الخليل النحوي

عرفت موريتانيا في تاريخها المعاصر ستة انقلابات ناجحة أحدثت كلها تغييرا في قمة هرم السلطة، وقد دأبت هذه الانقلابات على الإفصاح في بيانها الأول عن مسوغات الانقلاب، وعن مشروع سياسي ما يفهم من تسميتها كالإنقاذ أو الخلاص الوطني.. وكلها تصرح بصفتها العسكرية إلا الانقلاب السادس، فإنه خرج على المألوف، فلم يفصح عن هويته العسكرية ولم يعلن عن مشروع سياسي ما في تسميته، ولم يقدم أي مبرر للانقلاب، وإنما اكتفى بإلغاء إجراءات كان قد أصدرها رئيس البلد المدني في بيانه الأول.

يناقش المقال التالي أسباب هذا الانقلاب ويطرح أسئلة كثيرة حوله يمكن الاطلاع عليها من الروابط التالية:

- انقلاب ليس كغيره
- حلم لا يخلو من كوابيس
تهم بلا بينات

عرفت موريتانيا في تاريخها المعاصر ستة انقلابات ناجحة أحدثت كلها تغييرا في قمة هرم السلطة. وقد انفرد انقلاب سابع قصير الأمد قاده المرحوم العقيد أحمد بن بوسيف باستبقاء رئيس الدولة في منصبه وإجراء تغيير في هيكلة الحكومة والمجلس العسكري الحاكم.

كان انقلاب العاشر يوليو/تموز 1978 فاتحة الانقلابات، وقد أنهى فترة 18 سنة تقريبا من حكم الرئيس المؤسس المختار بن داداه، وجاء في أعقاب ثلاث سنوات من حرب الصحراء التي هوجمت فيها العاصمة نواكشوط مرتين.

أما الانقلابان المواليان فقد كانا بمثابة تغيير عاجل من الداخل أحلت به اللجنة العسكرية عن طريق التصويت رئيسا عسكريا محل رئيس عسكري، فيما بدا وكأنه بحث عن صيغ أفضل تضمن استتباب الحكم.

وكان الانقلاب الأبرز انقلاب 12 ديسمبر/كانون الأول 1984 الذي قاده العقيد معاوية بن سيدي أحمد الطايع في وقت كانت فيه المحاكم العسكرية نشطة والسجون عامرة بمعتقلي الرأي.

واستتب الأمر للرئيس معاوية أكثر من عشرين سنة، شهدت محاولات انقلاب عديدة وانتهت بانقلاب الثالث من أغسطس 2005 الذي جوبه بدءا ببعض التحفظ الدولي، لكن قادته لم يلبثوا أن نجحوا في تحقيق إجماع وطني ودولي حول برنامجهم، حين التزموا بتنظيم انتخابات شفافة وبعدم الترشح لأي من الاستحقاقات الانتخابية الموعودة.

"
ما وقع في السادس من أغسطس/آب حتى ولو سميناه "تصحيحا"، يتفق مع سائر الانقلابات في كونه استيلاء على السلطة بقوة السلاح، وإن اختلف عنها فيما عدا ذلك
"
انقلاب ليس كغيره
ويمتاز الانقلاب السادس الذي وقع في السادس من أغسطس/آب 2008 عن الانقلابات السالفة بسمات من أبرزها أنه:
- وقع ضد رئيس نصب في أعقاب انتخابات تعددية شارك فيها 19 مرشحا وتوجه فيها الناخبون لأول مرة إلى صناديق الاقتراع مرتين لحسم اختيارهم في جولة ثانية من التنافس بين مرشحين.

- لم تتسع تشكيلة هيئته القيادية لجميع قادة المناطق العسكرية.
- أول انقلاب يواجه ممانعة داخلية منظمة وعلنية وممانعة خارجية واضحة.
- أول انقلاب يتوكأ على برلمانيين منتخبين في دعم عملية تغيير للسلطة بالقوة.

وبينما دأبت الانقلابات السابقة على الإفصاح في بيانها الأول عن مسوغات، وفي تسمية الهيئات الحاكمة عن مشروع سياسي ما (الإنقاذ الوطني، الخلاص الوطني، العدالة والديمقراطية) ولم تجد غضاضة في التصريح بصفتها العسكرية (اللجنة العسكرية، المجلس العسكري..)، خرج انقلاب السادس من أغسطس على المألوف، فاقتصر في بيانه الأول على الإعلان عن إلغاء الإجراءات التي اتخذها رئيس الجمهورية بشأن إقالة بعض كبار الضباط.

ولم يفصح عن هويته العسكرية ولم يعلن من خلال تسمية هيئته الحاكمة عن مشروع سياسي، بل ترك "مجلس الدولة" أو "المجلس الأعلى للدولة" التبريرات لبيانات وتصريحات لاحقة، أضفت على ما وقع صفة "التصحيح" ورفضت نعته بالانقلاب.

ولا شك أن ما وقع في السادس من أغسطس/آب، حتى ولو سميناه "تصحيحا"، يتفق مع سائر الانقلابات في كونه استيلاء على السلطة بقوة السلاح، وإن اختلف عنها فيما تقدم، وفي جرأة الحركة وسرعتها، إذ لم يسبق أن أطيح برئيس موريتاني، مدني أو عسكري، في مدة لا تتجاوز 15 شهرا من بداية حكمه، هذا إذا استثنينا الخروج الهادئ للعقيد محمد محمود بن أحمد لولي ومجموعة من زملائه من دائرة الحكم في مطلع الثمانينيات.

فما الذي فعل الرئيس سيدي محمد بن الشيخ عبد الله حتى يرحل بمثل هذا الانقلاب، وبتلك السرعة، ويرحل معه إلى حين، حلم موريتانيا بأن تكون قاعدة متقدمة للديمقراطية في محيط لم تهب عليه رياحها إلا قليلا؟

لم يكن الأمر خارج دائرة التوقع، وإن كان الحلم قد بدا أكبر.. ففي أواخر أيام الفترة الانتقالية الأولى (مارس/آذار 2007)، كتبت على صفحات الشعب الحكومية، وفي صدرها سعة يومذاك، أحلم أن ننجح هذه المرة في تسجيل هدف ثالث في ملعب التاريخ.

وقلت إن القادة العسكريين قد أثبتوا "نسبة من المناعة تجاه إغراءات الكرسي وأكدوا لحد الآن أنهم مستعدون على الأقل لإخلاء القصر الرمادي".

وفعلا، كان بعض ذلك ولبعض الوقت، فقد نُظّمت الانتخابات تحت سمع العالم وبصره، وارتفعت أسهم موريتانيا السياسية، فاكتسبت سمعة دولية نقلتها من هامش الجغرافيا إلى متن التاريخ.

وهتف المتظاهرون باسمها في شوارع المدن العربية الكبرى، وباهى بها حملة الأقلام، وانبهر بها بعض كبار الساسة إلى حد أن زعيم دولة عربية تحدث، قبل نحو ثلاثة أشهر، بإعجاب بالغ عن التجربة الديمقراطية الموريتانية، متوقعا أن تجد موريتانيا فيها حلا لأعقد مشكلاتها.

غذت تلك الصورة الزاهية أحلامنا بأن تكون السنوات القليلة القادمة فترة انتقالية فاصلة، يعمل فيها الجميع عسكريين ومدنيين وقوى سياسية فاعلة ليدفعوا، من الوقت والصبر والإنصاف والرقابة الواعية والتعاون، ذلك الثمن الضروري لإقناع الناس بسلامة المسار الذي ضحى أولئك القادة العسكريون من أجله وبشروا به وساهموا من خلاله، مع الشعب كله، في فتح بوابة التاريخ المعاصر أمام موريتانيا، وفي كتابة اسمها على جبين الشمس، بحروف تجربة ديمقراطية غير مسبوقة، اكتسبنا بها احترام العالم وتقديره.

"
تحدث الناس عن سعي منسق لبعض القيادات العسكرية الفاعلة استطاعت به أن تستقطب بعض نواب الأغلبية وأن تستثمر رغبة المعارضة في اقتناص أول فرصة متاحة لإعادة ترتيب الوضع السياسي، وأن تضع البلد في أتون أزمة سياسية خانقة
"
لكن أحلامنا الجميلة تلك لم تكن خلوا من بعض الكوابيس التي تنغصها، ففي المقال المذكور ذاته قلت إن "البنية الاجتماعية القائمة، مضافة إلى الوضع المادي والمعرفي لسواد الناس، هي بنية عاملة ناصبة على ارتهان قرار المئات أو الآلاف بأيدي الآحاد"..

وإن "البلد لم يكتشف بعد طريق التغيير الهادية إلى تشكيل خريطة سياسية جديدة يكون الحزب فيها إطارا لمشروع مجتمعي وليس نقابة أو ودادية أو حقيبة سفر"... وإن مما يخشاه الناس "أن يسترد الجيش أعطيته، وأن يقدم له الساسة حكاما قادمين وغيرهم ذريعة لذلك، فنرجع القهقرى وتنفتح "الشهية" لإصدار البيان الأول المرة تلو المرة".

يؤسفني أن تكون هذه "الكوابيس" قد انتقلت من طور الحلم إلى طور الحقيقة، وأن تكون تلك التوقعات قد صدقت، ولم تنجح في تحقيق الحلم ولا في إطالة أمده تلك الثقة المطلقة التي وضعها الرئيس في معاونيه العسكريين، ولا استجابته لتشكيل حكومة سياسية عوضا عن حكومة التكنوقراط التي استهل بها عهده، ولا سعيه لتوسيع قاعدة حكمه باستيعاب أحزاب كانت في الخندق الآخر، ولا تسليمه رئاسة الحكومة ومواقع مهمة فيها للأغلبية السياسية التي دعمته واشتكت كثيرا من تغييبها في المرحلة الأولى من حكمه، بل ولا استجابته لمطلب إقالة الحكومة الوليدة قبل أن تقدم برنامجها السياسي.

كان ذلك أشبه شيء بلغز، لكنه لم يكن مستعصي الحل، فقد تحدث الناس عن سعي منسق لبعض القيادات العسكرية الفاعلة، استطاعت به أن تستقطب بعض نواب الأغلبية وأن تستثمر رغبة المعارضة في اقتناص أول فرصة متاحة لإعادة ترتيب الوضع السياسي، وأن تضع البلد في أتون أزمة سياسية خانقة كانت معالجتها تحتاج، فضلا عن الحكمة، إلى وقت تبين أنه غير متاح.

قبل الانقلاب بنحو أسبوعين، حملت جانبا من هذه الهموم وتلك الهواجس إلى أحد كبار القادة العسكريين، وفي النفس ما فيها من التقدير له والأمل فيه.

في حديثي إليه، ذكّرت بداية بالصفحة التي فتحتها موريتانيا في سجل التاريخ، بجهود أبنائها وبمشاركة أساسية لا مراء فيها منه ومن القادة العسكريين الذين ساعدوا في تأسيس سنة التداول السلمي على السلطة.

توقعت منه أن تقابل الثقة المطلقة التي وضعها الرئيس فيه وفي بعض القادة العسكريين بدعم لا محدود، وقلت له ما معنى بعضه إن الفترة الباقية هي فترة حضانة تحتاج إلى تعاون الجميع حتى يقبل المواطنون في نهايتها على صناديق الاقتراع ويحتكموا إليها وهم مطمئنون إلى أن الطريق سالكة والتجربة واعدة.

ثم أفصحت لذلك القائد عن بعض الهواجس التي تساورني وتساور الكثيرين، فسألته عما إذا كان الذين يتحركون يومئذ، بدعم -كما يقول الناس- من بعض القادة العسكريين، يفكرون في مخاطر ما بعد "الهدف القريب المنظور" الذي يسعون إليه؟

هل فكروا في المحطة التالية؟ هل هم مطمئنون إلى أنهم سيسيرون معا لإكمال "المشوار"؟ ألا تخشون أو يخشون أن تزرع هذه الحركة الجارية اليوم أشواكا في طريق من يحكم مستقبلا أيا كان؟

طرحت أسئلة من هذا القبيل على ذلك القائد، وذكرته بالآمال المعلقة على القادة العسكريين لحماية التجربة التي ساهموا بجدارة في تأسيسها.

قال لي محدثي ضمن ما قال، إنهم لا ينكرون صلتهم بتحرك طائفة كبيرة من البرلمانيين (تصر على إقالة الحكومة الوليدة بل وتفكر في محاكمة الرئيس).. ورد على أسئلتي القلقة بأن ما يجري هو "ميكانيزم" انطلق ولم يعد باستطاعة أحد التحكم فيه.

لكنه طمأنني بتأكيده على أن الهدف هو مصلحة الوطن، وباتفاقه معي على خطورة عدم الاستقرار على البلد.. خرجت من عنده، وقد قدرت له صراحته، وقررت الاحتفاظ لنفسي ببعض ما قاله لي، حرصا على عدم المساهمة في تأزيم الوضع.

لكنني شعرت بالقلق تجاه "ميكانيزم لا أحد يستطيع التحكم فيه"، وعدت أعلل نفسي بما ذكره محدثي من حرص على مصلحة الوطن وعلى استقراره، وبما أعلمه من رغبة الرئيس سيدي محمد بن الشيخ عبد الله في بذل كل ما بوسعه من أجل الوصول إلى موقف قوام لا ضرر فيه ولا ضرار، ثم بما أمني به نفسي من أن العقلاء أكيس من أن يطلقوا عملية لا يتحكمون في سيرها.

قلت في نفسي: وحدها الحروب عادة -أعاذنا الله منها- يمكن لأي كان أن يتخذ قرارا بإطلاقها، ولكن من الصعب على من أطلقها أن يوقفها متى شاء.

وإياك والأمر الذي إن توسعت   موارده ضاقت عليك المصادر
_____________________
مستشار الرئيس الموريتاني السابق

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك