منير شفيق

أولا- عسكريا: إن الهدف من القصف الجوي على المدنيين والأهداف الداخلية وبلا حركة هجومية برية تتبعه يرمي إلى إرهاب الناس وإخضاعهم وفرض الاستسلام عليهم  وفي حالة قطاع غزة، تأليبهم ضد حماس والجهاد وفصائل المقاومة كافة.

وبالفعل عرفت حرب العدوان الصهيونية الإجرامية أكثر من ثلاثة أسابيع متواصلة من القصف على الأهداف المدنية. بما أدى إلى استشهاد أكثر من 1300 أغلبهم من الشرطة والأطفال والنساء والشيوخ والشباب والرجال العاديين (تفريقا لهم عن المقاومين الملتزمين)، وإلى سقوط جرحى تعدى عددهم 3500، ولكن لم ترفع راية بيضاء واحدة ولم يخرج صوت واحد يطالب برحيل المقاومة أو ينقلب عليها، الأمر الذي أفشل الهدف المتوخى من القصف الجوي الكثيف.

"
بالرغم مما قدم الناس من شهداء وجرحى وهدم بيوت، وبالرغم من التهديد بأن ما ينتظرهم سيكون أعظم، فإنهم صبروا وصابروا وصمدوا ولم يستسلموا، واستمروا على هذا الحال, ولم ينقلبوا على حماس والجهاد وكافة الفصائل المقاومة
 "
فالناس بالرغم مما قدموا من شهداء وجرحى وهدم بيوت، وبالرغم من التهديد بأن ما ينتظرهم سيكون أعظم، صبروا وصابروا وصمدوا ولم يستسلموا، واستمروا على هذا الحال إلى يومنا هذا، وقد صعد القصف الذي انتقل إلى الإرهاب الكيمياوي من خلال استخدام القنابل الفوسفورية وغيرها من الممنوعات دوليا (قنبلة الدائم).

باختصار الموقف الشعبي بصموده وصبره العظيم أفشل الهدف العسكري من وراء القصف والإثخان بالمدنيين، وقد رافق ذلك خلال الأسبوع الأول استمرار إطلاق الصواريخ، وبمستويات غير مسبوقة حتى وصل إلى المستوطنات (يسميها أهل غزة المغتصبات) التي تبعد خمسين كيلومتراً، الأمر الذي أفشل الهدف العسكري الذي رمى إلى وقف إطلاق الصواريخ.

ثانياً- عسكرياً أيضا: اضطر العدوان -بعد فشل القصف الذي تجاوز كل الحدود في إثخانه بالمدنيين ومحاولة إرهابهم- أن يعلن البدء بمرحلة الهجوم البري، وبالفعل اختار نقاطاً زراعية أو بعيدة عن العمران، أو قليلة العمران أو متناثرة ليحدث عدداً من الاختراقات في محاولة للإيهام بأنه بدأ في احتلال القطاع فيما بقيت المقاومة التي تصدت له في مواقعها الأساسية القائمة على الدفاع العميق بعمق الأحياء والشوارع والأزقة.

وبعد مضي أكثر من أسبوعين على الهجوم البري ظل يدور في المكان من دون أن يتمكن من دخول الأحياء حيث المقاومة، وقد انتظرته للاشتباك من شارع إلى شارع ومن غرفة إلى أخرى، الأمر الذي جعل ما يسمى الهجوم البري يستمر بمرحلتيه الأولى والثانية فاشلاً أيضا، إذ لم يستطع العدو نفسه أن يسميه انتصاراً أو يتباهى به.

ولهذا اضطر إلى اختراع نظرية المراحل وقد سخفها إلى حد جعل تقدم الدبابة مائة متر أو إعادة تعبئتها بالوقود مرحلة، فكانت قصته محاولة الاقتراب فمواجهة كمائن وهجمات مضادة، فيرتد أو يختار نقاطا يغلب عليها الجانب الزراعي منعدم الكثافة السكانية ليحاول الوصول إليها.

بكلمة وبغض النظر عن التفاصيل يمكن القطع أن الهجوم البري لم يحقق أهدافه وقصة المرحلة الرابعة والخامسة هي فقط للإيهام بأنه كان يستطيع أن يفعل أكثر أو أنه سيفعل أكثر وبالطبع الهدف من ذلك مفهوم. لأنه لو كان قادراً على الاحتلال الفعلي وتحقيق انتصار ملموس لفعل. علماً أنه من المفروض بالنسبة إلى جيش مثله يملك ما يملك من قدرات عسكرية أن ينجز أكثر، وإن كان الانتصار غير ممكن في مواجهة مقاومة شعبية مؤمنة مصممة ومهيأة للاشتباك في البيوت والشوارع.

فما يسمى بالهجوم البري تخبط وارتبك ولم ينفعه الادعاء بأنه يتحرك بحذر وبطء عمداً، أو بأن ثمة مراحل أخرى يدخرها ولم يستعملها بعد.

أما القصف حين يتحول إلى استخدام القنابل الفوسفورية "والدائم" والتصعيد يوميا على المدنيين أكثر من الأيام التي سبقت فهذا دليل قاطع على تعثر الهجوم البري ودخول اليأس في عقول القيادة العسكرية والسياسية.

وبهذا راح العدوان يتخبط عسكرياً إلى أن اضطر إلى وقف إطلاق النار من جانب واحد، مراهنا على تحرك سياسي ينقذ ماء الوجه، أو بالأصح يحقق لعدوان ما لم يستطع تحقيقه بالميدان العسكري. وهو هنا يراهن على ما سمي بالمبادرة المصرية.

"
القصف حين يتحول إلى استخدام القنابل الفوسفورية "والدائم" والتصعيد يوميا على المدنيين أكثر من الأيام التي سبقت فهذا دليل قاطع على تعثر الهجوم البري ودخول اليأس في عقول القيادة العسكرية والسياسية
"
ثالثاً- كان هنالك ما تصدى للعدوان الإجرامي، وما عزز الصمود الشعبي والمقاومة البطولية تمثل في الانتفاضات الشعبية العربية والإسلامية والعالمية التي لم يسبق لها مثيل في اتساعها وشمولها وعمقها.

فقد دعمت المقاومة وشجبت العدوان، وهو ما لم تعرفه ثورة الجزائر أو ثورة فيتنام، ولا حركات مناهضة التمييز العنصري ولا التجربة الفلسطينية سابقا.

فقد عمت المظاهرات العواصم والمدن في كل بلد من بلدان العالم وتحشد في بعضها المليون والمليونان، وبعضها عشرات ومئات الألوف. لو جمعت المظاهرات والاعتصامات في كل المناطق والمدن في البلد الواحد لدخل العدد دائما في مئات الألوف أو المليون، ومن هنا يمكن القطع أيضا أن العدوان عانى، ويعاني من عزلة عالمية وقادته تتهددهم المحاكمات لارتكابهم جرائم حرب، فيما الدعم لقطاع غزة والتعاطف مع الضحايا والإعجاب بالصمود الشعبي والمقاومة فاق كل حدود وعبر كل الحدود وكان من اللافت تخلي اليسار الغربي عن تحفظاته إزاء حماس.

وبكلمة كانت هذه المحصلة كفيلة في عشرة الأيام الأولى بهزيمة العدوان وفرض التراجع عليه، بلا قيد أو شرط لولا الخلل الذي تمثل في السياسات المصرية والسعودية وبذيلها سياسات محمود عباس وسلام فياض.

فهذا الخلل هو الذي عطل انعقاد قمة عربية طارئة. أو اتخاذ مواقف ملموسة ضد العدوان أو في الأقل التلويح باتخاذها إذا لم يتوقف فوراً وينسحب فوراً، وقد تجلى هذا الخلل أيضا في القمع الذي تعرضت له مظاهرات الضفة الغربية من قبل شرطة سلام فياض وحكومته غير الشرعية، والتي استبقت في سجونها أكثر من 650 مناضلا اتهموا بتشكيلهم خلايا مقاومة خصوصاً من حماس والجهاد وحتى من كتائب الأقصى.

الأمر الذي حول ما كان يجب أن يكون انتفاضة ثالثة ضد الاحتلال إلى أنشطة شكلية وسطحية ومتفرقة لدعم قطاع غزة، فلو اندلعت الانتفاضة الثالثة لحطمت الحواجز في الأقل إلى جانب التسريع بهزيمة العدوان.

وثانيا، تجلى بإرسال القضية إلى مجلس الأمن. أي تسليمها لأميركا وهذا يفسر القرار السيئ الذي لم يتضمن إدانة للعدوان بل رمى له طوق النجاة حين وضع المعتدي والمعتدى عليه في مستوى واحد، وقد حيل دون أية مبادرة عربية أو تركية تحت دعوى وجود مبادرة مصرية تحملت مسؤولية وقف العدوان الذي امتد إلى اثنين وعشرين يوما ولم يتوقف إلا بعد الفشل عسكريا والاختناق دوليا.

وهكذا عطل انعقاد مؤتمر قمة عربي إلى أن فاض الكيل بعد عشرين يوما من العدوان الذي وصل إلى الفوسفوري و"الدائم" فدعت قطر إلى قمة في الدوحة أملا في أن تكون طارئة بعد ما أيدت من أغلبية الثلثين، ولكن مورست ضغوط هائلة لحرمانها من الثلثين.

فانعقدت بتمثيل اثنتي عشرة دولة وتحولت إلى تشاورية من وجهة نظر الجامعة العربية كما عبر عن ذلك أمينها العام عمرو موسى المرتبط بالموقف المصري والسعودي، ولكنها بالرغم من ذلك شكلت رسالة إلى العدوان بأن خطوات عملية ستتخذ ضد دولة الكيان الصهيوني (بغض النظر عن مستواها) وبأن الذين حضروا قمة الدوحة سيؤثرون في قمة الكويت الاقتصادية، الأمر الذي أسهم في وقف إطلاق النار.

علما أن الفضل الأول والأساسي يرجع إلى الصمود الشعبي والمقاومة الهائلة وشبه الإجماع الشعبي العربي والإسلامي والعالمي.

أما الوضع الآن، وبعد أن منعت قمة الكويت من التحول إلى "قمة غزة " واتخاذ خطوات ملموسة ضد مرتكب العدوان، وبعد وقف إطلاق النار من جانب العدو، وبعد أن أفسحت المقاومة له أسبوعا يتوجب عليه فيه أن يسحب دباباته من قطاع غزة، وفتح المعابر فكاً للحصار، فإن المواجهة انتقلت مع بقاء الأصابع على الزناد إلى الميدان السياسي، وهو الأقسى بسبب استمرار الخلل في الموقف العربي الرسمي، وعلى التحديد الموقف المصري والسعودي المتبوع حتى المسبوق بسياسات الرئيس محمود عباس (المنتهية ولايته) وحكومة سلام فياض غير الشرعية.

"
لعل الخطوة الأولى التي يمكن تحقيقها فلسطينيا هي أن تتداعى فصائل المقاومة وإذا أمكن مع ممثلين عن حركة فتح لتحقيق وحدة وطنية تأتي امتداداً للوحدة الميدانية, وعلى أساس المقاومة والممانعة وتحرير الضفة الغربية من الاحتلال
"
فبدلا أن يتجه الموقف العربي الرسمي إلى التحرك مجتمعا، وبدلاً أن يوحد الموقف الفلسطيني ليترجما انتصار قطاع غزة والتأييد الشعبي العربي والإسلامي والعالمي إلى معادلة سياسية جديدة فلسطينيا وعربيا وإسلاميا وعالمياً، استمرت السياسة المصرية في محاولة الانفراد بحل الانقسام الفلسطيني والمساومة مع الكيان الصهيوني عبر التفاوض ومراعاة طلباته في مسائل التهدئة وحصار المقاومة والتضييق عليها إلى جانب الانحياز إلى محمود عباس وسياساته، الأمر الذي يهدد بنقل الصراع مجدداً إلى الداخل الفلسطيني والعربي، بدلاً من إنزال الهزيمة السياسية بالعدوان ومن ثم الانتقال إلى مرحلة أعلى في المقاومة والصمود الشعبي الفلسطيني والنهوض العربي.

ولعل الخطوة الأولى التي يمكن تحقيقها فلسطينيا هي أن تتداعى فصائل المقاومة: حماس والجهاد والشعبية والديمقراطية والصاعقة والقيادة العامة والفصائل الأخرى وإذا أمكن مع ممثلين عن حركة فتح لتحقيق وحدة وطنية تأتي امتداداً للوحدة الميدانية التي تجلت في مواجهة العدوان في قطاع غزة بعيداً عن الخط السياسي لمحمود عباس، وحدة وطنية على أساس المقاومة والممانعة وتحرير الضفة الغربية من الاحتلال والمستوطنات والجدار والحواجز وحكومة سلام فياض.

ومن ثم كما كان يستطيع هذا الخلل الخطير في الموقف السياسي المصري السعودي -فضلا عن سياسات محمود عباس وسلام فياض- أن يحول دون هزيمة العدوان عسكرياً وإعلاميا فإن استمراره لن يحول دون هزيمته سياسياً، فدوره في الحالتين كان التعقيد والإطالة.

فما حدث من تغير في ميزان القوى، وفي حركة الشارع وتوجهات الرأي العام، مع توفر الحكمة والصلابة في إدارة الصراع الداخلي من شأنه أن يسرع في تحقيق نصر سياسي.
ـــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك