نبيل شبيب

نبيل شبيب

كاتب وباحث إسلامي

أين القيادات الشعبية؟
الحرب ضد غزة نموذجا
القاسم المشترك الأعظم

أين الخلل؟
إزالة الخلل

لم تعد أوضاع البلدان العربية والإسلامية عموما طبيعية ولم تعد قابلة للبقاء طويلا، وليس أول شاهد على ذلك ما ظهر مع الحرب على غزة من تناقض هائل بين التعامل الرسمي والتعامل الشعبي مع الأحداث.

والعنصر الأخطر في هذا التناقض، أن المسؤولين عنه وعن وصوله إلى درجة الاحتقان، إما إنهم لا يريدون رؤية الخطر أصلا، أو إنهم مطمئنون اطمئنانا مخادعا على إمكانية تجاوزه بوسائل قمع تقليدية، كما تجاوزوا أخطارا مشابهة ظهرت للعيان مواكِبةً لانتفاضة الأقصى وحرب احتلال العراق مثلا.

إن التغيير الذي طُرح له لحين من الزمن عنوان الإصلاح، لا بد حاصل بصورة من الصور، فإن حصل إصلاحا قويما مدروسا هادفا منظما، حقق نقلة إيجابية على صعيد الشعوب والحكومات، وإن حصل بصورة عشوائية مفاجئة غير محسوب حسابها، أو مع حسابات قاصرة على محاولة بائسة للقمع، فلا يمكن التنبؤ مسبقا بالعواقب الفورية، وقد تكون الحصيلة في النهاية إيجابية، ولكن الثمن سيكون كبيرا، ولن يدفعه طرف دون آخر، بدءا بالحكومات ومرورا بالنخب وانتهاء بالشعوب.

أين القيادات الشعبية؟
التغيير لا بد حاصل، ولم يعد الإصلاح مطلبا فحسب، بل هو فريضة وضرورة، وكلما ازدادت الشواهد على أن الحكومات عازمة على الامتناع عن الإصلاح بنفسها وعلى الامتناع عن الاستجابة لدعاته، تحول عبء المسؤولية إلى عاتق القادرين من خارج الأجهزة الرسمية على ضبط توجيه التغيير الإصلاحي كي لا يكون عشوائيا مدمرا.

ولكن من هم القادرون على ذلك؟.. أين نجدهم؟.. وكيف يحملون المسؤولية ويؤدونها على الوجه الأمثل؟ للجواب على هذه التساؤلات الملحة أكثر من وجه، أهمها:

1- جواب تقليدي: هم أولئك الذين يحملون وصف النخب (غير المرتبطة بالطبقات الحاكمة)، المنتشرون أفرادا وفي تنظيمات مختلفة، في قطاعات فكرية وأدبية ومهنية ونقابية وغيرها.. فعليهم المسؤولية الكبرى في ممارسة القيادة والتوجيه والضبط المطلوب في أي عملية إصلاح تغييري. وهذا الجواب لا يعدو كونه كلاما نظريا لا يؤثر على الواقع ما دامت لا تظهر نتائج مرئية لما تصنع القيادات "النخبوبة".

"
القيادات التي يفتقر الإصلاح التغييري الشعبي إليها على امتداد المنطقة العربية والإسلامية لا تصنع صنعا، بل تصنعها إنجازاتها الذاتية فتظهر، وتتوالى الإنجازات فتنمو، وإن لم تصل إلى الهدف أثناء حياتها، فهي التي تشق الطريق نحو الهدف
"
2- جواب موضوعي: لا بد للقيادات النخبوية في التنظيمات المختلفة في الساحة العربية، من ترك مواقعها لقيادات شابة جديدة تثبت قدراتها عبر الممارسة العملية، وعبر التفاعل التوجيهي مع الجماهير الغاضبة الراغبة في التغيير. وهذا الجواب أقرب إلى الكلام النظري أيضا (للأسف)، فالنقلة لا تكون سليمة دون إرادة تصنعها، والنخب المنظمة المعاصرة جزء من مجتمع "الشعوب والحكومات" الحالي، وفيها مثل ما فيه من نواقص خطيرة، كمنقصة التمسك بالمنصب القيادي حتى الموت.

3- جواب عملي: القيادات الحقيقية تنشأ من خلال العمل الفعلي وإثبات الكفاءة عبر الممارسة، فلا يتوقع من "الجيل الحالي" من النخب أكثر مما قدم بغض النظر عن تقويمه، بل ستظهر قيادات أخرى تلقائيا عبر التحرك الشعبي الجماهيري، ويتنامى تأييدها بقدر ما تثبت فعاليتها على أرض الواقع، فتفرض وجودها مقابل اضمحلال وجود من أخفق قبلها. وهذا الجواب أقرب إلى ما تشهد له الخبرة التاريخية، ولكن لا نزال أقرب إلى الحديث النظري، ولم يعد مجرى الأحداث يسمح به طويلا.

وليس في الحديث النظري منقصة إذا أحسن توظيفه، فالحديث عن التغيير لا يصنع التغيير، ولكنه من مقدماته، والدعوة إلى الإصلاح لا تصنع الإصلاح، ولكنها مما لا يتم الواجب إلا به فهي واجب، وكل حديث متوازن استشرافا للمستقبل أصبح كالإصلاح والتغيير فريضة وضرورة، ومن طبيعته ألا يحيط بكل جانب، فانعكاسه على أرض الواقع رهن بما يحدث وليس بما يؤمل فقط.

ونجد ما يكفي من الأمثلة على كيفية ظهور القيادات -موضوع التساؤلات السابقة- بغض النظر عن تقويم نوعية تلك القيادات واتجاهاتها وما أوصلت أو لم توصل إليه، إنما القاسم المشترك بينها هو وجود مواصفات أساسية للقيادة عندها، ومن ذلك على صعيد قضية فلسطين وتاريخها القريب تخصيصا:

ياسر عرفات.. لم يظهر عبر تنظيمات وانتخابات بل ظهر التنظيم مع ظهوره (ومن كان معه من قيادات) ثم سرعان ما وصل إلى مكان من سبق وضعه تعيينا في موقع القيادة السياسية الفلسطينية.

أحمد ياسين.. ظهر في أصعب الظروف البيئية المحيطة به وصنع خلال فترة وجيزة ما لا يُصنع عادة في الظروف الاعتيادية تنظيما وتوجيها وإنجازات على الأرض.

إسماعيل هنية.. ظهرت كفاءاته القيادية وهو طالب في جامعة الخيام (الجامعة الإسلامية في غزة) ووصلت مسيرته إلى ما نعايش بعضه اليوم في أصعب الظروف.

ويمكن تعداد المزيد من الأمثلة. والشاهد فيها أن القيادات التي يفتقر الإصلاح التغييري الشعبي إليها، على امتداد المنطقة العربية والإسلامية، لا تصنع صنعا، بل تصنعها إنجازاتها الذاتية فتظهر، وتتوالى الإنجازات فتنمو، وإن لم تصل إلى الهدف أثناء حياتها، فهي التي تشق الطريق نحو الهدف.

الحرب ضد غزة نموذجا

"
ما يجري الآن مواكبا للحرب على غزة يشابه إلى حد بعيد ما عايشناه في الآونة الأخيرة، مواكبا لاندلاع انتفاضة الأقصى، ولبدء حرب احتلال العراق، وللكشف عن الممارسات الهمجية البشعة في أبوغريب وغوانتانامو
"
التفاعل الشعبي مع الحرب الإجرامية في غزة واسع النطاق، يمتد عبر الآفاق الجغرافية في كل مكان، كما يمتد من الناحية النوعية التعددية أيضا. ونرصد على صعيده على سبيل المثال دون الحصر:

1- غالب الفعاليات الجماهيرية من مظاهرات وتجمعات واحتجاجات في المدن والجامعات والمساجد وكذلك في العالم الافتراضي، كانت فعاليات تلقائية، يحركها الوجدان، وتتلاقى من حيث مظاهرها على قواسم مشتركة من صنع مشاهد الملحمة الجارية على الأرض.

2- دعوات القيادات النخبوية إلى فعاليات معينة، أصبحت وفيرة لا يكاد يمكن حصرها، وبات وصولها إلى قطاعات شعبية كبيرة شبه مضمون دوما، بفضل وسائل الاتصال الحديثة المعاصرة، حتى إن الأخبار تتناقل دعوات إلى التحرك في البلاد الأسكندنافية مثلا، وليس داخل الأرض الإسلامية فقط.

3- هذه الفعاليات التلقائية والملبية لدعوات محددة، تصنع "أجواء" تنذر بالتأثير والتغيير، ولكن لا يُنتظر منها بصورة جادة أن تصنع التأثير الفعلي على مجرى الأحداث إلا قليلا، ولا التغيير على مستوى الأوضاع كي لا يستمر إسهامها في التمكين من وقوع تلك الأحداث المأساوية.

إن ما يجري الآن مواكبا للحرب على غزة، يشابه إلى حد بعيد ما عايشناه في الآونة الأخيرة، مواكبا لاندلاع انتفاضة الأقصى، ولبدء حرب احتلال العراق، وللكشف عن الممارسات الهمجية البشعة في أبوغريب وغوانتانامو، ولبعض الأحداث المأساوية الأخرى كجرائم الاحتلال والعدوان في الفلوجة والحديثة ورفح وقانا وجنين وغيرها.

القاسم المشترك الأعظم
ما يمكن أن يصنع التغيير في العراق لم يكن الفعاليات الجماهيرية (وليس هذا انتقاصا من شأنها وأهميتها على الإطلاق) ولكن يمكن أن يأتي ثمرة للمقاومة وما تصنع على الأرض، كذلك فما يمكن أن يصنع تغييرا في مجرى قضية فلسطين ليس الفعاليات بل المقاومة على الأرض، وذاك ما يسري على أفغانستان ولبنان والصومال والسودان وسواها من البقاع الإسلامية دون استثناء.

يضاف إلى ذلك أن المقاومة الفعلية تغير أو تشق طريق التغيير في مواطنها تجاه احتلال وعدوان، أما الفعاليات المواكبة لها فإن كان المطلوب منها دعم هذا التغيير، فالواجب الأهم المطلوب منها هو إحداث الإصلاح التغييري في المواطن الأخرى، أي على صعيد الأوضاع القائمة التي تساهم مباشرة (تواطؤا) أو غير مباشرة (قعودا وعجزا عن التحرك) في التمكين من مسلسل الاحتلال والعدوان، جنبا إلى جنب مع التمكين من بقاء الاستبداد والفساد والاستغلال والتبعيات الأجنبية سدودا هائلة في وجه النهوض والبناء.

أين الخلل؟

"
إذا تساءلنا عن قابلية التغيير الإصلاحي عن طريق ما تعيشه المنطقة العربية والإسلامية حاليا في مواكبة الحرب الإجرامية على غزة، فلن نجد بين أيدينا ما يمكن اعتباره مقومات حقيقية لمسيرة إصلاح تغييري
"
لا بدّ من تثبيت قاعدة أساسية تشهد التطورات التاريخية عليها:

كل إصلاح تغييري يتطلب الجوانب العقدية والفكرية وما يتصل بها مما يحدد منطلقاته وأهدافه والقيم والمعايير التي تضبط خطواته، كما يتطلب الجماهير والقيادات، ولكن يتطلب تنفيذه علاوة على ذلك -ليصبح حقيقة واقعة مع ضمان أن يكون قويما ناجحا ولا يكون عشوائيا مدمرا- عددا من الشروط العملية الأخرى، تختلف باختلاف الظروف، مع بقاء ما يمكن تعميمه منها واعتباره قواسم مشتركة، وفي مقدمة ذلك:

مخطط مرن للعمل المرحلي المتواصل، وآلية اتصالات متينة مع ضمانات تكفل عدم انقطاعها في مختلف الظروف، وشبكة تنظيمية منتشرة على امتداد المنطقة التي يراد تحقيق الإصلاح التغييري فيها.

إذا تساءلنا عن قابلية التغيير الإصلاحي عن طريق ما تعيشه المنطقة العربية والإسلامية حاليا في مواكبة الحرب الإجرامية على غزة، وعاشته في مواكبة أحداث سابقة، كحملات المقاطعة مع الانتفاضة أولا ثم احتلال العراق ثانيا ثم الإساءات ثالثا، فلن نجد بين أيدينا ما يمكن اعتباره مقومات حقيقية لمسيرة إصلاح تغييري.

التضحيات في الأحداث الجارية تقدم وقودا.. والتفاعل التلقائي الجماهيري يقدم أرضية واسعة النطاق وأجواء مواتية.. أما أوضاع النخب التقليدية والقيادات التقليدية والجماعات والأحزاب والاتحادات والنقابات على امتداد البلدان العربية والإسلامية، فيفتقر جلّها إن لم نقل جميعها، إلى عناصر التخطيط والتواصل والتنظيم، ليس على صعيد كل منها على حدة، أو على صعيد علاقاتها بعضها ببعض، بل -وهذا هو الأهم- على صعيد ما يربط بين وقود التضحيات وتفاعل الجماهير، ويوصل من منطلقات مشتركة ومعطيات واقعية، إلى أهداف مشتركة على ضوء المصلحة العليا، بما يتفق مع الإصلاح التغييري الذي يتحدث الجميع عنه، ولا توجد له في غياب التواصل صورة متفق عليها، ولا بنية هيكلية يجري العمل من أجل بنائها.

إزالة الخلل
كل خلل يمكن أن يعالج فيزول، أو يكون موضع التجاهل فيتفاقم، ومن أشكال التجاهل أن بعض التنظيمات النخبوية يقول بوجود خلل، في كل مكان إلا "في جدران بيته"، وقد يكون لديه بعض أشكال التخطيط والتواصل والتنظيم، فيعتبرها كافية، بينما المقصود بالخلل الأكبر المشترك شيء آخر يتجاوز حدود ما يضمن بقاء تنظيم، أو بقاء زعاماته، أو بقاء بنيته الهيكلية التقليدية على ما هي عليه، واعتبار ذلك نجاحا!

النجاح الحقيقي هو إحداث التغيير الإيجابي باتجاه العناصر المشتركة على أرضية التعددية، وليس التمسك بالأوضاع الذاتية الراهنة لكل فريق على حدة، أيًّا كانت نوعيتها، فحصيلتها مفرقة لا جامعة وموحدة.

إن الخلل المقصود هو خلل افتقاد العناصر الأساسية للتغيير الإصلاحي المشترك، فما يحتاج إليه هو التخطيط بين ما هو قائم، وليس في إطار كل فريق على حدة، وهذا ما يسري على عنصري التواصل والتنظيم أيضا.

"
آن الأوان أن ترتفع القيادات الشعبية الحالية إلى مستوى الجماهير لتكون جديرة بوصف القيادات الشعبية، وإن لم تفعل، فسيظهر سواها في صفوف التحرك الجماهيري ويفرض نفسه بإنجازاته مكانها
"
ربما  لا يزول الخلل جنبا إلى جنب مع العمل من أجل التفاعل مع حدث آني، كما هو الحال مع الحرب الإجرامية ضد غزة، إنما تكمن هنا علة العلل من وراء تفاقم الخلل بدلا من إزالته، فالتحرك المطلوب لإزالته ليس التحرك بأسلوب ردود الأفعال أثناء الأحداث، بل هو التحرك الدائب المستمر في كل وقت وحين، أثناء الأحداث، وما بين فترات اندلاعها وتحولها إلى حرائق وكوارث.

وليس المطلوب من السطور السابقة ممارسة نقد ما، في أي اتجاه، فكل من يصدق مع نفسه يرى رأي العين من جوانب الخلل ما يجعل الحديث الناقد أقرب إلى فضل القول.

إنما القصد هو الإسهام في محاولة تلافي النقص وإزالة الخلل، بحيث لا نجد أنفسنا نتساءل عن الخلل، كلما وقعت كارثة، ونتحسس مواطن القصور كلما وقع حدث كبير فأظهر أن مستوى تحرك الجماهير أصبح أعلى من كفاءة القيادات، وقد آن الأوان أن ترتفع القيادات الشعبية الحالية إلى مستوى الجماهير لتكون جديرة بوصف القيادات الشعبية، وإن لم تفعل، فسيظهر سواها في صفوف التحرك الجماهيري ويفرض نفسه بإنجازاته مكانها.

المصدر : الجزيرة

التعليقات