صالح السنوسي

صالح السنوسي

أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بنغازي


1- العمران والتمدن
2-الكثافة السكانية
3- البيئة الاقتصادية
4- المناخ السياسي
5- العامل الخارجي

لا يمكن للفكر العلمي أن ينمو ويحقق إبداعات تتحول إلى ميزات ما لم يكن ذلك الفكر يعمل في بيئة اجتماعية تتوفر فيها الشروط اللازمة لاستمرار التطوير والإبداع والتي أهمها:

 1- العمران والتمدن
لم يستطع الفكر العلمي في أوروبا أن ينمو وتتواصل إبداعاته إلا عندما استقرت الجماعة البشرية في مدن كبيرة أصبحت مراكز للنشاط البشري المنظم، وهذا لم يكن حال معظم المدن العربية إلى وقت قريب.

فالمدينة العربية عبارة عن قرية كبيرة يأتي إليها سكان الأرياف الذين يتركون مناطقهم الريفية بحثا عن فرصة عمل في المدينة التي لم تكن مهيأة لاستقبال هذه الأعداد لأنها لا تتوفر فيها عناصر الإنتاج التي تستطيع أن توفر بدورها سوقا للعمل يستوعب هذه القوة البشرية ويوظفها في زيادة الإنتاج وتحسين شروط الحياة من تشييد البنية التحتية وتوفير الخدمات وتنظيم شؤون الحياة المدنية.

والمدينة العربية لا تخرج في أغلب الحالات عن نموذجين، النموذج الأول يمثل المدينة التي تمتلك المقومات الاقتصادية التي تجعلها مركزا للنشاط البشري ولكن قدرتها تتوقف عن استيعاب سيل الهجرة إليها فتتحول إلى مركز عمراني صغير غارق في أحزمة الفقر التي تطوقه على شكل ضواح وأحياء عشوائية لا تتوفر فيها أدنى شروط العمران والتمدن.

أما النموذج الثاني فيمثل مدينة لا تمتلك مقومات اقتصادية حقيقية ولكنها قامت لأسباب سياسية. وظهور مثل هذه المدن يعتبر ظاهرة عربية نظرا لارتباطها بطبيعة الأنظمة السياسية، فكثيرا ما تم تحويل قرية صغيرة لا تحمل مقومات المدينة إلى مدينة وعاصمة وذلك في إطار التنافس الجهوي أو العشائري بين القوى الحاكمة.

هذا النوع الأخير من المدن تكون استمراريتها مرتبطة بوجود النظام السياسي وبالتالي تصبح عالة على الدولة والمجتمع وذلك لعدم قدرتها على توفير شروط الحياة المدنية للأعداد المتزايدة من المهاجرين الذين تجذبهم مبانيها العالية وأضواؤها المبهرة.

2-الكثافة السكانية

"
الكم البشري يعتبر عنصرا هاما في البيئة الاجتماعية اللازمة لتطور العلم، فالإبداعات والمخترعات لا بد أن تتحول إلى سلع برسم الاستهلاك، وإذا كان الكم البشري للجماعة لا يسمح باستهلاك قدر من السلع المنتجة فإن الابتكار والإبداع يفقد بدوره الكثير من دوافعه ويتوقف
"
يعتبر الكم البشري عنصرا هاما في البيئة الاجتماعية اللازمة لتطور العلم. فالإبداعات والمخترعات لا بد أن تتحول إلى سلع برسم الاستهلاك، فإذا كان الكم البشري للجماعة لا يسمح باستهلاك قدر من السلع المنتجة يكفي لاستمرارية عجلة الإنتاج، فإن الابتكار والإبداع في المجال العلمي يفقد بدوره الكثير من دوافعه فيتوقف شيئا فشيئا حتى يتلاشى أو تنتقل رموزه إلى مجتمعات أخرى قادرة على توفير ذلك الشرط.

إذا تفحصنا شرط الكثافة السكانية فلا نجده ينطبق على الواقع العربي في أغلب حالاته، فالكم البشري تمت تجزئته وتقطيعه بأعداد صغيرة كل منها يمثل جماعة محجوزة جغرافيا وسياسيا وقانونيا داخل دولة قطرية ولا تمثل هذه الجماعة كما بشريا يسمح باستهلاك الكمية الكافية لاستمرار الإنتاج الوطني في حالة قيام صناعات وطنية قائمة على الإبداع والابتكار.

وباستثناء المجتمع المصري الذي يتوفر فيه نسبيا شرط الكم الديمغرافي مع غياب شروط أخرى، فإن المجتمعات العربية الأخرى هي مجرد جزر بشرية معزولة عن بعضها بعضا ينطبق عليها دائما ما توقعه "لورانس العرب" منذ عشرينيات القرن الماضي عندما تنبأ بمستقبل المنطقة العربية إذا عرف الغرب كيف يستخدمها حيث ستكون بمثابة قطع من الأحجار المتجاورة الملونة التي لا تختلط ببعضها أبدا.

3- البيئة الاقتصادية
العلم كأحد ظواهر النشاط الإنساني لا يمكن له أن ينشأ ويتطور ما لم تتوفر الشروط الاقتصادية اللازمة لذلك. فالبيئة الاقتصادية التي توفر القاعدة المادية والضرورية للإنتاج تعتبر شرطا لا غنى عنه لانطلاق عملية الابتكار والإبداع.

فحجم ثروة المجتمع وتعدد مصادرها هي التي تقرر حجم الطموحات لدى الأفراد وتشجع التطلعات إلى مستويات أرقى من العيش وإلى أنماط مختلفة من الاستهلاك، مما يدفع إلى البحث عن الكيفيات المختلفة لإشباعها عن طريق الابتكار، وبالتالي فإن العلم لا يجد نفسه معطلا في بيئة غنية ومجتمع قادر ديمغرافيا على الاستهلاك والإنتاج.

وإذا حاولنا أن نقارن ذلك بالاقتصاد العربي فلا نجد أوجها للشبه وذلك لعدة أسباب أهمها:

أولا: أنه اقتصاد مجزأ ومفتت كنتيجة منطقية للتفتيت الديمغرافي والجغرافي مما أدى إلى انعدام التوزيع العادل لعناصر الإنتاج.

ثانيا: تعتمد الاقتصادات العربية التي تعتبر غنية على مصدر واحد للثروة كالنفط الذي يصعب التحكم في أسعاره وكمياته، إلى جانب سوء توظيفه لأسباب سياسية سنتعرض إليها لاحقا.

ثالثا: الاقتصادات العربية متنافسة وليست متكاملة بسبب اختلاف السياسات الاقتصادية، وبالتالي فإن هذا الاقتصاد لا يوفر القاعدة المادية اللازمة لتطور علمي حقيقي يعتمد على الاستقرار والابتكار المتواصل لإشباع حاجات مجتمع غني قادر على الإنتاج والاستهلاك.

فمعظم المحاولات التصنيعية العربية وجدت نفسها تدور في هذه الحلقة المفرغة المتمثلة في عدم التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، كذلك فإن معظم السلع المنتجة محليا إن لم تحصل على شروط تفضيلية لا تستطيع المنافسة مع شبيهتها في السوق الدولية نظرا لارتفاع تكلفتها وتواضع جودتها.

4- المناخ السياسي
المناخ السياسي العربي بوجه عام ليس في مصلحة الإبداع والعلم، فتفاعلات البيئتين الاجتماعية والسياسية تتأثر وتتكيف بواسطة المناخ السياسي الذي ينتج عن النظام السياسي وعقيدته وخياراته. ولا شك أن حرية التفكير شرط مبدئي للإبداع والتجديد.

ورغم غياب هذا الشرط في المناخ السياسي العربي فإنه ينبغي القول إن النظام الدكتاتوري ليس بالضرورة معاديا للعلم، بل هو في حاجة إليه لتعظيم قوته وإحكام سيطرته وتأمين استمراريته، وبالتالي فإن تشجيع العلم يكون على الأغلب من أجل توظيفه في خدمة الحاكم ونظامه السياسي الذي يحتكر وحده تحديد معنى المصلحة العامة والضرر العام والخير والشر والصديق والعدو.

ومن هنا فإن القرارات المتعلقة بالخيارات التي ينبغي توجيه المجهود العلمي لتحقيقها تكون محتكرة من قبل الحاكم الذي يتم بناء على إدراكاته الشخصية تحديد مصلحة الوطن والنفع العام اللذين لا ينبغي لهما أن يتعارضا مع مصلحة الحاكم في القبض على السلطة واستمرارية الاستحواذ عليها.

"
توجيه العلم لا يتم احتكاره من قبل الدولة باعتبارها خادمة المجتمع بل باعتبارها أيضا خادمة الحاكم، وليس أدل على ذلك من أن الأولوية في عمليات التحديث للمؤسسات العربية تعطى لأجهزة الضبط والمراقبة الأمنية
"
لهذا فإن توجيه العلم لا يتم احتكاره من قبل الدولة باعتبارها خادمة المجتمع، ولكن بل باعتبارها أيضا خادمة الحاكم، وليس أدل على ذلك من الأولوية في عمليات التحديث للمؤسسات العربية تعطى لأجهزة الضبط والمراقبة الأمنية المتعلقة بالنظام ولتطوير أدوات العنف، وليس من النادر أن تجد مطارات ومنافذ عربية محرومة من أبسط الخدمات ووسائل الراحة بما في ذلك المياه الصالحة للشرب، بينما نجد الأجهزة الأمنية المتعلقة بالضبط والمراقبة تستخدم أرقى ما وصلت إليه التكنولوجيا من وسائل في هذا المجال.

لكن الإشكالية التي يواجهها الفكر العلمي في المناخ السياسي العربي لا تتمثل في أحادية القرارات السياسية، بل تتعقد المشكلة أكثر حينما تكون هذه القرارات صدى لمشيئة قوى خارجية لا يقوى الصانع العربي على مخالفتها وبالتالي يأتي الكثير من الخيارات كاستجابة لمصالح قوى خارجية، فتوطين أنواع معينة من الصناعات كذلك البعثات والتدريب كل ذلك يصبح موضوعا لصفقات سياسية يؤخذ فيها بعين الاعتبار في أغلب الأحوال مصلحة الحاكم قبل مصلحة الوطن.

رغم أن توطين العلم وتطوره يعاني من أزمة اجتماعية واقتصادية إلى جانب المناخ السياسي، فإن ذلك لم يمنع قيام محاولات لتبني العلم في حدود معينة ولامتلاك التكنولوجيا في ظل معطيات داخلية وظروف خارجية بالغة التعقيد.

وقد جرت تلك المحاولات في إطار أطروحات الخطاب الانبعاثي العربي لإعادة القوة والهيبة إلى أمة مهزومة غير أن هذه المحاولات حققت قدرا قليلا من النجاح وجرت كثيرا من الكوارث.

5- العامل الخارجي
لقد أدت الطبيعة التصارعية للعلاقة التاريخية بين العرب والغرب والتي زاد من حدتها تفوق الغرب وانتصاراته، إلى جعل مفهوم هذه العلاقة بالنسبة للعرب يرتبط دائما بمفهوم القوة العسكرية, ولذا فإن محاولاتهم لتوطين العلم في معظم تجاربهم التحديثية انصبت أكثر على نقل تكنولوجيا الصنائع ذات العلاقة بالقوة العسكرية.

ولم يكن الغرب غافلا عن ذلك فكلما ظهرت بعض النتائج لهذه المحاولات يتدخل بشكل مباشر وغير مباشر لإجهاضها قبل أن تبلغ سن النضج، لأن الغرب يدرك أن ظهور قوة ولو في حدود هذا المفهوم فقط يصنع مركز استقطاب لما حولها يطال الحدود وينتهك المحرمات التي رسمتها مصالحه وإستراتيجياته منذ القرن التاسع عشر في المنطقة العربية.

"
الغرب أدرك حالة العرب النفسية الموروثة منذ أول صدمة مع الحداثة والتي جعلت معنى القوة لديهم يتمحور أساسا على مفهوم القوة العسكرية، فركز باستمرار على تحطيم ما يرمز إليه هذا المفهوم لديهم
"
لقد أدرك الغرب حالة العرب النفسية الموروثة منذ أول صدمة مع الحداثة والتي جعلت معنى القوة لديهم يتمحور أساسا حول مفهوم القوة العسكرية، فركز باستمرار على تحطيم ما يرمز إليه هذا المفهوم لديهم.

فيكفي أن يهيئ الظروف التي تتيح له فرصة تدمير الآلة العسكرية لأية قوة عربية صاعدة لكي يدخل العرب في دوامة اليأس التي تحجب عنهم ما قد يكون لديهم من عوامل القوة الأخرى، فينتهون بالاستسلام وقبول ما يملى عليهم.

فقد أدى تحطيم الآلة العسكرية لمحمد علي إلى انهيار تجربته والتخلي عن ما واكبها من طموحات والاكتفاء بحق سلالته في توارث عرش مصر، كذلك هزيمة الخامس من يونيو/ حزيران أدت في نهاية المطاف إلى معاهدة كامب دفيد والتخلي عن الأحلام والالتزامات العربية.

كما أدى تدمير القوة العسكرية العراقية في حرب الخليج الثانية إلى قلب المفاهيم وتحليل ما كان محرمات سياسيا وسقوط الثوابت والتخلي عن الأطروحات القومية.

إن هذا الانبهار العربي بالصنائع في عصر الإصلاحيين وبالتكنولوجيا في عصر من أتوا بعدهم، ليس إلا رد فعل على الصدمة الأولى التي تلقاها الشعور القومي والديني وعلى الاحتلال والإذلال الذي تعرضوا له من قبل الخصم القوي.

فتحت سيطرة هذا العامل النفسي ساد الاعتقاد بأن تفوق الغرب يمكن اختزاله في مفهوم تكنولوجيا صناعة وامتلاك السلاح، ونظرا لأن تكنولوجيا السلاح هي ثمرة من ثمرات العلم الذي لم تتوفر للعرب الشروط لتوطينه وتطويره، فكان الحل هو استيراد السلاح الذي أصبح بندا لتبذير الثروة ولإثراء الدول وتجار السلاح.

كما أصبح التسلح في خدمة التفاخر والاستعراض، وتحول السلاح إلى مجرد كميات كبيرة من أدوات العنف لا يسيطر عليها المجتمع ولا يحدد أغراض استخدامها بل يسيطر عليها فرد واحد وهو الحاكم يفعل بها ما يشاء وفى حالات كثيرة لم يؤد امتلاك كميات كبيرة من السلاح إلى زوال حاجة الحكام للحماية الأجنبية.

"
وضع اليد على ثمار التكنولوجيا الغربية في مضمار وسائل العنف أعطى الفرصة في المجتمع العربي لجماعات ضئيلة العدد أن تفرض سيادتها على المجتمع ومن ثم تهمشه وتضبطه وتسيطر على مصادر قوته
"
كان للأخذ بمفهوم العلم مختزلا في ثمار التكنولوجيا الغربية أثر بالغ السوء على العلاقة بين السلطة والمجتمع، فالتكنولوجيا لم تكن في مصلحة المجتمع بقدر ما كانت في مصلحة السلطة التي امتلكت أرقى وسائل العنف والسيطرة والرقابة والتحكم.

فلو نظرنا إلى خارطة الأنظمة العربية لوجدناها في معظمها تمثل حكم طائفة ليست هي الأكثرية بين الطوائف في هذا القطر أو تمثل حكم عشيرة وقبيلة ليست هي أكبر القبائل في ذلك القطر أو تمثل تسلط جهة على بقية جهات الوطن رغم أنها أقلها جميعا أهمية من حيث القوة الاقتصادية والبشرية وقد تمثل حكم نخبة هي ليست أفضل النخب كالنخبة العسكرية.

وهكذا فإن وضع اليد على ثمار التكنولوجيا الغربية في مضمار وسائل العنف أعطى الفرصة في المجتمع العربي لجماعات ضئيلة العدد، حتى حسب المنطق المعوج الطائفي أو العشائري أو الجهوي، أن تفرض سيادتها على المجتمع ومن ثم تهمشه وتضبطه وتسيطر على مصادر قوته.

لقد ازدهر العلم وتواصلت إبداعاته في المجتمع الغربي لأنه كان ولا يزال جزءا من فضاءات المجتمع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بينما فشلت محاولات توطينه في الواقع العربي، لأن تلك المحاولات لم تكن ضمن مشروع اجتماعي واقتصادي وسياسي متكامل على اتساع الفضاء العربي وفي ظل مناخ سياسي خال من الاستبداد والعسف في الداخل ومتحرر من الضغوطات والتدخلات الأجنبية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك