راشد الغنوشي

بدءا، نهنئ أمة الإسلام بموسم الخير والمغفرة والرحمة، شهر القرآن والرضوان والعتق من النيران، وبالخصوص الملايين الذين/اللائي، يؤدونه للمرة الأولى، بأثر اهتداء أو توب أو بلوغ رشد.

ونرجو للجميع التوفيق في اجتراح أعظم الطاعات للفوز في نهاية الموسم بأعظم التيجان تاج التقى "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" ومن ثمارها دخول جنات النعيم من باب الريان.

تستقبل هذه الايام أمة الإسلام شهرا تهفو له القلوب وتتهيأ فيه المجتمعات الإسلامية للانخراط في حركية شديدة على كل المستويات، قد يمتد أثرها لأبعد من ذلك، متخذة أبعادا كونية روحية، فتزكو مفاعيل الخير، وتنحسر مثيرات الشرور.

أو لم يخبر من أظهره علام الغيوب على طرف من غيبه أنه "إذا أقبل رمضان فتّحت أبواب الجنة وغلّقت أبواب النار وصفّدت الشياطين، وقيل ياباغي الخير أقبل ويا باغي الشر أدبر".

فضل هذا الشهر على بقية الشهور مستمد أساسا من كونه الوعاء الزمني لأداء فريضة الصيام -الركن الخامس من أركان الإسلام- إلى جانب الشهادتين والصلاة والزكاة والحج، الركن الذي أجمع المسلمون على كفر منكره وفسق المتقاعس عنه، وأنه عبادة خالصة لله سبحانه تقربا له، استجابة لأمره، دون رياء ودون ابتغاء أي مصلحة دنيوية "الصوم لي وأنا أجزي به".

"
رغم وفرة ثروات الدول العربية الطبيعية ما يكاد ينمو فيها غير أجهزة التخويف والقمع، ومعدلات الفقر والبطالة واتساع الهوة بين القلة الحاكمة المحتجبة للثروة وللسلطة وبين جمهرة الناس المحرومة منهما
"
إن بركات هذا الموسم -على غرار بقية فرائض الإسلام- لا تقتصر على البعد الروحي على أهميته في كل مشروع مجتمعي تنموي جدير بهذا الوصف، وإنما تضاف اليه فتزكيه أبعاد أخرى شديدة التركيب خليقة إذا هي اكتشفت ففعّلت أن تغدو مقوما أساسيا من مقومات مشروع تنموي مركّب شامل، غفلت عنه أو تجاهلته أو همشته بل أحيانا ناصبته العداء مشاريع التنمية في أمتنا، فولدت ميتة أو كسيحة.

أو لم يعمد رئيس "دولة مسلمة" في أول يوم من رمضان إلى مخاطبة شعبه داعيا إياه إلى الكف عن الصوم دعما لمعركة التنمية ضد التخلف الاقتصادي، واتخذ من نفسه قدوة، فاحتسى كوبا من العصير في رابعة النهار، حاملا إياهم بقوة الدولة على فعل ذلك.

وماذا كانت النتيجة في هذا البلد؟ لا التنمية الاقتصادية الموعودة والمطلوب رأس الإسلام ثمنا لها، قد تحققت، ولا تركوا الناس وما يدينون، فلا أطعموهم من جوع ولا آمنوهم من خوف.

وتلك عموما حصائل التجارب التنموية في بلاد العرب. وعلى وفرة ثرواتها الطبيعية ما يكاد ينمو فيها غير أجهزة التخويف والقمع، ومعدلات الفقر والبطالة واتساع الهوة بين القلة الحاكمة المحتجبة للثروة وللسلطة وبين جمهرة الناس المحرومة منهما.

هي بمقاييس الديمقراطية في ذيل دول العالم. وبمقاييس الاقتصاد كثير منها مهدد بالمجاعات وبالانتفاضات الشعبية. وما حصل في سيدي إيفني بالمغرب وفي وهران بالجزائر وفي الحوض المنجمي بتونس وفي مصر تساقطت عشرات الضحايا تزاحما على الرغيف وفي السودان أزمة دارفور وفي اليمن انتفاضة الجنوب المهددة لوحدة البلد.

وسياق ذلك واحد: إفلاس تجارب للتنمية ولدت ميتة أو كسيحة بسبب تهميشها أو مناوأتها لمقومات الشخصية الثقافية لأمتنا التي يشكل الإسلام بعقائده وشعائره وشرائعه ورموزه التاريخية الطاقة المحركة لها.

لقد تعاملت مع التنمية على أنها عملية ميكانيكية بلا روح، تتمثل في استيراد مظاهر من التحضر الغربي: مصانع مجتثة من سياقاتها الثقافية، وزرعها في بيئة غير بيئتها، فانتهت بمرّ السنين أكداس خردة، ولربما استوردت معها منظومات قوانين ومؤسسات وقيم تحديثية منتزعة من سياقات تاريخية وثقافية غريبة.

فكان الناس معها كأنهم ينادون من مكان بعيد أو بلغات أخرى. في تجاهل للطبيعية المركبة للتجارب المنقول عنها التي انتقلت بأهلها من طور العجز والتخلف والضعف والتشتت والهوان إلى طور التحرر والتوحد والعزة والكفاية، بسبب تفعيلها لكل أرصدتها الثقافية، تواصلا مع تاريخها في أثواب وصيغ جديدة، فكان تطورها احتفاظا بخير ما فيه وتجاوزا لسلبياته، إذ لا تنمية خارج التاريخ والجغرافيا.

"
البلدان ماليزيا واليابان اقتبسا من التجارب التنموية الغربية علوما ومعارف، ولكن ظل ذلك الاقتباس يتم في سياق الروح القومية، بما لا يفقد الثقة فيها بل يعززها
"
وتكفي نظرة تلقى على مسيرة تجربتين تنمويتين آسويتين: اليابان و ماليزيا، اللتين نقلتا قطرين محدودي الثروات الطبيعية من وضع الفاقة إلى صدارة الدول المتقدمة، لنقف على نموذج متميز لتنمية مركبة لم تتأسس على فكرة القطيعة مع الماضي، بل على تفعيله.

إن البلدين اقتبسا من التجارب التنموية الغربية علوما ومعارف، ولكن ظل ذلك الاقتباس يتم في سياق الروح القومية، بما لا يفقد الثقة فيها بل يعززها.

وحتى القيم الجديدة المقتبسة في مجال الإدارة والتنظيم والمنافسة واحترام الحريات الفردية والجماعية تم تأصيلها ضمن القيم الوطنية.

لقد تبنت كل منهما مبدأ الاعتماد على الذات، بما جعل الياباني المفتقر للثروات الطبيعية يرى في التنمية فنا من فنون الارتقاء بالأشياء إلى مستوى الأفكار بينما التخلف يعبر عن العجز عن ربط الأشياء بالأفكار.

وكان من ذلك اهتمام اليابان باللغة اليابانية فكان ذلك سببا وراء نهضته، لأن الكتابة باللغة اليابانية في جميع ميادين العلم والمعرفة جعلت عامة الناس طرفا شريكا في عملية التنمية مما حفز على النمو الاقتصادي.

وأدى إلى الحفاظ على وحدة اليابان وهويته بما استلهمت من تراثه بطريقة ذكية، لتستخرج منه حداثة يابانية جديدة تختلف في محتواها عن حداثة الغرب.

ونجحت ماليزيا كذلك في الإفادة من التجربة التنموية اليابانية دون استنساخ لأشكالها، فأكسبت شعبها غير المتجانس ثقافة اقتصادية متجانسة، فتعلموا من اليابان التفاني في العمل واحترام الوقت والإنتاجية والعمل المشترك والاعتماد على الذات والاعتزاز بالهوية ورفض التدخل الأجنبي.

وفعل ذلك الشعب ما ترسب في تاريخهم من قيم وعقائد وثقافة ولغة ودين وتسامح في مجتمع متعدد جعل من تعدده عامل إثراء لا عامل فتنة وتمزق.

(بتصرف، عن ناصر يوسف، مقولات التحديث المعاصرة في التجربة الإنمائية اليابانية المركبة: الإنجاز والاستمرار والدروس المستفادة إسلاميا. مجلة إسلامية المعرفة العدد 53 س14 صيف 2008).

وما حققته المعارضة في الانتخابات الأخيرة من قفزة عالية استوعبها النظام ولم تزلزله، دليل على نضج التجربة التنموية وطبيعتها المركبة، بما تأسست عليه من حداثة مؤصلة، واعتماد على الذات.

ومن ذلك نجاحها في التعامل مع الزلزال الذي هز النمور الآسيوية فرفضت "نصائح" البنك الدولي في تعويم عملتها وخصخصة قطاعها العمومي لأنها لم ترتهن لقروضه.

ومن المؤشرات كذلك القيمة التي يحتلها المواطن في هذه التجربة، فعلى محدودية الموارد فإن التلميذ الماليزي يأتي ترتيبه السادس بين تلاميذ دول العالم من حيث ما ينفق عليه، وأن البلد على تعدد أعراقه ودياناته قد استوعبهم نظامه، فلا إقصاء ولا سجون سياسية ولا منفيين ولا تزييف انتخابات.

صحيح أن الزعيم الإسلامي أنور إبراهيم تعرض للاضطهاد ولكنه عائد اليوم إلى الركح السياسي وأكثر المرشحين لقيادة بلده بعد أن قاد تحالفا للمعارضة كاد يطيح بالجبهة التي تقود البلد.

وفي السياق نفسه مع اختلاف الأوضاع تفهم التجربة التركية التنموية التي نجحت في استيعاب كل مكونات مجتمعها.

صحيح أن الإسلاميين تعرضوا ولا يزالون لقدر من الاضطهاد ولكنه بعيد عن التوحش العربي: حلت أحزاب إسلامية، ولكن أصحابها في اليوم الموالي أنشؤوا غيرها.

ولم تعرف سجونهم حشودا من السياسيين، والإسلاميون اليوم سادة الموقف في السلطة وفي المعارضة.

ونجحوا في تهذيب التطرف العلماني، عودا متدرجا بتركيا إلى سياقها التاريخي، مطلقين بذلك طاقات النمو في شعبهم فتضاعف دخل التركي خلال سنوات معدودة وربط وشائجه بمحيطه العربي والإسلامي. وما معنا في المهاجر منفيون من غير الجولاغ العربي.

وعند التأمل لم تخرج التجارب التنموية الغربية ذاتها عن هذه السّنّة، إذ كانت تجاربها التنموية التحديثية تطورا في سياقات هوياتها بما حفظ التاريخ والجغرافيا خلافا للتجارب العربية.

"
لقد أضاعت تجارب التنمية في بلاد العرب خاصة، ما يتوفر عليه الإسلام من طاقات للنمو لا تنفد
"

لقد أضاعت تجارب التنمية في بلاد العرب خاصة، ما يتوفر عليه الإسلام من طاقات للنمو لا تنفد.

إن ما حققته المقاومة في فلسطين وفي لبنان وفي العراق من إنجازات تنموية على صعيد الدفاع عن الأوطان في وجه صائلين عجزت عن دفعهم جيوش التحديث المنبتّ عن العمق الإسلامي، رغم ما استهلكته، يحمل رمزية مهمة لما يمكن للإسلام فعله لو اعتمد أساسا لمشروع تنموي شامل.

وهل من عجب أن كان شهر رمضان شهر الفتوحات الإسلامية الكبرى، وهو ما ابرزه صاحب "الظلال" بصدد تفسيره لآيات الصوم: "كان مفهوما أن يفرض الصوم على الأمة التي فرض عليها الجهاد".

أوليست الجيوش هي أحوج إلى القوة المعنوية الدافعة لها صوب بذل النفس والانضباط وتعميق الروح الجمعية والإيثار، منها إلى السلاح المتطور؟

إن الصوم ككل أركان الإسلام عبادة، والعبادة هي الأظهر فيه، ولكن قوة الإسلام إنما هي في نقطة التلاقي بين السماء والأرض بين الروح والجسد بين الدنيا والآخرة بين الروحي والمادي بين الفردي والجماعي بين المصلحة والمبدأ، بما يجعل العبادة تؤسس للحضارة إذا أديت على وجهها الصحيح.

إن شرائع الإسلام كلها مصالح للعباد، فليس لله حاجة إلى عبادتنا له سبحانه.

مشكلة الإسلام مع مناهج العلمنة لا تختلف كثيرا عن مشكلته مع التصوف الاغنوصي كلاهما يجرّد الإسلام من نقطة قوته وعبقريته: هذا التركيب العجيب بين العبادة والمصلحة.

"
مدرسة الثلاثين يوما، هي مدرسة التدرب على التقوى بمعانيها الشاملة حيث يتشبه هذا الكائن الشهواني الضعيف بسمة الملائكة
"
ورغم أن المصلحة في ركن الزكاة تبدو أظهر بينما عنصر التعبد يبدو أجلى في أركان الصلاة والصوم والحج ولكن الزكاة تفقد كل قيمة دينية إذا تحولت إلى مجرد ضريبة مقطوعة عن العقيدة، سندها فقط "ما دمت عليه قائما"، بينما المؤمن يؤديها في حضور الرقيب وغيابه.

ومع أن بقية الأركان إلى التعبد أقرب، ولكنها لا تنفصل عن المشروع التنموي الشامل، فالصلاة الحق "تنهى عن الفحشاء والمنكر و "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له".

كل الفواحش والمنكرات: الكذب والخيانة والغش والظلم.. . إلخ. والحج عبادة، ولكن تبتغى منها منافع. لا يستنفد منها حج اليوم غير منافع شخصية كالبيع والشراء.

أما منافع الأمة التنموية من أعظم مؤتمر عالمي مثل تداول الرأي في مشكلاتها والبحث عن سبل تحويل هذه الوحدة الروحية العظمى إلى ضروب من الوحدة الفكرية والسياسية والاقتصادية والدفاعية، فنبع لا يكاد يمتح منه بأكثر ما يلتقط المخيط إذا أدخل البحر.

أما مدرسة الثلاثين يوما، فهي مدرسة التدرب على التقوى بمعانيها الشاملة حيث يتشبه هذا الكائن الشهواني الضعيف بسمة الملائكة: ضبطا لشهواته فيحكمها ولا تحكمه، متجاوزا الضرورة: مفرق الطريق بين الإنسان والحيوان، وتلك الحرية الحق.

فضلا عن ما يورثه الصوم من وعي عميق بالزمن والخروج من حالة السيولة، فأوقات الطعام والشراب محددة يراقبها الجميع.

وهو معنى حضاري هام جدا تعمقه كل العبادات الإسلامية مرتبط بدورة الأفلاك.

ولذلك لم يكن عجبا أن برع المسلمون في الفلك واخترعوا الساعة لارتباط عباداتهم بحركة الأفلاك.

فضلا عن ما هو مفترض أن يورثه ضبط أعتى شهوات الإنسان (الطعام والشراب والجنس) من صحة جسدية وضبط لكل جوارح الإنسان بميزان الأخلاق.

في الحديث "إذا كان صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق، فإذا سابّه أحد فليقل إني صائم" و"من لم ينهه صيامه عن قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه"، ولا يقتصر الزور على بعده الفردي. أبشع منه وأخطر تزوير إرادة شعب بانتخابات زائفة وإعلام مضلل وسلعة مغشوشة.

هذا دون الحديث عن ما تحتاجه التنمية المركبة من ما يحققه الصوم الصحيح من اقتصاد في النفقات بدل زيادتها لدرجة اضطرار الدول للاستيراد حتى بالفوائض، ثم تقرض مواطنيها بمثل ذلك.

وكان مفهوما أن يزيد الاستهلاك في رمضان رغم لا منطقيته لأنه مضاد لمعنى الصوم لو كنا أمة منتجة نستهلك من ما نصنع فيكون رمضان دورة لتنشيط الاقتصاد.

"
يمثل رمضان عمدة قوة المجتمع الإسلامي الأهلي بما يعبئه من طاقات تضامن وتراحم وعطاء وإيثار
"
أما ونحن نستورد وحتى بالفوائض أكثر ما نستهلك فهو العبث المناقض لمقاصد الصوم التنموية التي لو مضينا معها لأورثتنا روحانيتها التوحيدية التعبوية وحدة اقتصادية وسياسية ودفاعية تعزز ما يورثه رمضان من وحدة شعورية روحية تجعل المؤمن يفيض بالخير فيبلّ أرحامه ويتواصل معهم ويجود بالخير دعما للمؤسسات الخيرية الطوعية لأنه يعلم أنه "ما آمن من بات شبعانا وجاره جائع".

ودعك مما تعرضت له أعمال التطوع والصدقات من سخريات علمانية وذلك قبل أن يكتشفوا مفهوم المجتمع المدني أو الأهلي وعمدته أعمال التطوع ومنها المؤسسات الخيرية التي كانت مصدر قوة المجتمعات الإسلامية قبل أن تبتلى بالدول الشمولية التي التهمت المجتمع.

ويمثل رمضان عمدة قوة المجتمع الإسلامي الأهلي بما يعبئه من طاقات تضامن وتراحم وعطاء وإيثار، لم تكفّ مشاريع التنمية المنبتة القائمة عن محاولات تهميشها، مصادرة لعمل المساجد والجمعيات الخيرية، متظاهرة عليها بالنظام الدولي الظالم.

بينما الجمعيات الطوعية الغربية تحظى بالدعم والحماية من دولها سدا لإخلال التنمية داخلها، واشتغالا بالتبشير في بلاد الإسلام، استغلالا لحاجات الناس في غياب المشاريع الإسلامية.

ومع ذلك فالثابت أن الإسلام يتقدم برافعاته العملاقة ومنها شهر الصوم فالحمد لله الذي أكرمنا به.
__________
كاتب ومفكر تونسي

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك