ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني

قيل الكثير في الجريمة التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني فيما يتعلق بتقرير غولدستون، ولم يعد ثمة زيادة لمستزيد، أكان من حيث الأسباب التي دفعت إلى اتخاذ القرار، أم من حيث المسؤولين عنه.

"
إنها سلطة أقيمت على أساس صفقة واضحة كل الوضوح عنوانها منح الأمن للاحتلال (وقف المقاومة نهائيا، بل واعتبارها شكلا من أشكال الإرهاب) مقابل الحصول على فرصة العيش
"
أعني رئيس السلطة شخصيا والفريق الذي يحيط به منذ سنوات، والذين تبرأ بعض أعضائه (للمفارقة) من وزر الجريمة، كلٌ على طريقته، بمن في ذلك ياسر عبد ربه، صاحب وثيقة جنيف التي تشكل وملحقها الأمني جريمة أكبر بكثير بحق الشعب الفلسطيني، حيث لا تكتفي بالتنازل عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين، بل تضيف إلى ذلك الموافقة على دولة مسخ منزوعة السلاح على أقل من 60% من الضفة الغربية، يتحكم المحتلون بها من السماء والأرض والبحر
.

لكن ما ينبغي أن يقال هنا بالفم الملآن، وبعيدا عن مصير التقرير وشبكة الأمان التي يجري توفيرها لمحمود عباس خشية السقوط (من بينها تمرير التقرير مرة أخرى في مجلس حقوق الإنسان، وإن بشيء من التعديل وبزخم أقل)، وبالطبع لأنه الاستثمار الأهم للأميركيين والإسرائيليين خلال السنوات الست الأخيرة، ما ينبغي أن يقال هو إننا لم نكن البتة إزاء جريمة شاذة كان بالإمكان تجاوزها ليكون كل شيء على ما يرام، بقدر ما كنا إزاء واقعة تشكل جزءا لا يتجزأ من منطق هذه السلطة والبنية التي أقيمت على أساسها.

إنها سلطة أقيمت على أساس صفقة واضحة كل الوضوح عنوانها منح الأمن للاحتلال (وقف المقاومة نهائيا، بل واعتبارها شكلا من أشكال الإرهاب) مقابل الحصول على فرصة العيش، وبالطبع عبر الحصول على المعونات الدولية وعائدات الجمارك مع حق التنقل لقيادة السلطة داخل المناطق الفلسطينية، ومنها إلى الخارج.

كان حُلم عرفات الذي برر به الاتفاق الذي أنشئت على أساسه السلطة هو خلق واقع على الأرض يتطور بالتدريج وصولا إلى دولة على الأراضي المحتلة عام 67، وذلك عبر نظرية الفاكهاني (السيطرة على لبنان من خلال منطقة الفاكهاني في بيروت)، ولكن الرجل لم يلبث أن اصطدم بدقة التصميم الذي صاغه الإسرائيليون لواقع تلك السلطة، ومن ثم بسقف ما يمكنهم تقديمه في الحل النهائي كما تجلى في قمة كامب ديفد صيف العام 2000.

"
ما شجع شارون على التخلص من عرفات من دون شك هو توفر قيادة أخرى جاهزة لاستلام زمام الأمور فيها من المواصفات ما يبدو مريحا له ولكيانه، وهي القيادة التي استخدمت في حرب الرجل وتحجيمه، ممثلة في الثلاثي (عباس وفياض ودحلان)
"
هنا انسجم الرجل مع انتفاضة الأقصى على أمل أن يفرض على الإسرائيليين وقائع جديدة من خلال المقاومة، لكنه فوجئ بردة الفعل الشديدة التي تمثلت في عملية السور الواقي واجتياح الضفة الغربية وحصاره في رام الله، فبدأ رحلة العودة عن خيار المقاومة عبر القبول باتفاقات مذلة على شاكلة اتفاق كنيسة المهد الشهير، لكن شارون الذي ملّ من مناوراته وأيقن أن لا مجال للتفاهم معه على حل يرضي المطالب الإسرائيلية لم يلبث أن قرر التخلص منه، وهو ما كان
.

ما شجعه (أعني شارون) على التخلص من عرفات من دون شك هو توفر قيادة أخرى جاهزة لاستلام زمام الأمور فيها من المواصفات ما يبدو مريحا له ولكيانه، وهي القيادة التي استخدمت في حرب الرجل وتحجيمه، ممثلة في الثلاثي (عباس وفياض ودحلان) الذين أعلنوا مرارا التزامهم المطلق بخط التفاوض ورفض "العنف".

أيا تكن الحقيقة فيما يتعلق باغتيال عرفات، فإن وجود هؤلاء ووضوح خطهم السياسي هو الذي ساهم في التخلص منه، وقد كان رحمه الله يدرك ذلك، وما تسريبه للوثيقة الشهيرة لفاروق القدومي قبل موته سوى إدراك منه لهذه الحقيقة (لعله أراد إدانتهم ميتا بعد فشله في إنهائهم حيا).

هكذا جاء هؤلاء بعنوان واضح خلاصته الاستعداد للوفاء بشروط السلطة ومطالبها والتزاماتها بصرف النظر عن نتيجة المفاوضات فيما خص قضايا الوضع النهائي، مع التذكير بأن حلمهم بالتوصل لاتفاق نهائي وسعيهم إليه لا ينفي إدراكهم لحقيقة البرنامج الإسرائيلي المُجمع عليه ممثلا في الدولة المؤقتة (الحل الانتقالي بعيد المدى بحسب شارون والسلام الاقتصادي بحسب نتنياهو) على ما يتركه الجدار من الضفة مع ترك القضايا الكبرى معلقة إلى أمد بعيد بما يدخلها مجاهل النسيان ويحيل المؤقت إلى دائم مع بعض الرتوش الإضافية المحدودة، مع العلم أن الدولة المؤقتة هي المرحلة الثانية من خريطة الطريق التي طالما تغنوا بالالتزام بها.

هكذا وجد هؤلاء أنفسهم أمام خيار واحد ووحيد هو الخضوع لمطالب العدو وهواجسه، لأن البديل هو الحصار والتجويع وتكرار تجربة ياسر عرفات، وهم غير مستعدين لذلك، لا هُم ولا أبناؤهم الذين يتاجر كثير منهم مع الإسرائيليين، وما قصة شركة الخلوي سوى نموذج على ذلك.

كيف يمكن لسلطة تعتمد في رواتبها وحركة قيادتها على العدو أن تتحداه وتفضحه في الأروقة الدولية، فضلا عن أن تقاومه على نحو يوجعه ويفرض عليه التنازلات؟

لقد كان هذا بالضبط هو منطقنا الذي رفضنا من خلاله مشاركة حماس في الانتخابات، وقلنا مرارا وتكرارا إن هذه السلطة مصممة لخدمة الاحتلال، ولا يمكن لها إلا أن تكون وفيّة للصفقة التي عقدت معه، اللهم إلا إذا استعد قادتها للتحول إلى استشهاديين تتخطفهم صواريخ طائرات العدو على نحو ما فعلت بالشيخ أحمد ياسين، وبعبد العزيز الرنتيسي وجمال منصور وجمال سليم وأبي علي مصطفى، وأقله أن يكونوا جاهزين للموت بالسمّ على طريقة ياسر عرفات، بل إن الخروج من الضفة الغربية وإدارة المعركة من الخارج مع هاجس الإبقاء على السلطة لا يبدو مجديا، لأن تدبير أمرها من زاوية البشر أنفسهم لن يكون ممكنا من دون تسهيلات الاحتلال.

لقد قامت فكرة هذه السلطة في وعي من صاغوها على تخليص الدولة العبرية من الأعباء المترتبة على استمرار الاحتلال بصيغته القديمة، وهي الأعباء الاقتصادية والأمنية والسياسية، الاقتصادية ممثلة في كلفة الإدارة المدنية وتقدر بحوالي ملياري دولار سنويا لأن اتفاقيات جنيف تضع مسؤولية السكان الواقعين تحت الاحتلال على عاتق المحتل، الأمنية ممثلة في تخليص الاحتلال من عبء اصطياد جنوده وموظفي إدارته المدنية من قبل المقاومة المتمركزة بين أهلها في المدن والقرى والمخيمات مقابل الوضع القائم الذي يسميه الإسرائيليون "احتلال ديلوكس"، أي احتلال فاخر يمكنهم من خلاله الدخول إلى أي مكان والخروج منه بعد تنفيذ المهمة المطلوبة (اغتيال أو اعتقال)، وأخيرا العبء السياسي وهذا لا يقل أهمية إذ تحوّل المشهد من صراع بين دولة محتلة وحركة مقاومة، إلى عنف من قبل إرهابيين ضد دول جارة لها نزاع حدودي مع جارتها.

لا مجال لمواجهة هذه المعادلة البائسة، لاسيما بعد وضوح مسارها المقبل سوى التفكير بإدارة مشتركة بين الفصائل لقطاع غزة مع حلّ السلطة في الضفة وإعادة الاحتلال الكامل، وإطلاق المقاومة
"
ربما قال بعضهم إن حماس لم تكن وفية لمنطق الاحتلال، وهذا صحيح بقدر ما في حالة قطاع غزة الذي خرج منه الاحتلال بالكامل مع بقاء السيطرة على المعابر، وليس له رغبة في العودة إليه لانعدام المطامع فيه، ولكنها لو حكمت الحركة الضفة الغربية لوجدت نفسها في ذات المأزق، فإما أن تواصل المقاومة وتتحمل تبعا لذلك وضعا جديدا يتمثل في حلّ السلطة بالكامل، أو أن تركن إلى ما ركنت إليه قيادة السلطة، وإن يكن بطريقة مختلفة تبعا لمرجعيتها وطبيعة قيادتها التي تختلف من دون شك عن تلك الموجودة في الضفة، بدليل أن قيادة غزة تضطر اليوم إلى وقف الصواريخ لكي لا تواجه برد إسرائيلي ليست جاهزة لتحمله بعد الحرب الأخيرة
.

من هنا لا مجال لمواجهة هذه المعادلة البائسة، لاسيما بعد وضوح مسارها المقبل (دولة مؤقتة أو صفقة نهائية بالغة السوء تشكل تصفية للقضية) سوى التفكير بإدارة مشتركة بين الفصائل لقطاع غزة بوصفه منطقة شبه محررة، مع حلّ السلطة في الضفة وإعادة الاحتلال الكامل، وإطلاق المقاومة الشاملة في كل الأرض الفلسطينية، أي إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل أوسلو، مع تحميل الدول العربية مسؤولياتها تجاه الانتفاضة الفلسطينية الجديدة بضغط من القوى الحية في الأمة، في استعادة عملية للمرحلة الأولى من انتفاضة الأقصى.

إن خيارا كهذا سيحشد الأمة في مواجهة الاحتلال، وسيلقى تعاطفا من أحرار العالم أجمع، الأمر الذي سيفرض التراجع على الاحتلال، لاسيما إذا تم الاتفاق على شعار واضح هو دحر الاحتلال من دون قيد أو شرط، كمقدمة للتحرير الشامل كما وقع في لبنان.

لكن هذا الخيار يحتاج من دون شك قيادة فلسطينية من لون مختلف، ووضعا عربيا أفضل، ولا مجال لتشكيل القيادة الجديدة إلا من خلال إعادة تشكيل منظمة التحرير على أسس ديمقراطية في الداخل والخارج كي تكون ممثلا لكل الفلسطينيين، وإذا استحال ذلك فليجر البحث عن صيغة أخرى للتنسيق بين قوى المقاومة والفعاليات المؤمنة بها في الداخل والخارج تقوم مقام المنظمة بصيغتها الحالية غير الممثلة للشعب الفلسطيني (من يمثل أمين سرها ياسر عبد ربه بالله عليكم؟!).

المصدر : الجزيرة

التعليقات