وائل مصطفى

وائل مصطفى

من مواليد كفردان بجنين في الضفة الغربية بتاريخ 30/8/1971م يعمل بقسم العلوم الصحية في كلية العلوم الطبية المساندة بالجامعة العربية الأميركية بفلسطين المحتلة.


طغيان الشركات الاحتكارية الكبرى؛ خاصة العابرة منها للقارات. وسلبية أكثر شعوب الأرض وتهافتها على المنتجات المهددة للمناخ والبيئة والإنسان والحياة. وتراجع دافعية النخب والقيادات الفكرية والسياسية عن لعب دورها الحقيقي الذي يلهم الشعوب ويحيي الأمم، هذا إن لم يكن غيابها المطبق عن الحدث. إضافة إلى تصاعد وتيرة النزاعات والصراعات عالميا وتفاقمها وتفجرها إلى أزمات حادة ومزمنة. والتهديد والوعيد المستمر المعلن منه والمبطن بشن المزيد من الحروب التقليدية (وغير التقليدية). واستمرار هاجس الخوف من تفاقم آفة الفقر وتفشي المجاعات. واستفحال انتشار الأوبئة والأمراض الروحية والنفسية والعقلية والاجتماعية والمعيشية والجسدية، المُعدية وغير المعدية.. كلها أضحت بمثابة عوامل كونية كبرى مسلطة على الرقاب، وكأنها قدر مقدور يهدد الإنسان والوجود والحياة!

"
التكالب على الإنتاج غير المنظم كما يجسده سلوك الدول الصناعية الكبرى، والتبذير والإسراف في الاستهلاك دون مراعاة لما يحفظ لنا نقاء ولا بقاء، هو مؤشر خطير على أننا نسير نحو خيارات الموت والدمار لا الحياة والازدهار
"
التكالب على الإنتاج غير المنظم كما يجسده سلوك الدول الصناعية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية وكل من اليابان وروسيا وبعض الدول الأوروبية وكندا والصين والهند، وشركاتها الضخمة العملاقة، والتبذير والإسراف في الاستهلاك؛ إفراطا وتفريطا، دون مراعاة لما يحفظ لنا نقاء ولا بقاء، هو مؤشر خطير على أننا نسير نحو خيارات الموت والدمار لا الحياة والازدهار.

وهذا ما يجسده سلوك الإنسان المعاصر في معظم دول العالم، المتقدمة منها والنامية على حد سواء.

فها هي الانبعاثات الغازية والانحباسات الحرارية وما هو مرتبط بها من تغيرات جوية وجغرافية وجيولوجية وإيكولوجية، ما برحت تهدد بذوبان المزيد من مساحات قطبي الكرة الأرضية وقمم الجبال والمرتفعات في العالم، ليرتفع منسوب المياه في الأنهار والبحار والمحيطات، وليغرق عندئذ من يغرق، أرضا وشعبا ولربما شعوبا وأمما.

الزلازل والبراكين وما تخلفه عادة من كوارث طبيعية وبيئية وخسائر بشرية ومادية هائلة ما كانت لتكون لولا عبث الإنسان المعاصر وطمعه وجشعه غير المتناهي، فهو الذي يستخرج وبوسائله المبتكرة ما هو مكنون في بواطن الأرض من بترول ومعادن وغازات لينتج ويستهلك، غير آبه ولا مكترث بما قد يترتب على فعله هذا بحق الأرض من فجوات باطنية ضخمة، لا يملؤها إلا نشاط زلزاليّ وما يتمخّض عنه عادة من تسرب وتفجر لبعض الحمم الغازية والبركانية الملتهبة، القاهرة والصاهرة لكل ما قد يتأتى في طريقها.

حركة العولمة وشره القائمين عليها في العديد من الدول الرأسمالية، سواء في أميركا الشمالية أو أوروبا أو آسيا أو غيرها، والتي جعلت من البشر "سمكا وحيتانا" هي الأخرى حمأة عالمية لا تبشر بخير، إذ كيف يكون فيها الخير والأغنياء يوما عن يوم يزدادون غنى، والفقراء لا يزدادون إلا كدحا وفقرا؟

هذا الحال إذا ما استمر كنزعة ملحوظة في واقع الإنسان المعاصر ونشاط عولمته الاقتصادية فإنه حتما سيفضي به إلى وضع مأساوي مؤلم لا أمل فيه ولا خلاص من ترسيخ وتثبيت ثقافة عالمية مستجدة، غير تلك الثقافات المعهودة من ذي قبل؛ ثقافة طارئة قد تجعل من شعوب الأرض في المنظور القريب أسيادا وعبيدا.

الاجتياحات التكنوقراطية الربحية، والتي جعلت من إنسان العصر عبدا للتقنية والآلة لا العكس، هي الأخرى بحكم وقع سطوتها وسيطرتها من سيقتل فينا وإلى الأبد، أنماط وصور الذكاء البشريّ، سواء ما كان منه معرفيّا أو عاطفيّا أو سياسيّا أو اجتماعيّا أو معيشيّا، إلى درجة يخشى أن تنسينا حمى تلك التقنية ونظم إدارتها ذواتنا وذوات من هم حولنا وفي جوارنا من آباء وإخوة وأقرباء وأصدقاء وأزواج وأبناء.

أيضا، الاستمرار في احتكار الصناعات المتقدمة، وعلى رأسها صناعة الأدوية الحيوية وتقنيات إنتاجها، والعمل على ضمان عدم وصولها إلى من هم بأمس الحاجة إليها، من خلال انتهاج سياسات الحظر والغلاء ورفع الأجور والأسعار هو ما وأد وقتل فينا -وما زال- شرف الإنسانية والأخوة. بل سبب تراجع النخوة واضمحلالها في النفوس؛ لتموت الملايين في آسيا وأفريقيا وغيرهما، خاصة من يعانون الأمراض والأعراض الوبائية الفتاكة والقاتلة.

"
لجوء الإنسان المعاصر إلى ما سماه البعض "خيار الوقود الحيوي" كبديل عن النفط دون إشعار أو سابق إنذار، صار الشبح الذي يهدد حياة الملايين جوعا وعوزا وحرمانا, وأضحى فعلنا هذا وكأنه وحش كاسر لا يرحم طفلا صغيرا ولا شيخا كبيرا
"
لجوء الإنسان المعاصر إلى ما سماه البعض "خيار الوقود الحيوي" كبديل عن النفط دون إشعار أو سابق إنذار صار الشبح الذي يهدد حياة الملايين جوعا وعوزا وحرمانا. بل أضحى فعلنا هذا وكأنه وحش كاسر لا يرحم طفلا صغيرا ولا شيخا كبيرا.

العقائد والأيديولوجيات الوضعية الهدامة، وما تنطوي عليه من عقد ومضامين وعوامل ثقافية عبثية، أضحت هي الأخرى بالمشهد الإنساني المحتدم، والمترجم في مشارق الأرض ومغاربها إلى صراعات وصدامات وأزمات دمويّة، في معظمها ما لم تعالج قد تفجر فينا في لحظة جنون ما لا يمكن التكهن به أو التحكم فيه.

لقد صار العديد من الأحزاب والجماعات والشعوب والأمم -وبكل أسى– لا تعقد راية إلا لمن هم عصاة طغاة قساة فيها؛ لتجعل منهم قادة وروادا، في أعلى قمة الهرم!!

مع الأسف حكم المتطرفون اليوم ممن هم يمينيون ويساريون وممن هم أصوليون وتحرريون، ووصوليون وانتهازيون، ممن لا تعرف عقولهم وقلوبهم سوى عبادة الأنا والذات، آخذ في الصعود والتنامي!

وما الحروب الأهلية والإقليمية المستعرة هنا وهناك من وجهة نظر "فيمونولوجية" إلا بفعل صناعة هؤلاء ومن هم على شاكلتهم، نزعة إذا ما استمرت فينا فستكون مقدمة لحرب أممية كبرى (كالأولى والثانية)، قد يتخذ قرارها في لحظة هيجان أو انفعال مخبول أو مجنون. وعندئذ وعلى غرار الرواية التي تقول: "مكره أخاك لا بطل" لا مناص ولا مفر لأحد إلا الإذعان لخيارات الحتف والدمار!

القتال المستمر والمستعر في كل من بلاد الأفغان ودجلة والفرات، وعدم استقرار كشمير وباكستان، وفلسطين ولبنان والصومال والسودان، والتهديد والوعيد السياسي والعسكري المتواصل لإيران ومن هم أنصار وحلفاء لإيران، قد يكون مقدمة لحرب قد تجد فيها دول عديدة نفسها مضطرة للتدخل المباشر أو غير المباشر في حيثياتها ومجرياتها الزمانية والمكانية؛ لحماية أمنها الوطني والقومي، ولحماية مصالحها المرحلية والإستراتيجية، وليحدث عندئذ أيضا ما ليس بالحسبان.

الانفجار العسكري الأخير بين الروس والجورجيين في القوقاز، وعلى وجه التحديد في إقليميْ أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية وعلى الأراضي الجورجية نفسها هو الآخر -ما لم يلجم بالحكمة السياسية- قد يقود إلى حرب إقليمية ضروس، تتسع رقعتها لتهدد المنطقة برمتها، إن لم يكن العالم بأسره، خاصة أن الدول المتصارعة على النفوذ في تلك المنطقة نووية بامتياز، ومن هو غير نووي فيها يجد من يقف وراءه ممن هم حلفاء نوويون!

التجاذبات والتنافرات الكونية في واقع الإنسان المعاصر، وما يلفها من مظاهر الانقسام والتكتل والاستقطاب، وعلى مستويات مختلفة، أضحت هي الأخرى ظواهر مقلقة!! كيف لا وقد أفضت بنا إلى القطيعة والاحتراب ولو لمجرد أتفه المسوغات والأسباب!!

التمييز العنصري والاثنيّ والديني والطبقي والطائفي الصارخ –Extreme Discrimination كما هو مجسد في واقع العديد من الدول وحراك شعوبها، وانتشار مظاهر التعصب والتنميط والتوصيم فيها – Prejudice, Stigmatization and Stereotyping وتغليب الاتجاهات السلبية – Negative Attitudes وما يلفها من بقع رماديّة وسوداء أيضا أضحت من أكثر المكامن والعقد "السيكولوجية" المهددة للإنسان والحياة.

"
التمييز العنصري والإثنيّ والديني والطبقي والطائفي الصارخ، وانتشار مظاهر التعصب والتنميط والتوصيم وتغليب الاتجاهات السلبية وما يلفها من بقع رماديّة وسوداء أضحت من أكثر المكامن والعقد السيكولوجية المهددة للإنسان والحياة
"
القتل باسم الربّ والدين تارة، والعائلة والقبيلة والطائفة والفئة والحزب والوطن وأنظمة الهمّ والوهم تارة أخرى مشهد آخر من مشاهد الموت والدمار!

أمراض واضطرابات الفصام والشك والاضطهاد (البارانويا)، والخوف والقلق والوسواس والهستيريا والهوس والاكتئاب الحاد، هي الأخرى مشاهد شاخصة في حياة الشعوب والأمم. ويكفينا أن نعلم أن بلدا كالولايات المتحدة الأميركية ينفق سنويا على تشخيص وعلاج أمراض الفصام وما يتطلبه أمر الفصام من إجراءات وبحوث ودراسات ما يقارب 150 مليار دولار!!

مظاهر تراجع الإيمان، وشيوع مظاهر الإلحاد والنفاق والكفران، والشقاق والطلاق وتعاطي الكحول وإدمان المخدرات، وتفشي البطالة والتضخم والفقر، والاتجار بالرق الأبيض والأصفر والأسود، وما تحمله تلك التجارة "المقننة" من بذور الفساد والإفساد، والانتكاس والارتكاس، لم تعد خافية على أحد. وهي سلوكيات ما بقيت فينا ستهلك الحرث والنسل والملايين عن كثب تسمع وترى!

أمراض واضطرابات تصلب الشرايين والقلب والسكر والسرطان والإيدز وغيرها من الأعراض والأمراض هي الأخرى، وكما تقول لنا آلاف الأبحاث والدراسات "الإبيديميولوجية" أضحت أوبئة قاتلة ومنتشرة في ربوع الأرض، تحصد أرواح عشرات الملايين في كل عام.

كل هذا ما كان ليكون لولا البعد عما يلائم الطبائع والفطر من نواميس وقوانين إلهية محكمة يقوم عليها نظام الكون والوجود والإنسان والحياة.. لينتهي بنا الأمر، وبما كسبت أيدينا، إلى اعتلال الفكر والتصور والمعتقد والسلوك وما هو مرتبط بها من نظم السياسة والاجتماع والاقتصاد. فالأمر كما تبشرنا به وسائل الإعلام على اختلافها جد خطير.

إنه بحق حال مأزوم لم يشهد الإنسان له مثيلا. وهو حال ما لم يعالج من جذوره ويوضع في سياقه الصحيح سيكون في مآلاته قاتلا لكل حس إنساني وشعور ووجدان وضمير.

الإنسان منذ أن تنكر لربّه الحكيم الخبير، ومنهجه الشموليّ المحكم المفصل، الذي تخضع له الحواس والمدارك والأفكار والتصورات والمشاعر والقيم والسلوكيات والنظم والعلاقات بكل مستوياتها: الفردية منها والأسرية والجماعية والجماهيرية والأممية، فقد صوابه واتزانه، وكان أن اغترب واضطرب مسيرة وصيرورة وكينونة ووجودا، إلى أن صارت شارات المرض والإعياء أمرا لا يحتمل مزيدا من المواربة أو الهروب.

ومع ذلك، وعلى الرغم من قلة الفأل والأمل، وعلى الرغم من قلة الحول وشدة الألم، يبقى هنالك حتما زمان ومكان ومجال للتحرك والعمل.

الأمل الباقي المتبقي لنا، هو أن نشرع في تغيير ما بأنفسنا أولا قبل تغيير الآخرين ممن هم في محيطنا؛ فبدون ذلك لن يتغير شيء، ولن يستطيع أحد أن يغير أحدا.

يقينا، علينا أن نعي وندرك جيدا أن الانشغال في تغيير الآخرين دون الانتباه إلى الذات لم ولا ولن يغير في واقعنا شيئا!! ما دام الجميع شغله الشاغل تغيير الآخر دون الالتفات ولو للحظة عابرة إلى النفس والذات عندئذ ستبقى محصلة التغيير صفرا بامتياز!

لو انشغل كل منا بذاته وغيّر ما بنفسه أولا ثم دعا غيره إلى التغير والتغيير بحكمة ولطف وموعظة حسنة لتغير العالم من حولنا دون جهد أو عناء يذكر. ولكن هيهات هيهات والبصر في حق الآخرين حديد، وفي حق البواطن والذوات عناد وتغاض وتعامٍ!

"
التحرر من الانتماء إلى الشعارات الزائفة التي لم ينعم أهلها بعدُ بطعم السلم والأمن وراحة البال والوجدان والضمير، والانتماء بدلا من ذلك إلى الله الخالق البارئ المصور ومنهجه دون وسيط أو شريك، هو الطريق الأمثل والأسرع والأقصر لكل من يريد التحرر والخلاص
"
نهج المراقبة الذاتية والمحاسبة والمجاهدة والتهذيب التدريجي المنتظم، الذي يمجد الصدق والفضيلة ويمقت الكذب والرذيلة، وأولا بأول، هو ما يصنع الإنسان ويصوغ له مفردات حياته العزيزة الكريمة، لا نهج الانفلات دونما رقيب أو حسيب، ودونما أدنى مجاهدة أو محاولة تهذيب.

التحرر من الانتماء إلى الشعارات الزائفة التي لم ينعم أهلها بعدُ بطعم السلم والأمن وراحة البال والوجدان والضمير، والانتماء بدلا من ذلك إلى الله الخالق البارئ المصور ومنهجه دون وسيط أو شريك، هو الطريق الأمثل والأسرع والأقصر لكل من يريد التحرر والخلاص.

نبل الرسائل، وطهر الوسائل، ووضوح الرؤى، وسلامة النوايا والتطلعات والمقاصد والأهداف والغايات المستندة إلى كل ما هو أخلاقيّ قيّم حتما هو ما سيضمن لمن أراد صناعة الحياة.

التعارف والتآلف والتعاون والانسجام القائم على البر والتقوى طريق آخر من طرق صناعة الحياة، لا سبل الغيّ والهوى والتدابر والتنافر والتناحر والفجور والفسوق والعصيان.

وبعد هذا التبيان، إما أن يعود الإنسان المعاصر إلى ما فيه حياته الطيبة العزيزة الكريمة، ويختار عن وعي وحرية وإرادة عوامل صناعة تلك الحياة، وإما أن يبقى مع سابق إصرار وترصد مصرا على نهج تلك الخيارات الموصلة إلى حافة الانتحار؛ إلى الموت والحتف والدمار؟! وفي الختام: [كل نفس بما كسبت رهينة] سورة المدثر: 38.

  

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك