية بصرف النظر عن شرعيتها فلسطينيا، ما لم ترض عنها الأنظمة السياسية العربية ويباركها الغرب وتقبل إسرائيل بالتفاوض العبثي معها، بعكس ما كان سائدا قبل كامب ديفد حيث كانت القيادات الفلسطينية يتم فرزها بواسطة آليات المقاومة الفلسطينية بكل مالها وما عليها وبصرف النظر عن أخطاء وخطايا تلك القيادات، فإنها عمليا لم تكن تستمد شرعيتها من الرضا الإسرائيلي ومباركة الغرب، وكان الكثير من الأنظمة السياسية العربية مضطرا للتعامل معهم ولو على مضض.

3- أصبحت كل القرارات التي تتخذها أية سلطة فلسطينية حائزة على رضا الأنظمة السياسية العربية، رهينة لمشيئة هؤلاء الحكام وهذه لاشك تبعية مقيتة وغاية في الخطورة بالنسبة للقضية الفلسطينية،لأنها تبعية ليست مرتبطة بمنظور مصلحة الأمة، بل مرتبطة بمصلحة حكام مهمومين ببقائهم واستمراريتهم، مفرطين في مصلحة أقطارهم التي يدعون الحرص على مصالحها أولا فما بالك بمصلحة الأمة.

"
تداعيات مفهوم الاستقلالية بمعناه المفروض على الفلسطينيين، هي التي كانت من وراء ظهور السلطة الفلسطينية بمفردها على خشبة مسرح جنيف أمام الجمهور العربي، بينما اختفى الفاعلون الحقيقيون
"
لاشك أن مفهوم الاستقلالية الفلسطينية في ظل منطق الخلاص القطري العربي تولدت عنه في الجانب الفلسطيني أوضاع وظروف جعلت بعض النخب والقيادات الفلسطينية تعمل على توطيد علاقاتها مع المحتل الإسرائيلي وتجهد نفسها من أجل نيل رضا الغرب، نظرا لوجود مصالح شخصية نمت في ظل تلك الظروف وتشابكت مع مصالح الاحتلال الإسرائيلي، فاختلطت المصلحة الشخصية بالمصلحة الوطنية وأصبحت هذه الأخيرة في خدمة الأولى ولم يعد لمثل هذه النخب قضايا عامة خارج مصالحهم الخاصة.

وهم في ذلك يتشابهون ويتماهون مع سلوكيات الحكام العرب الذين لا تعاني أقطارهم من احتلال عسكري استيطاني, وبعضها غنية أيضا، ومع ذلك فهم لا يتورعون عن التضحية بالمصالح الحيوية لأقطارهم التي هي في الحقيقة مصالح الجماعة التي يدعون تمثيلها والحرص على مصالحها، وذلك في مقابل بقائهم واستمراريتهم في سدة الحكم دون خجل من أنفسهم أو خوف من محكوميهم.

لعل تداعيات مفهوم الاستقلالية بمعناه المفروض على الفلسطينيين، هي التي كانت من وراء ظهور السلطة الفلسطينية بمفردها على خشبة مسرح جنيف أمام الجمهور العربي، بينما اختفى الفاعلون الحقيقيون الذين تجاوزت خطاياهم كل محرم ومقدس وكانوا ولا يزالون خلف كل خطيئة فلسطينية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك