توجان فيصل

قدمت قراءات عديدة للقاءات التي بادر مدير المخابرات الأردنية الفريق محمد الذهبي إلى عقدها مع مسؤولين في "حماس", وكلها انصبت على شأنين: الشأن الإقليمي الناتج عن التغيرات الأخيرة التي جرت كلها لصالح محور الممانعة وبخسائر جلية لما سمي محور الاعتدال.

والشأن الفلسطيني بشقيه: الأول المتعلق بما يجري تداوله باسم الحلول والتسويات أو حتى انغلاق الأفق أمام أي حل, وشقه الثاني المتعلق بالانقسام الحاصل في الداخل الفلسطيني وما يطرح من حلول ومصالحات من أكثر من جهة.

ولكن القراءة التي لم تقدم بتاتا, وهي الأهم في نظرنا, هي القراءة الداخلية الأردنية, وهو ما اعتبرته الصحافة العربية شأنا "محليا".. هذا مع أن المبادرة جاءت من المخابرات الأردنية, مما يستلزم وقفة تمعن أكثر مع البعد الداخلي لهذه المبادرة, فالداخلي ليس كله شأنا محليا صرفا.

"
التهدئة الداخلية مطلوبة بالذات لتمرير هادئ بعيد عن الأزمات بكافة أنواعها, لبداية تغيير "غير مسبوق" يتمثل في تولي المخابرات بدل الحكومة, وعلنا, ملف "السياسة" بشقيه الداخلي والخارجي!.
"
وفي رأينا وهو ما سنحاول إثباته هنا, أن التهدئة الداخلية مطلوبة بالذات لتمرير هادئ بعيد عن الأزمات بكافة أنواعها, لبداية تغيير "غير مسبوق" أيضا (وثيق الصلة بما بيناه في مقالة سابقة لنا من على هذا المنبر بعنوان "وضع غير مسبوق") يتمثل في تولي المخابرات بدل الحكومة, وعلنا, ملف "السياسة" بشقيه الداخلي والخارجي!.

ونحن إذ نقدم تلك القراءة المغيبة,لا ننفي تداخلها مع معطيات أخرى فلسطينية أو إقليمية أو حتى دولية مما عرض له غيرنا في تناول ذات المبادرة, ولكن أثر كل هذا يجب ألا يضيع بوصلتنا, وإلا انتهينا لتحميل ما جرى فوق ما يتحمل, والأخطر أن ننتهي بإنكار بعض ما حمل.

فالبعض جنح منذ اللحظة الأولى لإعادة قراءة أحداث سابقة بصيغة التمني أكثر منه الفهم والتحليل, وقفز إلى استنتاجات وتوقعات لا تحتملها تلك الخطوة.

فما جرى, بشكل رئيسي, هو حركة تهدف لتهدئة الداخل الأردني لفترة أخطرها الأشهر القليلة المتبقية لنهاية العام الحالي.

والتهدئة مطلوبة لعدة أسباب, منها ولكن ليس أهمها, انتظار انتخاب رئيس أميركي جديد وتبين حقيقة سياسة الإدارة الأميركية الجديدة في المنطقة.

وهذا الانتظار جرى التعبير عنه بأكثر من طريقة في المبادرة تجاه حماس, وبالذات حين أكدت بقاء أمور معلقة أكثر وأهم مما حسم من أمور.

وبالاقتباس من تغطيات صحفيين أردنيين لما جرى، وبالاستناد إلى التصريحات الرسمية الصادرة بعد اللقاءين اللذين أجريا مع حماس:

"جلستا العمل أسفرتا عن جملة تفاهمات أهمها غض الطرف عن كل القضايا الخلافية السابقة، وإخضاع العلاقة بين الجانبين فترة تجربة تمتد حتى آخر العالم الحالي، تمهيداً لبناء علاقة خاصة ومتينة باتت تقتضيها سلسلة المتغيرات الحاصلة إقليميا ودولياً"!!.

هذا يعني أن ما تم تعليقه هو الأهم, في حين أن أهم ما تم الاتفاق عليه هو "ألا تتدخل حماس في الحركة الإسلامية الأردنية", أي بمعنى آخر فك الارتباط مع إسلاميي الأردن, مما يعني إسقاط الشرعية عن أي نشاط للحركة الإسلامية الأردنية يقال إنه من باب دعم حماس أو المقاومة التي تقودها.. إلخ, لكون حماس باتت تتحدث مع الحكومة مباشرة.

ولم يقدم لحماس مقابل هذا حقيقة سوى تعهد بوقف سيل مقالات الهجوم والتحريض التي ينشرها وزير الإعلام السابق صالح القلاب في صحيفة "الرأي".. مؤشر آخر على حرية الإعلام التي يقال إنها توسعت, يبين من الذين يشغلون سعتها ومن يقذف بهم إلى هامشها أو خارجه تماما!!.

أما ما قدم للإخوان المسلمين -ليس مقابل تجرديهم من نياشين حماس ونزع أكاليلها عنهم, بل مقابل دور وعظي مبرمج يراد منهم تنفيذه كي لا يقال إن كل الوعظ الجاري هو "لمفتي السلطان"- فهو العودة بهم إلى الحظوة الرسمية التي حصلوا عليها عام 57 حين تحالفوا مع النظام ضد كل القوى والأحزاب الوطنية والقومية, وكوفئوا بأن أصبحوا الحزب الوحيد المرخص له طوال ما يقارب الثلاثين عاما من عمر المملكة.

المطلب الثاني الذي قدمه الفريق الذهبي لحماس, هو إعلانها القبول بحل الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية, وذلك من منطلق أن هذا الحل هو أهم سد يمكن أن يدرأ عن الأردن مخططات الوطن البديل.

ولكن حماس امتنعت عن تقديم رد في هذا الشأن, لا لأنها تريد إعادة الأمور إلى ما قبل فك الارتباط مع الأردن الذي رفضته حينها غالبية القوى الوطنية الأردنية وليس حماس وحدها, وحتما ليس لأن حماس تريد الآن أي شكل من إعادة الارتباط بالأردن أو "بدور أردني" مما يسوق له, بل لأسباب تتعلق بأمور في أوسلو لا تريد حماس حمل تبعاتها لمجرد وعد بدولة واضح كم هي ملغومة.

ولكن قبول حماس فك الارتباط مع الحركة الإسلامية الأردنية يفي بالغرض ذاته, وقد قبل.

"
أهم ما حصلت عليه حماس هو مزيد من خرق الحصار السياسي لها, والإقرار الضمني بحصتها في شرعية التمثيل الفلسطيني بما لا يقل عن شرعية السلطة
"
أما أهم ما حصلت عليه حماس حقيقة, فهو مزيد من خرق الحصار السياسي لها, والإقرار الضمني بحصتها في شرعية التمثيل الفلسطيني بما لا يقل عن شرعية السلطة ورئيسها مما يأتي في قمة أولويات حماس الآن.

فمجرد مبادرة مدير المخابرات الأردني بالالتقاء بحماس في بداية توليه "الشأن السياسي الأردني" يعتبر اعترافا أردنيا بحماس كسلطة إلى جانب سلطة عباس, وهو أقصى ما تتوقعه حماس من الأردن.

أما غيره مما نوقش وما يمكن أن يناقش فهو مجرد حلوى تلي "وجبة الغداء الفاخرة" في مقر المخابرات, ويتمثل في بعض التسهيلات للحياة اليومية (أعيدت بعض الجوازات الأردنية التي سحبت من أعضاء في حماس) ولن يؤثر التراجع عن هذه التسهيلات كثيرا في العلاقة بين الطرفين, ولا حتى على مستوى النيات التي يعرفها الطرفان ولا علاقة حقيقية "لفترة التجربة" بها!!.

ولنستكمل ما جرى من تحميل هذا اللقاء مع حماس أكثر مما يحتمل, نعود إلى ما أشرنا إليه من جنوح البعض لإعادة قراءة أحداث سابقة بصيغة التمني, ومن ثم قفزهم إلى استنتاجات وتوقعات لا تحتملها تلك الخطوة (ونحن نتحدث عن أقوال صحافة وليس أقاويل عامة).

ونتوقف عند ما فسر, وبأثر رجعي وباستعادة قصة رد مدير المخابرات على رئيسي مجلسي النواب والأعيان حين طلبا منه قمع المعارضة بشدة، "نحن مخابرات دولة ولسنا دولة مخابرات", على أنه الإطار النظري الذي يترجم الآن عمليا بالانفتاح على المعارضة والرأي الآخر.

كما يترجم في فتح حوارات مع المعارضة, وتوسعة كبيرة لهامش الحرية الصحفية وتشجيع للحياة الحزبية.. وصولا لاستنتاج أن تولي مدير المخابرات للشأن السياسي هو لأجل تحقيق إصلاح شامل يودي إلى قانون انتخاب عادل وانتخابات نزيهة..

وشطح البعض ليتحدث عن "حكومة منتخبة" سيأتي بها هذا النهج الجديد, بل وعن حديث عن تحول في السياسات الخارجية نحو صفحة جديدة من العلاقة مع المقاومة الفلسطينية!!.

ونبدأ نقاشنا لهذه التفسيرات والإسقاطات, بالحوارات التي قيل إنها جرت مع المعارضة.

فهذه الحوارات لم نجد ما أو من يؤكدها, بل لم نجد أي شخصية معارضة رئيسية واحدة "تسر" لنا بأن لقاء جرى معها, إن لم "تعلنه" للجميع، لكون الالتقاء مع مدير المخابرات قد يلقي شكوكا على من لم يصل مكانة تجعله فوق الشكوك, وهؤلاء قلة قليلة.

ولا نتحدث هنا عن شباب يتكرر استدعاؤهم "للتحقيق" أو التحذير, وقيل لبعضهم مؤخرا إن "البلد مقبل على مرحلة صعبة ونتوقع أن تتعاونوا معنا كي نجتاز تلك المرحلة.. إلخ" دونما تحديد لا للمخاطر ولا للتعاون المطلوب.

وباستثناء اللقاء المعلن مع ممثلين عن حزب جبهة العمل الإسلامي, ولكن ليس أمينها العام المنتخب لعدم رضا الدولة عنه, فإن أي حزب آخر معارض لم يجر معه أي حوار.

"
الصحفي الذي صور القادم بأنه يشبه "ضربات في الرأس" ستنزل على الأردنيين, حصرها في ثلاث متجاوزا المثل الشعبي القائل "ضربتين في الرأس بتوجع
"
وللدلالة على ما آلت إليه علاقة السلطات الأردنية (إن جازت صيغة الجمع) بالأحزاب, وبالتزامن مع بداية لقاءات مدير المخابرات مع الإخوان ثم مع حماس, نقتبس من بيان صادر عن المكتب الشبابي لحزب الوحدة الشعبية بتاريخ 19 يوليو/تموز الماضي يحتج على توقيف الأجهزة الأمنية لاثنين من أعضائه الشباب أثناء قيامهم بتوزيع ملصق عن تحرير الأسرى.

قول البيان إن هذا استمرار "للذهنية العرفية في التعامل مع الأحزاب.. وإن الحكومة عندما لم يسعفها القانون لترهيب العضوية الحزبية الشابة, عادت لأسلوبها العرفي.. من اعتقالات وتهديدات, معتقدة أن أسلوبا كهذا  سيضعف الأحزاب وينفر المواطنين منها خشية من الملاحقة الأمنية".

وبعد شهر ونيف وبالتزامن مع اللقاء الثاني مع حماس, أعلن ذات المكتب الشبابي في ذات الحزب إطلاق حملة "شباب من أجل مجتمع أفضل" التي لا تشترط عضوية منتسبيها للحزب ولا عملهم بالسياسة, بل تؤكد أن عملهم سيكون فقط في مجال "الأعمال الخيرية التطوعية" التي بدأت بتوزيع 300 حقيبة مدرسية بدعم من رجال الأعمال والشخصيات والوطنية.

ودعا الحزب غيره لمثل هذا كما دعا الحكومة "لخفض" أسعار القرطاسية.. هذا ما تمخض عنه "جمل" قضايا الشباب والأسرى وازدياد فقر الشعب مقابل إثراء قلة من "رجال الأعمال" وغيرها من القضايا المفصلية!!.

وبدل تنفير الحكومة والأجهزة الأمنية للشباب من العمل الحزبي باضطهادهم, تطوع الحزب "اليساري" ذاته بتدجينهم ومسخ مفهومهم للعمل الحزبي إلى ممارسة عمل خيري يكرس ويمجد حالة "اليد العليا واليد السفلى"!!!.

وهذا يعيدنا مباشرة إلى المطلوب الآن من كافة القوى السياسية وكقاسم مشترك أعظم ينتظم كل الأنشطة الرسمية الجارية بما فيها اللقاءات مع حماس, وهو "تهدئة" الداخل المقبل على فترة صعبة, باعتراف الجميع وفي مقدمتهم إدارة المخابرات (ضمن ما رشح عنها واقتبسناه أعلاه)، وصولا للصحافة التي تخشى أي حديث عن قادم لا يسر كي لا تتهم بالإثارة والتهويل والإشاعة.. وهو ما لوح به في وجهها حديثا.

لهذا فالصحفي الذي صور القادم بأنه يشبه "ضربات في الرأس" ستنزل على الأردنيين, حصرها في ثلاث متجاوزا المثل الشعبي القائل "ضربتين في الرأس بتوجع"!!.

والثلاث لا توّفي القادم حقه.. مثلها مثل الأمنيات الثلاث في قصص الخيال التي لم توّفّ بمجموعها ولا مرة مطلبا واحدا لمن أتيحت لهم من أبطالها, بهذه المفارقة تحديدا تتشكل قصتهم.

الضربات الثلاث, حسب كاتبنا, تدور في إطار الشأن المعيشي المسموح بتداوله إن جرى حسب برنامج محدد (كبرنامج شبيبة الحزب المذكور أعلاه الذي يختصر المشكلة في حجم العلاج المقبول من المسؤولين و"رجال الأعمال", والصفتان تماهتا مؤخرا), وهي: "تكاليف" العودة للمدارس وتكاليف رمضان ثم تكاليف عيد الفطر.

وينسى الكاتب أو يتناسى العودة الأفدح للجامعات, ولا يغوص ابتداء في معاناة وإذلال النقل الجمعي من مدارس القطاع الخاص إلى مدارس القطاع العام..

وينسى الكاتب أو يتناسى ضربة رابعة أكبر في شأن كلفة المعيشة ذاته, هي تكاليف الشتاء التي ستفاقم, في ظل الرفع الهائل لأسعار الوقود, كل ما سبق وغيره.

كل هذا بدأ يراكم غضبا ملحوظا لدى الأردنيين. وقد بدأنا نشهد مؤخرا محاولات لرصد وتحليل هذه "العصبية" الأردنية, بعضها جاد وجلها يأخذ جانب الهزل لكون هذه صفة لا تتناسب مع ما هو مألوف من طبائع الأردنيين.

وإذا كانت الجريمة, بمفهومها الاجتماعي, هي أبرز ما تم رصده نتيجة لهذه الحال الاقتصادية/السياسية/النفسية, وما يتوقع تفاقمه, فإن أشكالا أخرى من ترجمة الغضب, خاصة تلك التي تجمع الهم والغضب الخاص إلى الهم والغضب العام, لا يجري بحثها فيما يبدو, ولا يرغب أحد في اعتبار إمكانياتها النظرية حتى.

ولكن رمضان والأعياد ليست فقط معضلة تكاليف, بل هي مواسم جماعية. ومعروف أن كل اجتماعاتنا من الأفراح إلى العزاء تتحول إلى مجالس سياسية.

"
إذا كانت الجريمة بمفهومها الاجتماعي هي أبرز ما تم رصده نتيجة للحالة الاقتصادية/السياسية/النفسية, فإن أشكالا أخرى من ترجمة الغضب في الأردن لا يجري بحثها ولا يرغب أحد في ذلك
"
وإذا خف زوار البيوت جراء الفقر فإن زوار المساجد يزدادون.. ويأتي هذا كله مجتمعا في ظل أوضاع مفصلية خاصة بالجهاز الأمني الأكبر يحتاج فيها لترويج صورة "ذهبية" بحق عنه, تستثني أي عنف أمني لافت أو قبضة أمنية ملحوظة, على الأقل لحين نهاية العام الحالي.

ولكن في غياب البرامج الإصلاحية العملية أو استمرار التخوف الرسمي منها, تصبح التهدئة هي المطلب الأول, وبقدر كاف لمنع وصول أي من المظالم السابقة إلى حيز السياسة أو التسييس.

فمن جهة, هذه الضربات كلها سياسية, وطالما أسقطت حكومات في العالم الديمقراطي, وأنشأت ثورات في الجزء غير الديمقراطي منه، بعضها اعتبر منعطفا تاريخيا عالميا كالثورة الفرنسية والثورة البلشفية.

ومن جهة أخرى -وهي الجهة التي تنظر منها الأجهزة الأمنية وتتعامل معها حصريا العقلية الأمنية- هذه أمور "قابلة للتسييس", وهذا بالضبط ما نعتقد أن التهدئة الجارية سعت لمنعه ضمن ما سمي "التقارب" مع حماس, لكون ما جرى لغزة جعلها جرحا مفتوحا في قلب كل الأردنيين القوميين بطبيعتهم.. وبإعادة إيكال دور للإخوان المسلمين مماثل للذي أوكل لهم طوال الفترة العرفية, بالاعتماد على أن الأردنيين مسلمون في غالبتهم أيضا.

ولكن ما تم نسيانه أو تناسيه -مع أن الحكومة والأجهزة الأمنية دأبت من قبل على تكراره- هو أن "الإسلاميين" من الأردنيين لا يتجاوزون العشرين بالمائة على أحسن حال.

إضافة إلى أن مكانة حماس لدى الأردنيين تعتمد إلى حد بعيد على انتخابها من أغلبية الشعب الفلسطيني, ولهذا لا يمكن أن تعوض حماس عن غياب ممثلين شرعيين للشعب الأردني, والذي هو أصل المشكل السياسي الحالي.

ومع ذلك نجد من صحفيينا من يتحدث عن ديمقراطية تتحقق بطرق أبعد ما تكون عن الديمقراطية!.
ــــــــــــ

كاتبة أردنية

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك