إبراهيم نصر الله

قلتُ لهم إن الشمس قد أصبحتْ في وسط السماء، قلتُ لهم هذا الكلام مائة مرة، لكن أحدًا منهم لم يتحرَّك، قلتُ لهم، ما هذا الكسل الذي نـزلَ فجأة عليكم، لم تكونوا هكذا من قبل، لا الزّوجُ ولا الابنُ ولا الأخ، لقد نمتم كثيرًا، أكثر مما يجب، وعليكم أن تصحوا الآن، أن تروا الشمس، على الأقل، وأن تتحدّثوا معي قليلًا قبل أن أذهب.

قلتُ لهم إن الشّاي جاهز، والفطور جاهز، والمواضيع التي سنتحدثُ فيها جاهزة، لأنني أفكِّر فيها منذ زمن طويل، لكنَّهم ظلّوا نائمين.

من أين نزلَ هذا الكسل يا ربي عليهم فجأة، لو كان قلبي أقسى مما هو عليه قليلا، قليلا فقط، لانتزعتُ هذه الأغطية عنكم ونثرتها في الجوّ، وحوَّلتها إلى عاصفة، لكن قلبي لا يطاوعني.

حَنون من يومه!

من كان يقول هذا الكلام غيركَ يا مصطفى، يا أخي الأحنّ مني، يا أخي الذي لم يُفارقْني، حين فارقني الآخرون، حين ذهبوا، بعضهم للأردن وبعضهم لسوريا، وبعضهم وصل السّويد.

هل تذكُر، حين راحوا يتطلّعون للجهات، ويتسمَّعون صوتَها، قلتَ لهم: أعرفُ أن كلَّ جهة تنادي واحدًا منكم، وسيسمعُ صوتَها وحده، من دون بقية أصواتِ الجهات الأخرى، ويتبع الصوتَ حتى يختفي فيه. هكذا قلتَ لهم، كأنك فيلسوف والله، وحين قالوا لك ساخرين، وأنت يا أستاذ مصطفى: ما هي الجهة التي تناديك ولا تسمع سوى صوتها؟ أشرتَ للأرض.

قالوا لك: الأرض ليست جهة، الأرض مكان، أما الجهات ففوقها.

قلتَ لهم: كلُّ الجهات تلتقي هنا، فيها، ومن يملكها يملك الجهات جميعها.

الله، لقد أطربني كلامك يومها؛ لا، ليس لأنك ستبقى عندي هنا، في غزّة، بعد زواجي، في حين أرادوا لي أن أبقى شجرةً وحيدة، بلا سند، في وقت لم يكن جاءني فيه الولد؛ لا، أطربني لأنه أطربني؛ وقد أطربها، رندة، حين أعدتُهُ على مسامعها، فقالت لي: مسموح لي أكتب هذا الكلام؟

فقلت لها مسموح. وكتَبتْهُ في دفترها!

كم مصطفى لي؟ آه؟ قل لي كم مصطفى لي؟ مصطفى الذي أصرَّ على أن أتعلَّم، وأتخرَّج من الجامعة، ألا يستحقّ أن أفهم كلامَه إلى هذا الحدّ وأن يُطربني؟

سامحني، يا مصطفى، ولكنني سأقول لك، إن الذي لم يجرّه خوفه على أولاده، جرّه حلُمُهُ في أن يكون له حلم خارج شقائنا هذا على شطِّ غزَّة. لا، لا تفهمني غلط، فحتى لو كنتَ متزوجًا، ولكَ أولاد، لبقيتَ هنا، معي، حتى لو كان لك عشرون ولدًا تخاف عليهم لبقيتَ معي، وقد قلتَها بنفسك، رغم أنكَ لم تقلها: وآمنة، نتركها لمنْ هنا؟!

أعرف أنني لم أسمعْها، لكنكَ بالتأكيد قلتَها لهم، وكان يسرُّهم أن تبحثَ عن سببٍ آخر للبقاء معي، وأن تشير إلى جهتكَ الوحيدة، جهتك التي تتجمّع فيها الجهات كلّها، كي يُبرِّئوا ضمائرهم، وهم يتهامسون في آذان بعضهم البعض: على الأقل هناك من سيبقى ويرعى أختَنا.

وقد بقيتَ، بقيتَ تمامًا، قلتَ لهم: هناك أسطورةٌ فلسطينية تقول إن الله يخلق الإنسان من ترابين، تراب المكان الذي وُلِدَ فيه وتراب المكان الذي سيموت فيه. لقد عرفتَ من زمان، أننا خُلِقْنا من هذا التراب وحده، لأننا عليه وُلِدنا وعليه نموت، وقد يكون ترابُ أخوتي هو الذي يناديهم، ترابُ موتِهم، أما نحن، فالذي ينادينا ترابُ حياتنا، هكذا، من الأوّل، ومَنْ منا لا يستطيع أن يسمع نداءً بهذا الوضوح؟

أنتَ تذكر حكايةَ الشهيد محمد موسى أبو جزر، تذكُرها طبعًا، إنها تصديق لكلامك الذي قُلتَه، كيف يمكن أن تُفَسِّرها؟: رجل يغيبُ أربعين عامًا عن وطنه، ويشارك في معارك لا حصرَ لها خارجَ فلسطين، وبعد أن يعود يستشهد وهو يدافع عن (رَفَح).

الله، الله يا مصطفى،

لقد فهمتُ الآن، فهمتُ الآن كلامك الذي قلتَه لهم، فهمته يا مصطفى، الله كيف أشرق فيَّ، فجأة، كالنّور، فهمتُ لماذا أشرتَ إلى التراب. كنتَ تسمعه، ولم تكن تخبرني، فهمتُ يا مصطفى، ليس هناك مبرر أن أكون قد سمعتُ هذه الأسطورة أو لا، المهم أننا نحسُّها، لأنها فينا، فيك، في دمك أسمعها تجري.

كيف لم يفهموا؟

أتذكَّرُكَ، دائما كنتَ تسبقهم عشر خطوات، على الأقل. لا أريدُ أن أبالغ، لم أعد أحبّ المبالغة، فالزمان بالغَ معي بما يكفي ويزيد. دائمًا كنتَ تسبقهم عشر خطوات على الأقل. أتذكُرُ، حين جاء جمال لخطبتي، حين حدَّثَ أبي، وحين ارتبكَ أمام سؤاله الذي لم يكن مفاجئًا، السؤال المتوقَّع الذي يسأله أهل أيِّ عروس: من وين بتعرف البنت؟!

ارتبك الحزين!! قال لي إن السماء سقطتْ على رأسه؛ وبعد قليل عرف أنها كانت ممتلئة بالغيوم. هكذا كان يستعيد الحكاية ويضحك: غرقتُ في ماء لم أر مثله يا آمنة، لا، ليس عَرَقًا، لو كان عرَقا لأحسسته يتسلل من تحت ثيابي، لكنه كان يأتي من تحتها ومن فوقها..

قالَ له: وتحبها أيضًا!

وتجرأَ الحزين وقال له: وهل على الرجل أن يتزوّج المرأة التي يكرهها؟!

- بتتمسخر عليّ؟!

هكذا صرخ أبي في وجهه. بتتمسخر عليّ؟ ما في عندي بنات للزّواج.

وحدكَ الذي وقفتَ معي، وحدك الذي قلتَ لي تلك الكلمات البسيطة: ولا يهمّك!

- ولا يهمني، كيف ولا يهمني؟ إن لم يخطبني اليوم فمتى سيكون ذلك، بعد أن يعودَ من مصر؟! لم تزل أمامه أربع سنوات حتى يتخرّج، والله يعلم ما الذي يمكن أن يحدث في أربع سنوات.

وأعدتَها: ولا يهمِّك!

فقلتُ: ما دمتَ أعدتَها، فإنك تعرف ما الذي تقوله، ما الذي تعنيه، فلم أفتح الموضوع ثانية.

وقلتَ لي: لا تقطعي أهله، زوريهم، إنهم يحبونك، عيشي معهم كما لو أنك واحدة منهم، خطيبة ابنهم، وزوجة المستقبل.

- فِكْرَكْ؟!!!

- طبعًا.

- ولكن أبي سيُجَنُّ.

- سيُجنُّ؟ لا، لا أظن ذلك، سيُجنُّ لو أن جمال هنا في غزّة، وليس في مصر، سيُجن، ربما، في البداية فقط.

كل ما قلتَه حدثَ. نعم، كلّ ما قلتَه. أرغى وأزبد، وشتَم، وحين قلتَ له: إنها تزور صاحباتها، أخواته، فجمال في مصر، وليس هناك سوى الختيار والختيارة والبنات. قال: وليكن! لا تزرهم، يعني لا تزرهم!

لكنني عشتُ معهم في بيتهم طَوال تلك السنوات أكثر مما عشتُ في بيتنا؛ ويوما بعد يوم، لم يعد يسألني أين كنتِ؟ كان يراني سعيدة بوجودي معهم، الله يرحمه، لستُ أدري لماذا كان عليه أن يبدو قاسيًا. هل هنالك سببٌ سوى أنه أب، وأن همومنا أكبر من جبل؟!

ناداني، وقال لي: تزوجيه يابا. أفضلُ بيتٍ للبنتِ هو البيت الذي يحبها فيه أهلُ زوجها أكثر منه. الآن أعرفُ أنهم يحبونك!

وصمت طويلًا. ثم قال لي: أما أن يأتي هو ويقول لي بأنه يحبـ.. هكذا من الباب للطاقة، فهذا لا يجوز. فهمتِ.

قلتُ له: حاضر.

وعندها راح يضحك ويضحك: هل اعتقدتِ أنني أقول هذا الكلام عن جدّ؟!!

وراح يضحك ويضحك حتى مات.

الله يرحمه.

***

وها أنا أضحك وأضحك، وأحسُّ بأن ضحكي فاق كلّ الحدود.

لا بد لي من أن أبكي قليلا إذن.

ها قد بكيتُ!! ولكنني لا أعرف الآن إن كنتُ أمسح دموعَ الفرح أم دموع الحزن، والله إنكم حيرتوني!!

وبعدين يا ولاد.

الشمس أصبحتْ في وسط السماء، ما هذا الكسل الذي نزل فجأة عليكم؟! لم تكونوا هكذا من قبل، لا الزّوج ولا الابن ولا الأخ، لقد نمتم كثيرًا، أكثر مما يجب، وعليكم أن تصحوا الآن، أن تروا الشمس، على الأقل، وأن تتحدّثوا معي قليلا, قبل أن أذهب.

مصطفى، مصطفى، لا تنس أن عليك الكثير فأنتَ خال الولد. وأنت يا صالح، قوم، قوم شوف الشمس، شمس عيد ميلادك، لا تفوِّتها، شوفها، هذه شمسُ عامكَ الجديد، شمس سعدكَ. يا كسول، يا أهبل! هل يُفوِّتُ أحدٌ شمسَه، شمسه التي تشرق له وحده، أنظر، حتى الغباش لا وجودَ له اليوم، حتى الدّخان غير موجود. هل تعرف منذ متى أنتظر هذا اليوم؟!!

منذ، لا أدري، وأنا أعدُّ على أصابعي، لكن ما يدهشني أن أصابعي لم تعد تنتهي، ولذلك بقيتُ أعدّ وأعدّ، ليلا ونهارًا، حتى توقَّفتُ فجأة، وعندها انتبهتُ، وعرفتُ أنكَ قد كبُرت.

الآن، سأقولُ لك سرًّا، ولكن لا تبُحْ به لأحد، لا تبح به حتى للتراب، لأن الريح ستعرفه! لقد فكَّرتُ طويلًا، طويلًا جدًا، ولم أجد أفضلَ من هذا. سأزوجكما.

لا تريد أن تنهض، بلاش!

ها هو الشّاي يبرد قبل أن تشربوه. والله لستُ أدري لماذا أُتعِبُ نفسي بهذا كلَّ يوم.

أما أنت يا مصطفى فها أنا أقولها لك سأذهب وأخطبها وحدي إن لم تنهض.

لن تنهض!!

طيبْ!!

إذا أفاقَ قبل عودتي لا تقل له أي شيء. إياكَ!! لأنني سأجعلها مفاجأة. (فصل من رواية)
ـــــــــــــ
شاعر وروائي فلسطيني

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك