إسماعيل ياشا

إسماعيل ياشا

ولد عام 1971 في مدينة قونيا الواقعة في وسط تركيا ودرس الابتدائية في مدرسة الضاحية التي كان يسكن فيها، ثم التحق بثانوية الأئمة والخطباء ليكمل دراسته المتوسطة والثانوية وتخرج منها عام 1987.


أدلة واهية
كشف الانقلابيين
مواقف خارجية وداخلية ضاغطة
الخوف من الانهيار
معنى القرار

نظرا لعدد الأحزاب التي تم حظرها في عهد الجمهورية التركية، توصف تركيا الحديثة بـ"مقبرة الأحزاب السياسية"، حيث أغلقت المحكمة الدستورية منذ تأسيسها عام 1963 أربعة وعشرين حزبا سياسيا، بالإضافة إلى حزبين آخرين تم إغلاقهما من قبل محاكم أخرى قبل تأسيس المحكمة الدستورية.

وقد أعادت الدعوى المرفوعة ضد الحزب الحاكم في تركيا إلى الأذهان حظر حزب الرفاه من قبل المحكمة الدستورية بتهمة مماثلة كالتي وُجِّهت إلى حزب العدالة والتنمية، وهي "التحول إلى بؤرة للأنشطة المناهضة للعلمانية"، وسط تكهنات تقول بأن حزب العدالة والتنمية سيشاركه في المصير نفسه.

وفي هذه الأثناء، جاء قرار المحكمة الدستورية التركية في 30/7/2008 برفض إغلاق حزب العدالة والتنمية وحظر العمل السياسي على أي من قادته، واكتفائها بفرض عقوبة مالية بمثابة إنذار أولي له، ليريح تركيا على كافة الصعد سياسيا واقتصاديا وحتى اجتماعيا، بعدما كان كبير ممثلي الادعاء العام عبد الرحمن يالتشينكايا قد رفع إلى المحكمة الدستورية دعوى قضائية بطلب إغلاق الحزب الحاكم في تركيا ومنع 71 من أعضائه من ممارسة العمل السياسي لمدة خمس سنوات.

ورغم وجود تشابه بين دعوى حزب الرفاه ودعوى حزب العدالة والتنمية، فإنه كان هناك تباين كبير بين الملفين، واختلاف في الأوضاع الداخلية والدولية التي أحاطت بالقضيتين، ما أدى إلى صدور قرار عن المحكمة الدستورية بحق حزب العدالة والتنمية يختلف عن القرار الذي اتخذته سابقا بحق حزب الرفاه.

أدلة واهية

"
الأدلة التي قدمها المدعي العام ضد حزب العدالة والتنمية مبنية على أخبار صحفية كالتي تحدثت عن محاولة الحكومة جمع الخمارات في أماكن معينة في المدن، ومنع بلدية إسطنبول إعلانات البكيني في الميادين العامة, وهي أدلة إما مبالغ فيها أو محرفة
"
إذا عدنا إلى الجانب القانوني، سنلاحظ أن الأدلة، التي قدمها المدعي العام يالتشينكايا إلى المحكمة الدستورية ضد حزب العدالة والتنمية، كانت واهية ولا يمكن أن تؤدي إلى إغلاق حزب حصل على ما يقارب نصف أصوات الناخبين، ولذا كان المفروض أن ترفض المحكمة الدستورية النظر في الدعوى وتعيد الملف إلى الادعاء لعدم وجود أدلة كافية.

فهذه الأدلة التي قدمها يالتشينكايا مبنية على أخبار نشرت في الصحف التركية، كالتي تحدثت عن محاولة الحكومة جمع الخمارات في أماكن معينة في المدن، ومنع بلدية إسطنبول إعلانات البكيني في الميادين العامة، وتخصيص حافلة لطالبات ثانوية الأئمة والخطباء في إسطنبول، بالإضافة إلى تصريحات أردوغان حول حظر الحجاب وإعلانه أن الحكومة ستسعى لرفعه ولو اعتبر الحجاب رمزا سياسيا، والخطوة التي تقدم بها الحزب الحاكم مع حزب الحركة القومية لرفع حظر الحجاب في الجامعات، وغيرها من الأدلة التي هي إما مبالغ فيها أو محرفة وإما تفسيرات خاطئة أو قراءة للنوايا.

ومقارنة بما حصل لحزب الرفاه، نلاحظ أن أدلة الادعاء في الدعوى المرفوعة ضد الرفاه كانت تستند أيضا في أغلبيتها إلى أخبار نشرت في الصحف إلا أن تصريحات صريحة صدرت من قادته كقول زعيمه نجم الدين أربكان بأن حركته ستصل إلى الحكم سواء بسفك الدماء أو بغير سفكها، وبأن أساتذة الجامعات سيقفون أمام الطالبات المتحجبات احتراما لهن، وبأنه يمكن تطبيق القوانين حسب الاختلافات الفقهية. هذه التصريحات أعطت للادعاء مأخذا قويا على الحزب وعززت الاتهامات بأنه سيسعى لتغيير النظام العلماني وتطبيق الشريعة الإسلامية.

وفي المقابل، كانت الأدلة التي قدمها يالتشينكايا ضد حزب العدالة والتنمية خالية من مثل هذه التصريحات الصريحة. فحزب العدالة والتنمية أذكى من أن يعطي خصومه ذريعة تطيح به، وهو يستغل ذلك للتقدم بشكل بطيء لكن بثبات في التمدد في تركيا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

فحزب العدالة والتنمية، وبخلاف حزب الرفاه، رفض منذ تأسيسه أن يوصف بـ"حزب إسلامي" وأعلن التزامه بالعلمانية واتجه نحو الغرب ووضع انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي على رأس أولوياته، ليرفع الضغط عن نفسه و يحوّله إلى خصومه. وأما قضية الحجاب فكان يرى حلها في إطار حقوق الإنسان، ليستغل حق الفرد الشخصي لتمرير ذلك.

مع ذلك، واستنادا إلى طبيعة تركيبة المحكمة الدستورية وقضاتها المعينين بأغلبهم من قبل رئيس الجمهورية السابق أحمد نجدت سيزر المعادي لتوجهات حزب العدالة والتنمية، كان من المتوقع أن تحظر المحكمة الدستورية الحزب الحاكم، إلا أن تطورات حدثت في تركيا قبيل بدء المداولات أثرت تداعياتها على القرار.

كشف الانقلابيين
وأولى هذه التطورات وأهمها القبض على رجال شبكة أرغنيكون، التي كانت تخطط للانقلاب على الحكومة التركية، وإجراء حملة اعتقالات واسعة طالت جنرالين متقاعدين.

ولا شك أن الكشف عن خطط الشبكة، التي كانت لها اليد الطولى في تأزيم الوضع السياسي وتصعيد التوتر عبر وسائل الإعلام الموالية لها، وتحريض الجيش والقضاء ضد حزب العدالة والتنمية، رسخ قناعة لدى الرأي العام التركي بأن شبكة أرغنيكون أجبرت المدعي العام على رفع الدعوى بطلب إغلاق الحزب الحاكم، كما أنها هي التي جمعت أدلة لائحة الاتهامات. وبالتالي لو أغلقت المحكمة الدستورية حزب العدالة والتنمية لفسِّرَ هذا القرار لدى الرأي العام برضوخ المحكمة لضغوط شبكة أرغنيكون.

"
انكشاف أمر شبكة أرغنيكون التي كانت تخطط للانقلاب على الحكومة وأكبر محرض للجيش والقضاء على حزب العدالة والتنمية، كان ضربة قاسية لها أفقدتها كثيرا من قدرتها على التأثير وأحبطت مؤامرتها
"
وقد هدد الكاتب الصحفي إلهان سلتشوق، الذي ألقي القبض عليه بتهمة الانتماء إلى شبكة أرغنيكون وتولى قيادتها والتنظير لها، في مقال نشره بجريدة "جمهوريت" المدعي العام عبد الرحمن يالتشينكايا بعواقب وخيمة يواجهها في حال تجاوز الخطوط الحمراء ولم يرفع إلى المحكمة الدستورية دعوى بطلب إغلاق حزب العدالة والتنمية.

وتفيد بعض المصادر بأن مفاوضات ومساومات حدثت بين الحكومة والجيش التركي للتوصل إلى اتفاق يرضي الجميع، وبموجبه لا يضغط الجيش على المحكمة الدستورية لإغلاق الحزب الحاكم ولا تُوسِّع الحكومة تحقيقات شبكة أرغنيكون.

لكن آخرين يستبعدون وجود مثل هذه الصفقة، وهذا ما أرجحه، ويرون أن انكشاف أمر شبكة أرغنيكون، والقبض على كثير من رجالها، كان ضربة قاسية لها، أفقدتها كثيرا من قدرتها على التأثير وأحبطت مؤامرتها، وبالتالي رفعت الضغوط عن قضاة المحكمة الدستورية.

مواقف خارجية وداخلية ضاغطة
ولا يمكن في تحليل قرار المحكمة الدستورية تجاهل الموقف الغربي عموما، والأميركي على وجه الخصوص، من القضية ووقوفها وراء الحكومة، ودعم الاتحاد الأوروبي القوي للحكومة التركية ورفضه القاطع لإغلاق حزب العدالة والتنمية، ما شكل ضغوطا خارجية هائلة على المحكمة الدستورية، كما أشار إليها رئيسها في المؤتمر الصحفي الذي عقده لإعلان القرار ونفى أن يكون القضاة أخذوا في قرارهم تلك الضغوط بعين الاعتبار.

لقد عثرت قوات الأمن التركية في بيوت بعض المعتقلين في قضية شبكة أرغنيكون على وثائق تحتوي خطة شاملة للعمل تهدف إلى إسقاط حكومة أردوغان وإغلاق حزب العدالة والتنمية وتشكيل حكومة حسب رؤية الشبكة وإعادة ترتيب مؤسسات الدولة، والأهم من ذلك كله، إخراج تركيا من المحور الأميركي وضمها إلى المحور الروسي باسم "أوروآسيا".

وعلى الصعيد الداخلي، وقفت القوى الديمقراطية والليبرالية بالإضافة إلى الإسلامية بجانب الحزب الحاكم في دعوى الإغلاق، وطالبت بعدم إغلاق حزب العدالة والتنمية، كما ناشدت بتصفية العصابات التي تتحرك باسم الدولة.

وبذل كتاب ليبراليون جهودا جبارة لفضح المؤامرة رغم اختلافهم مع الحكومة في قضايا أخرى، وكشفوا أن ما يجري في تركيا ليس بصراع بين الإسلاميين والعلمانيين، وإنما محاولة انقلاب على الحكومة التي انتخبها الشعب بكامل إرادته.

"
لأول مرة في تاريخ تركيا خرج الآلاف في عدد من المدن التركية في مسيرات احتجاجية شارك فيها ممثلون من مختلف التيارات عبروا جميعا عن رفضهم القاطع لأي محاولة انقلاب على الحكومة ولو عن طريق القضاء
"
وهكذا انقسمت الصفوف بين مؤيدين للديمقراطية ومؤيدين للانقلاب العسكري. لو لم يقف الليبراليون بجانب الحزب الحاكم، أو بقوا على الأقل محايدين في هذه المعركة، لواصل الانقلابيون تضليل الرأي العام عبر وسائل إعلام موالية لهم وصوروا للناس أنها معركة بين الإسلاميين الذين يسعون لهدم الجمهورية وأسلمة المجتمع وتغيير نمط الحياة في تركيا وبين من يدافع عن الجمهورية والحرية.

وبالتوازي مع الدعم الذي قدمته وسائل إعلام إسلامية وديمقراطية وليبرالية اجتمعت في هدف واحد هو معارضة التدخل العسكري ورفض الانقلاب على حكومة جاءت عن طريق صناديق الاقتراع، تحركت مؤسسات المجتمع المدني للدفاع عن الديمقراطية.

ولأول مرة في تاريخ تركيا، خرج الآلاف بعدد من المدن التركية في مسيرات احتجاجية شارك فيها ممثلون من مختلف التيارات عبروا جميعا عن رفضهم القاطع لأي محاولة انقلاب على الحكومة، ولو عن طريق القضاء، وكانت إشارة واضحة إلى أن الشعب التركي وصل من النضج السياسي والديمقراطي إلى مستوى لا يمكن التحايل عليه.

الخوف من الانهيار
ومن العوامل التي دفعت المحكمة الدستورية إلى عدم إغلاق الحزب الحاكم، الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي حققته حكومة أردوغان في تركيا.

عندما أغلقت المحكمة الدستورية حزب الرفاه كانت النسبة التي يمثلها، أي نسبة الأصوات التي حصل عليها في آخر انتخابات، لا تتجاوز 21.38% وكانت الحكومة التي ترأسها حكومة ائتلافية. أما حزب العدالة والتنمية فقد حصل في انتخابات 2007 على 46.6% من الأصوات، أي ما يقارب نصف أصوات الناخبين.

لا شك أن إغلاق حزب العدالة والتنمية كان سيؤدي إلى فراغ سياسي كبير في تركيا، ولا يوجد حزب آخر يمكنه أن يسد هذا الفراغ. حزب العدالة والتنمية له حضور قوي في مناطق الأكراد، وهو المنافس الوحيد لحزب المجتمع الديمقراطي المتهم بأنه ذراع سياسي لحزب العمال الكردستاني والمهدد أيضا بالإغلاق.

ولو أغلقت المحكمة الدستورية حزب العدالة والتنمية ولم تغلق حزب المجتمع الديمقراطي لتركته في شرق البلاد دون منافس. ولو أغلقت الحزبين معا لكانت قد أخرجت منطقة الأكراد برمتها من المعادلة السياسية.

وبالإضافة إلى الفراغ السياسي، كان تفجر أزمة اقتصادية احتمالا كبيرا، ولو قررت المحكمة الدستورية إغلاق حزب العدالة والتنمية، خاصة في غياب الاستقرار وانقطاع المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي كما حذر منها الخبراء, لكانت هي المسؤولة في النهاية عن الانهيار الاقتصادي والأزمة السياسية، وربما الاضطرابات التي من الممكن أن تؤدي إلى انقسام حاد في المجتمع.

معنى القرار

"
رفض المحكمة الدستورية إعدام حزب العدالة والتنمية سياسيا واكتفائها بمعاقبته ماليا رسالة مفادها أن القوى العلمانية ستواصل مراقبته
"
في المحصلة، مهما كانت العوامل والمؤثرات التي أسفرت عن هذه النتيجة، فإن قرار المحكمة الدستورية في دعوى إغلاق حزب العدالة والتنمية يعتبر انتصارا للحكومة التركية وحزب العدالة والتنمية وللقوى الديمقراطية وهزيمة مدوية للانقلابيين.

لأن الدعوى كانت طلقتهم الأخيرة، وهدفها القتل المحقق، أي إغلاق الحزب وحظر زعيمه من ممارسة العمل السياسي، ولكن رصاصتهم أخطأت الهدف هذه المرة.

وأما الإصابة التي لحقت بحزب العدالة والتنمية فطفيفة، تسهل معالجتها، لأن حزبا بحجم حزب العدالة والتنمية ليس بحاجة ماسة إلى المساعدات التي يتلقاها من خزينة الدولة.

إن رفض المحكمة الدستورية إعدام حزب العدالة والتنمية سياسيا واكتفائها بمعاقبته ماليا، رسالة للحزب الحاكم مفادها أن القوى العلمانية ستواصل مراقبته.

لذا، فعلى الحكومة التركية أن تسرع في الإصلاحات الديمقراطية وإصلاح القضاء ووضع دستور جديد يحترم الحريات وحقوق الإنسان حتى يظهر ما استطاع هذا الحزب تحقيقه في مدة قصيرة جدا في وقت عجزت فيه جميع الأحزاب التركية عن تحقيق ما يوازيه في تاريخ تركيا الحديثة، وهو ما يعكس بطبيعة الحال الوجه الحقيقي والناصع لحزب العدالة والتنمية ولإنجازاته.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك