عادل عبد السلام

خلفيات أحداث القوقاز الحالية
أبعاد الأزمة ومستقبل المنطقة

كان البرزخ القوقازي وما زال مسرحا لصراع القوى الكبرى التي تحيط به من جميع الجهات (الفرس والعرب، والترك، ثم الروس فيما بعد) سعياً وراء السيطرة على هذا الجزء الغني بالموارد الاقتصادية وذي الموقع الجغرافي الإستراتيجي الخطير من العالم.

ومن سوء حظ سكانه أنهم لم يكونوا أمة واحدة، أو شعباً موحداً قوياً قادراً على مواجهة أطماع الغزاة والمحتلين، بل كانوا وما زالوا أقواماً صغيرة متفرقة يزيد عددها على الأربعين قومية تستحق الذكر، لكل منها موطنها ولغتها، ولقد ذكر المسعودي القوقاز في القرن العاشر للميلاد، وأنه يضم 72 أمة، ولكل منها لغتها الخاصة بها.

لكن صراع القوى الكبرى الطامعة بالقوقاز تجاوز اليوم نطاق الدول الكبرى المحيطة به والقريبة منه، وجر إليه قوى الغرب في أوروبا بل وأميركا، التي أصبحت مصالحها الاقتصادية والإستراتيجية تشمل بقاعاً واسعة من العالم بما فيها منطقة القوقاز بعد تحرر جنوبيه (جورجيا وأرمينيا وأذربيجان) من الحكم الشيوعي الروسي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وزواله.

وتحول روسيا ما بعد الحرب الباردة إلى بلد يحكمه اقتصاد السوق والمبادئ الاقتصادية الرأسمالية المعاصرة والانفتاح على الاقتصاد الأوروبي وغيره. لكن القوقاز وإضافة إلى صراع القوى الكبرى للسيطرة عليه، كانت مقاومة شعوبه للغزاة لا تنقطع، وسعيها للتحرر من نير المحتلين متصلاً. كما كانت الصراعات المحلية فيه تنشب بين شعوبه وقبائلها بين الحين والآخر.

وتعد الحرب الأخيرة التي شنتها جورجيا على أوسيتيا الجنوبية في أغسطس/آب من عام 2008 وتداعياتها في أبخازيا أحدث مرحلة من مراحل الصراع حول القوقاز، وآخر إفرازات النزاعات التاريخية الموروثة من الواقع القوقازي المحلي وصراع القوى الكبرى الحديثة على حكم العالم.

خلفيات أحداث القوقاز الحالية

"
منذ بدايات ظهور روسيا دولة يحسب حسابها في القرن السادس عشر، دخلت طرفاً ثالثاً وبشكل تدريجي في الصراع الذي كان ناشباً بين الإمبراطورية العثمانية والفارسية على القوقاز
"
رغم التشابكات والتعقيدات التي تميز الأوضاع المحلية والإقليمية والدولية فيما يتعلق بالمشكلة القوقازية، التي يرى بعض المحللين أنها قد تكون إحدى الشرارات التي قد تشعل نار حرب باردة جديدة، فإن بالإمكان إيجازها بما يناسب المقال لخدمة أحداث القوقاز الراهنة.

فمنذ بدايات ظهور روسيا دولة يحسب حسابها في القرن السادس عشر، دخلت طرفاً ثالثاً وبشكل تدريجي في الصراع الذي كان ناشباً بين الإمبراطورية العثمانية والفارسية على القوقاز. ففي عام 1553 تقاسم العثمانيون والفرس جورجيا، ووصل التنافس بين القوتين إلى أن أقام الفرس المملكة الجورجية (الكرجية)، التي طلبت من روسيا فيما بعد حمايتها من الفرس، مقابل قبول الجورجيين بالسيادة الروسية على بلادهم.

وهكذا بدأ التدخل الروسي في شؤون القوقاز الجنوبي منذ سنة 1783. لكن روسيا وتنفيذاً للبند الثامن من وصية بطرس الأكبر (حكم بين 1682-1723) القاضي بتوسع الروس واستعمارهم البلاد حتى الوصول إلى البحار الدافئة في الجنوب، قامت باحتلال شرقي جورجيا (1801) ووسطها (1810)، ثم أبخازيا (1810-1818)، وبقية الغرب الجورجي بين (1829-1878).

ولما كانت روسيا قد استكملت احتلالها للقوقاز الشمالي واستعماره بالقضاء على المقاومة الشركسية سنة 1864، أصبح البرزخ القوقازي بأكمله مستعمرة روسية. وبقي هكذا حتى قيام الثورة الروسية سنة 1917، حين قامت جمهوريات مستقلة في كل من القوقاز الشمالي والجنوبي، ومن بينها دولة جورجية في مايو/أيار سنة 1918.

لكن الجيش الأحمر الشيوعي ما لبث أن هاجم هذه الجمهوريات المستقلة واحتلها ثانية وضمها إلى الإمبراطورية السوفياتية سنة 1922. ولقد حرص البلاشفة على أن تدخل أراضي أوسيتيا الجنوبية، وأبخازيا، وأجاريا في إطار الكيان الجورجي، على الرغم من أن كل واحدة منها تشكل قومية مختلفة عن الجورجيين والروس.

وهكذا أصبحت جورجيا وبقية دويلات الجنوب القوقازي جمهورية سوفياتية واحدة من أصل خمس جمهوريات شكلت جمهوريات الاتحاد السوفياتي.

لكن ستالين عاد, فاعتمد مبدأ التفرقة من أجل السيادة، ففتت القوقاز الشمالي والجنوبي إلى كيانات صورية صغيرة تحمل تسميات زائفة، وعادت جورجيا جمهورية سوفياتية اشتراكية تحكمها موسكو منذ 1936.

ولقد حقق ستالين وأورجونيكيدزة ثم بيريا وكلهم جورجيون، بذلك هدفين أولهما: توسيع أراضي وطنهم جورجيا، والثاني: التفريق بين أبناء الأمة الواحدة، بفصل أوسيتيا الجنوبية عن أوسيتيا الشمالية، التي بقيت مستعمرة روسية تحمل اسم جمهورية ذات حكم ذاتي، وكذلك فصل أبخازيا عن بقية الأراضي الشركسية على البحر الأسود والقوقاز الشمالي، الذي قطعت أوصاله إلى أشلاء كيانات عجيبة. وبقي الحال على ذلك حتى أواخر ثمانينيات القرن العشرين.

ففي السنوات الأخيرة من عمر الاتحاد السوفياتي والأحداث التي رافقت زواله، انطلقت حركات تحرر الشعوب التي كانت مستعمَرَة من قبل الروس، للاستقلال والانفصال عن الاتحاد، الذي كان مفروضاً على شعوب كثيرة في آسيا والقوقاز وأوروبا.

وكانت شعوب القوقاز الشمالي من أول الشعوب التي نادت بالتحرر من النير الروسي، بل وثار بعضها على محاولات عودتها للانضمام إلى الاتحاد الروسي وريث الاتحاد السوفياتي، مثل الشيشان، أو إلى الانفصال عن جمهورية جورجيا مثل الأبخاز والأوسيتيين الجنوبيين، بل وحتى الأجاريين.

إذ أخذ الأبخاز والأوسيتيون الجنوبيون يطالبون جورجيا بمزيد من الحقوق والحريات وصلاحيات حكم أوسع في إطار كياناتهم السياسية، ما سبب تصاعد التوتر بينهم وبين جورجيا، التي رفضت تلك المطالب.

"
كانت شعوب القوقاز الشمالي من أول الشعوب التي نادت بالتحرر من النير الروسي، بل وثار بعضها على محاولات عودتها للانضمام إلى الاتحاد الروسي وريث الاتحاد السوفياتي مثل الشيشان، أو إلى الانفصال عن جورجيا مثل الأبخاز والأوسيتيين الجنوبيين
"
وتمثل رد الفعل الجورجي بفرض اللغة الجورجية لغة رسمية واحدة على الجميع سنة 1989. أعقبه في 9 أبريل/نيسان من العام نفسه قيام مظاهرات في تبليسي تندد بسعي الأبخاز والأوسيتيين الجنوبيين للاستقلال عن جورجيا، تصدت لها قوات الأمن السوفياتية وسقط فيها 19 قتيلاً وعشرات الجرحى، ما أجج مظاهر العداء والكراهية بين الأطراف المتنازعة، متمثلة بالجورجيين الذين يعدون أراضي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية جزءاً لا يتجزأ من الأرض الجورجية، وبالأبخازيين، والأوسيتيين، أصحاب الأرض المحكومين سابقاً من السوفيات ولاحقاً من الجورجيين، وبالروس الذي استعمروا بلاد الجميع منذ بدايات القرن التاسع عشر. وكان أصحاب الأرض أضعف الأطراف الثلاثة وما زالوا.

وقد ازداد موقف جورجيا تطرفاً وعنصرية بعد استقلالها في أبريل/نيسان عام 1991، وانتخاب زفياد غمساخورديا رئيساً لها، ثم أعقبه ادوارد شيفرنادزه الذي شنت جورجيا في عهده الحرب على أبخازيا، واحتلت عاصمتها سوخومي، لكنها دحرت من قبل الأبخاز وأنصارهم من الشركس والشيشان وغيرهم، كما أن شيفرنادزه حوصر في سوخومي وكاد يقتل لولا وساطات روسية أنقذته.

أما في أوسيتيا الجنوبية فإن حرب الاستقلال عن جورجيا كانت قد بدأت سنة 1989 وقتل فيها الجورجيون أعداداً كبيرة من المدنيين الأوسيتيين. وكانت النتيجة في الحالتين نشر قوات حفظ السلام الدولية على خطوط التماس.

واستمر الوضع على حاله حتى عام 2006 حين توغلت قوات جورجية في الأراضي الأبخازية واحتلت أعالي وادي نهر قودور، وفي شهر أغسطس/آب من عام 2008 شنت جورجيا هجوماً كبيرا على أوسيتيا الجنوبية وقتلت أكثر من ألفي أوسيتي معظمهم من المدنيين.

وهنا تفجرت الأزمة القوقازية بوقوف روسيا ومحاربين من جمهوريات القوقاز الشمالي إلى جانب الأوسيتيين. وكان الرد الروسي سريعاً وعنيفاً، تجاوز حدود أوسيتيا إلى داخل الأراضي الجورجية.

كما قام الأبخاز في الوقت نفسه بطرد الجيش الجورجي من وادي قودور. أعقب ذلك أحداث كثيرة أهمها إعلان البلدين استقلالهما، واعتراف روسيا بذلك رسمياً.

أبعاد الأزمة ومستقبل المنطقة
لقد احتفل الشركس (الأديغة والأبخاز وغيرهم) والأوسيتيون وبقية الأقوام القوقازية الشمالية المُهجرة في بلدان الشرق الأوسط وغيرها، بنيل أبخازيا وأوسيتيا الاستقلال.

لكن الحكماء منهم يدركون أن روسيا لم تدعم استقلالهما محبة بهما، ولا رحمة بأبناء القوقاز المحكومين من قبل الجورجيين أو الروس. وينظرون إلى ما حدث على أنه مرحلة أولى لإلحاق هاتين الجمهوريتين بروسيا الاتحادية، بمباركة وعرفان بالجميل من قبل سكانهما، لما قامت به روسيا من منع إبادتهم من قبل الجورجيين وحلفائهم، وبافتعال ظروف دولية واقتصادية واجتماعية وسياسية لخدمة تلك الإستراتيجية.

بحيث تجد الجمهوريات هذه نفسها ملزمة بطلب الانضمام الطوعي للأخ الأكبر روسيا الاتحادية، التي ارتدت حلة الأخ الأكبر الشيوعي سابقاً، الذي سيكسب بانضمام أبخازيا إليه واجهة بحرية طولها أكثر من 75 كلم على البحر الأسود تضاف إلى الساحل الشركسي. ويكون حال الجمهوريتين حال المستجير من الرمضاء بالنار.

هناك مثل شركسي يقول (حين طُلِب من المخلوقات أن يضرب كل فرد من يستطيع ضربه، ضربت العجوز القطة) وهذا ما قام به ساكاشفيلي بغزوه أوسيتيا وأبخازيا قبلها، وهذا ما كان صدام قد قام به حين غزا الكويت.

ولقد أخطأت جورجيا الحساب، بظنها أن روسيا لن تتدخل، وبهذا العنف أولاً، وأن الغرب سيدخل بمواجهة عسكرية مع روسيا من أجلها ثانياً.

"
الغرب لن يعادي روسيا إلا إذا شعر أن مصالحه الاقتصادية ستتهدد، وأن أنابيب نقل الطاقة من روسيا إلى أوروبا يمكن أن تغلق صنابيرها، كما أن الغرب مستعد للتخلي عن أصدقائه وحلفائه إذا تطلب الأمر ذلك
"
إن الغرب لن يعادي روسيا إلا إذا شعر أن مصالحه الاقتصادية ستتهدد، وأن أنابيب نقل الطاقة من روسيا إلى أوروبا يمكن أن تغلق صنابيرها، كما وأن الغرب مستعد للتخلي عن أصدقائه وحلفائه إذا تطلب الأمر ذلك، وهنالك أمثلة تشهد على ذلك، ابتدءا من شاه إيران 1979 وانتهاء بنورييغا باناما 1989 وما بينهما.

فلا يحلمن ساكاشفيلي أن يعامل معاملة مميزة عنهما في حال رجحان كفة مصالح حلفائه على مصلحة دعمه ضد روسيا ومن تساندهم. ولا يفرحن بزيارات المسؤولين الغربيين لجورجيا، ودخول السفن الحربية الغربية إلى البحر الأسود، وعقد الاجتماعات التخديرية لبحث أزمة القوقاز في بروكسل وغيرها.

والحديث يدور الآن حول التهدئة والمفاوضات. فالمسألة أكبر بكثير مما يمكن تصورها، وتدور في فلك صراع القوى الكبرى على حكم العالم مع بقاء الرادع النووي مسلطاً على الرقاب، وتشمل بلداناً تبدأ من كوريا الشمالية وتنتهي بفنزويلا وكوبا مروراً بأفغانستان وإيران والشرق الأوسط وكوسوفو، مع عدم نسيان دور تجارة الأسلحة، وامتلاك الطاقة النووية والتقنيات العالية المستوى والطاقة وغيرها من عناصر فعالة في معادلات تشابكات مصالح الدول، إضافة إلى تزايد المطالبة العالمية بتعددية الأقطاب في العالم, وبدء ظهور قوى تناضل لاستعادة أمجاد إمبراطورية سابقة لها.

ومع ذلك كله، فإن خطر نشوب حرب شاملة، أو حروب إقليمية متوسطة الحجم يبقى قائماً، بوجود مسؤولين دوليين متطرفين وأغبياء لا يرون أبعد من أنوفهم.
ـــــــــ
كاتب سوري

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك