كريمة بداوي

بحلول شهر رمضان المبارك تهتز مشاعر المسلمين في الأرض قاطبة، وتتعلق أنظارهم بالسماء، مؤملين دنو حالة الإنقاذ، فتتشخص أمامهم الغايات واضحة، وتعنو الصعاب، وهكذا يتجلى للعيان أن العالم الإسلامي بالرغم من أزماته المحبطة لا يزال يحتفظ بوحدته الروحية كأكبر عامل جامع وموجه نحو إطلاق طاقاته المكبلة.

ولما كانت مسألة تغيير الفرد لا تتحقق إلا بتوجيهه لغاية جلية وقريبة في شعوره حتى يسير وراءها كان رمضان أبلغ العبادات في رياضة النفس وتقويمها، لأنه يقوم ببناء الدوافع التي تمنح الصائم القوة على الامتناع عن رغبات معينة وترك الشهوات المعروفة، والدوافع هنا ليست إلا تلبية أمر الله، والنزول عند إرادته لنيل مرضاته.

إنه جهاد نفسي متواصل لمدة شهر كامل، يشعر الصائم في نهايته بقوة اتجاهه إلى الله وبعمق انتمائه لهذا الدين، فالانتصار المتكرر على الشهوات مران على قوة العزيمة، جاء في الحديث الصحيح (الصيام جُنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم).

الصيام جُنة أي وقاية من الإسفاف كما فسره العلماء، فلا يتصور معه أن يتلبس الصائم بأحوال تنافي هذا المقصد، وفي نفس السياق يصب قوله صلى الله عليه وسلم (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) وكذلك قوله (كم من صائم ليس من صيامه إلا الجوع والعطش).

"
التربية الدينية تقوم في الإسلام على إنشاء وتنمية ملكة مراقبة الله والاستحياء منه، في توازن نفسي دقيق يجمع بين الخوف والرجاء، وهما بمثابة الجناحين للطائر متى اختل أحدهما قعد عن الطيران
"
إننا نجد أنفسنا أمام هذه الأحاديث مجبرين على التفكير الجدي في إحدى أكبر معضلات المجتمعات الإسلامية اليوم، وهي غياب الشعور بحقيقة الشهود الإلهي الدائم الذي كان من نتائجه الاهتمام بأعمال الجوارح والغفلة عن أعمال القلوب، في حين أن التربية الدينية تقوم في الإسلام على إنشاء وتنمية ملكة مراقبة الله والاستحياء منه، في توازن نفسي دقيق يجمع بين الخوف والرجاء، هما بمثابة الجناحين للطائر متى اختل أحدهما قعد عن الطيران والتحليق وكان مصيره الهلاك.

ولا شك أن الصوم يجعلنا نجتهد حتى نرتفع إلى مستوى الإحساس بالرقابة الإلهية، وهو بهذا الاعتبار هازم لمنطق المادة الجاف الذي تسلل إلى حياتنا الثقافية من معين الحضارة المعاصرة الآسن.

ولأن تكريم الصائم أمر أخروي (من صام رمضان وقامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)، كان في المشاق التي تصاحب الصائم لأجل تحصيل هذا الأجر، دليل على أن جهة المصلحة التي ينبغي على المسلم اعتبارها إنما هي الجهة التي هي عماد الدين والدنيا لا من حيث أهواء النفوس كما بينها الشاطبي.

ومن ثم يمكننا تعريف سلوك الامتناع في شهر رمضان، بأنه سلوك جماعي موحد لمجتمع يمتلك المسوغ الحقيقي لوجوده، يستمده من قوله تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56]

وفي ضوء هذه الآية الكريمة يمكننا أن نفهم معنى العبودية الحقة، التي تعني خضوع العبد ودخوله في ربقتها اختيارا كما هي في الواقع تشمله اضطرارا، بمعنى أن المسلم يعيش على ظهر هذه البسيطة، يتحرك لله وهو مستغرق في أنشطته كلها (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام: 162].

فالإسلام منهج حياة متكامل يجعل من المسلمين حراسا للمبادئ، يضبطون سلوكهم وفق ما شرعه الله تعالى من تكاليف، لا يقبلون الفوضى ولا يرتضون الضيم، يمتلكون حسا عاليا بالمسؤولية، ويسعون إلى اغتنام الأوقات لأجل صيانة أماناتهم.

فالقضية إذن ليست كما يحلو للبعض أن يصورها، خلاص فردي وعبادات صورية تقليدية، بل إنها تحتاج منا إلى تأمل وطول نظر، يقودنا حتما إلى فهم حرص الشارع على أداء المسلمين فروض الكفايات، وترغيبه في الصلوات الجامعة وزجره المفارق لجماعة المسلمين، بل غير المبالي بأمرهم (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) الحديث.

"
المجتمع الإسلامي النموذجي يمتلك أسمى المسوغات لوجوده بالإضافة إلى وحدة بنائه، الشيء الذي يكفل إطلاق طاقاته الاجتماعية وتجميع قواه وفق مصالح ومقاصد مشروعة

"
ذلك أن عامل الوحدة والتلاحم المنتج للإرادة الجماعية، يعد من أهم الركائز التي يقوم عليها بناء أي مجتمع متحضر.

والمجتمع الإسلامي النموذجي يمتلك أسمى المسوغات لوجوده بالإضافة إلى وحدة بنائه، الشيء الذي يكفل إطلاق طاقاته الاجتماعية وتجميع قواه وفق مصالح ومقاصد مشروعة.

ووجوه هذه المصالح مبثوثة في أبواب الشريعة وأدلتها، بالاستقراء القاطع، يعلم ذلك الفقهاء الأصوليون، وتدور كلها في فلك المحافظة على الضروريات الخمس:

حفظ النفس والدين والعقل والمال والنسل، لذلك فإن أصول الطاعات إذا تُتُبعت وجدت راجعة إلى اعتبار هذه المقاصد الأصلية كما جاء في الموافقات، فهل هذا هو ما نسعى إليه في عباداتنا التي تحولت إلى عادات متوارثة، فاترة لا علاقة لها بحفظ نفس أو دين أو مال أو عرض، ولا تأمرنا بمعروف أو تنهانا عن منكر؟

في حياتنا الثقافية في شهر رمضان مفارقات عجيبة وانشغال موصول بالترفيه والتسلي لا يمكن التغاضي عنه، لأنه يصدر عن أمة انتهكت حرماتها، واستبيحت أراضيها، في حين أنها لا تزداد إلا غفلة وإحجاما عن خوض ساحات العمل الجاد.

وقد نبه الله المؤمنين إلى صنف من الناس يحاولون الاستخفاف بحرماته، كما دعاهم إلى تعظيم شعائره حين قال عز من قائل:

(ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) [الحج: 30]

وليس من تقوى القلوب أن تغيب معاني الرحمة والعطاء عن بيوتنا ومعاملاتنا، في أسواقنا ومختلف مرافق الحياة الضرورية في أيام وليال مباركة كهذه، هي نفحات ينبغي أن نتعرض لها كما أوصانا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، نتعلم فيها معاني المصابرة والتحمل، ونطرد الضجر والسآمة من أرواحنا.

كما نقوم بتغيير عاداتنا الفكرية ومواقفنا، قد لا تساعدنا أغلب وسائل الإعلام المرئي والمسموع بضجيجها المتعمد والمخصص لهذا الشهر الكريم، والتي تخلو في أغلبها من أدنى مراعاة للآداب الإسلامية، كما تفتقر في مجملها حتى بالنسبة إلى تلك التي تحرص على بث البرامج الدينية إلى معنى البناء.

فنحن ما زلنا مولعين بفكرة التكديس (التكديس في البرامج وكم المعلومات)، لأننا لم نحدد بالضبط وجهتنا ووسائلنا، كما أننا لم نقم بترتيب الصعوبات التي تواجهنا حسب درجاتها وأهميتها.

وأحسب أن الأمر يعود إلى سيطرة تيارات فكرية يتجنب أصحابها أن يكون اتصال الصائمين بربهم اتصالا حقيقيا يمس جوانب الحياة جميعا من غير غفلة ولا سهو، مما ينتج مداومة جماعية على الأعمال الصالحة، تسير في اتجاه واحد، طيلة أشهر السنة.

إن الأمر لجدير بالدراسة المتأنية، ذلك أن الخطر لم يعد يأتي فقط من التيارات المادية المعادية للإسلام، وإنما من بعض المنتمين إلى حظيرته.

"
السؤال الذي ينبغي طرحه هو كيف نعيد للضمير الإسلامي يقظته وللقلب إشراقه، حتى نستطيع الولوج بأمان إلى مرحلة إرساء قواعد ومعالم المجتمع المتحضر؟

"

ويتعاظم الأمر عندما يتعلق بإبطال أثر الطاعة ومفعولها، لأن الفهم السقيم، والنظر المبتسر لنصوص القرآن والسنة بدون اعتبار لمقاصد الشرع وتقدير لضرورات الواقع، أخطاء منهجية قد لا تغتفر، ولا سيما أننا في عالمنا الإسلامي قد عشنا تجارب مؤلمة قاسية، يفترض أنها حركت وعينا، ودفعتنا إلى الطريق الصحيح.

فلنبدأ بالتفكير في إعادة الوظيفة الاجتماعية لعباداتنا، ولا ريب أن مظاهر سلوكياتنا ستتغير تغيرا نشاهد أثره في جميع نواحي الحياة وفروعها، حينها لن تصبح المصلحة الخاصة هي التي تدفعنا للقيام بأنشطتنا، لأن الارتباط المتشابك مع إخوة الدين يكون قد بلغ ذروته، ولذلك تغدو المصلحة العامة محورا وقبلة لكل فرد.

أتصور أن السؤال الذي ينبغي طرحه هو كيف نعيد للضمير الإسلامي يقظته وللقلب إشراقه، حتى نستطيع الولوج بأمان إلى مرحلة إرساء قواعد ومعالم المجتمع المتحضر؟

قطعا يحمل رمضان في طياته الكثير من الدعائم الروحية لمثل هذا التغيير، فهو شهر تقوى وخشوع وأدب وسكينة، تتضافر فيه جهود المؤمنين لأداء كل عمل نافع بناء، فتؤتي ثمارها، لذلك استحقوا من الحق تبارك وتعالى جميل الثناء مقرونا بجزيل العطاء:

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8) [البينة] 

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، وتقبل صيامنا وقيامنا، اللهم آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.
__________
 
كاتبة جزائرية

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك