علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني

أثارت تصريحات الغزل المفاجئ لإيران، التي أطلقها البعض من مواقع القرار في الإدارة الأميركية حيرة لافتة للانتباه لدى المتابعين لملف الموضوع الإيراني وتشابكاته التي باتت منذ فترة طويلة الهم الشاغل للإدارة الأميركية الراهنة.

فقد انتقلت إدارة بوش بين ليلة وضحاها من شفير الحرب مع إيران إلى لغة الحوار الدبلوماسي، بعد أن كانت صيحات التهديد باللجوء للعمل العسكري تعلو رويداً رويداً من أجل تحقيق تحول نوعي في ثني إيران عن مواصلة برنامجها النووي، إن كان برنامجاً للأغراض السلمية أو العسكرية على حد سواء.

"
يبدو أن سيناريو الماضي يعيد نفسه هذه المرة مع إيران, فعندما فشلت سياسة العصا والجزرة الأميركية في منع الهند وباكستان من حيازة أسلحة نووية سارعت واشنطن إلى التكيف مع كلٍ منهما بشكل أو بأخر فأصبحتا عضوين في النادي النووي
"
ويبدو أن سيناريو الماضي يعيد نفسه هذه المرة من جديد، فعندما فشلت سياسة العصا والجزرة الأميركية في منع الهند وباكستان من حيازة أسلحة نووية سارعت واشنطن إلى التكيف مع كلٍ منهما بشكل أو بأخر، فأصبحتا عضوين في النادي النووي.

وربما يستطيع المرء إدراك وتلمس وجود تحول في العلاقات الأميركية/الإيرانية بدأت ملامحه المعلنة منذ اللحظة التي أعلنت فيها كوندليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية إمكان افتتاح مكتب تمثيل دبلوماسي للولايات المتحدة في طهران، وأعقبه جلوس وليام بيرنز نائب وزيرة الخارجية الأميركي، الرجل الثالث في الدبلوماسية الأميركية على طاولة مفاوضات مباشرة مع إيران، وللمرة الأولى بجانب خافيير سولانا مندوب الاتحاد الأوروبي وسعيد جليلي مسؤول الملف النووي الإيراني الجديد بعد علي لاريجاني.

وهذا يؤكد حسبما يرى العديد من المراقبين والمتابعين بأن ثمة تحول نوعي في طبيعة العلاقات بين واشنطن وطهران من حيث اللجوء إلى التهدئة المتبادلة، بعد عمليات التصعيد التي شهدت مناورات عسكرية للبحرية الأميركية وتصريحات مسؤولين أميركيين بإمكان استخدام القوة العسكرية لحسم الجدل الإيراني/الأميركي، وبعد المناورات الجوية الإسرائيلية التي جرت فوق أجواء البحر المتوسط من اليونان إلى فلسطين المحتلة، وهي المناورات التي أتمت تمارين قتالية حاكت عملية قصف للمواقع النووية الإيرانية.

إننا أمام مرحلة جديدة في علاقات طهران مع واشنطن، لا تتميز باختفاء منطق صراع المصالح بين الطرفين، بل في كيفية إدارة هذا الصراع والتخفيف من أعبائه التي باتت مجهدة للطرفين

وعليه، فان المؤشرات أعلاه، تؤكد بأننا أمام مرحلة جديدة في علاقات طهران مع واشنطن، لا تتميز باختفاء منطق صراع المصالح بين الطرفين، بل في كيفية إدارة هذا الصراع والتخفيف من أعبائه التي باتت مجهدة للطرفين، كما في محاولة اشتقاق واجتراح سبل جديدة وحلول أفضل لحل هذا الصراع، بوسائل دبلوماسية بدلاً الحرب والتلويح بها، ومن خلال الحوار والتواصل، بدل القطيعة والقصف الإعلامي عن بعد.

وفي عودة أميركية لمسلمات حكمت مسار الدبلوماسية الأميركية وفق مقولة "ليس للولايات المتحدة أعداء دائمين" كما نطقت بذلك وزيرة الخارجية الأميركية مبررة ملامح وبدايات التغيير الذي طرأ على سياسة بلادها حيال إيران، حيث شددت على خيار الدبلوماسية والاحتواء في التعامل مع الجمهورية الإسلامية، بديلا عن سياسة العصا الغليظة ودبلوماسية حاملات الطائرات والعزل والعقوبات والإقصاء.

فضلاً عن أن العقوبات الأميركية تعرقل بشكل واضح محاولات إيران زيادة إنتاجها من النفط والغاز الطبيعي، مما يسهم في ارتفاع أسعار النفط، بينما من شأن تسوية أميركية/إيرانية نهائية أن تزيد بشكل ملموس من تدفق الطاقة النفطية الإيرانية إلى السوق العالمي، ولا شك عندها أن الأميركيين سيفضلون دفع سعر أقل بكثير عند ملء صهاريج وقودهم مما يمكن أن يدفعوه في تمويل صراع أوسع في الخليج.

وانطلاقاً من المعطى إياه، فان كونداليزا رايس أسقطت شروطها السابقة للحوار مع إيران، وأهمها وقف التخصيب أو تعليقه، فجاء دخول الولايات المتحدة المباشر على خط " خافيير سولانا/ سعيد جليلي "، متزامناً مع تصريحات أميركية تحدثت عن قرب استئناف الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين، وعن قرب افتتاح مكتب رعاية مصالح أميركي في طهران.

"
العقوبات الأميركية تعرقل بشكل واضح محاولات إيران زيادة إنتاجها من النفط والغاز الطبيعي، مما يسهم في ارتفاع أسعار النفط، بينما من شأن تسوية أميركية/إيرانية نهائية أن تزيد بشكل ملموس من تدفق الطاقة النفطية الإيرانية إلى السوق العالمي
"
ومن الملفت أيضاً أن الغزل الأميركي، والخطوات المعلنة من واشنطن، جاء بعد أن وافق أقطاب في الكونغرس الأميركي، من الجمهوريين والديمقراطيين، نهاية العام الماضي على طلب الرئيس بوش الحصول على تمويل من أجل تصعيد كبير في العمليات السرية ضدّ إيران، بهدف زعزعة نظامها.

وقد تحدّثت مصادر عديدة ذات صلة بموقع القرار الأميركي عن "مرسوم تنفيذي رئاسي عالي السرية" وقّعه الرئيس الأميركي مؤخّراً من دون إطلاع الزعماء الديمقراطيين والجمهوريين على مضمونه حسبما يقضي القانون الأميركي، مع أنّهم وافقوا عموماً على توجهاته ووافقوا على رصد مبلغ (400) مليون دولار لصالحها، الأمر الذي أقلق هؤلاء الزعماء مرّتين: بسبب عدم ثقتهم في صحة ما يفعله الرئيس بوش في الخفاء، وبسبب تجاهله للأصول القانونية في علاقته بالكونغرس.

ويظهر القلق من حماقة بوش وقد بلغ مداه عندما نطالع ما قاله وزير الدفاع روبرت غيتس عن الضربة التي قد توجهها إدارة بوش لإيران، فقد قال غيتس في اجتماع رسمي: "سوف تخلق (الضربة) أجيالاً من الجهاديين وسوف يتصارع أحفادنا مع الأعداء هنا في أميركا".

هنا، فالسؤال محيّر حقاً، وقد يكون عصياً على التفسير لدى البعض ممن تابعوا ومازلوا يتابعوا تعقيدات الملف الإيراني، والتحول الأميركي الجاري حالياً بالنسبة لمنطق التعامل مع إيران، والحيرة العصية على التفسير ليست قصراً على المحللين والمتابعين السياسيين العرب، بل مست أيضاً تقديرات كل أطياف اللون السياسي الأميركي.

فجون بولتون، الديناصور والقطب الرئيسي في مجموعة أو عصابة المحافظين الجدد، خرج عن طوره حين سمع بأن الرجل الثالث في الخارجية الأميركية وليم بيرنز سينضم إلى زملائه الأورويبين والروس والصينيين إلى طاولة الحوار مع إيران وسيكون على موعد في جنيف، مع سعيد جليلي بصحبة خافيير سولانا ومندوبين على المستوى ذاته، للبحث في مستقبل البرنامج النووي الإيراني، وربما في ما هو أبعد من ذلك وأعمق وأشمل قائلاً إنه " حين تظن أن مخزون الإدارة من الانقلابات على النفس نفد، تفاجئك بانقلاب آخر ".

وفي الجانب الأخر كان المرشح الرئاسي الديمقراطي السابق جون كيري يرحّب بلغة ساخرة " بهذه النطوطات الدبلوماسية ".

أما التبريرات التي ساقتها الإدارة الأميركية لهذه الخطوة فلم تؤد بدورها سوى إلى زيادة طين الغموض بلة. فهي قالت إنها تريد إرسال رسالة قوية إلى إيران بأن الولايات المتحدة ملتزمة النهج الدبلوماسي.

لكن، وطالما أن الأمر على هذا النحو، لماذا كانت واشنطن حريصة طيلة الشهور الماضية على التشديد بأن الخيار العسكري لا يزال على الطاولة برغم تقرير كل أجهزة الاستخبارات الأميركية الذي أكد أن إيران أوقفت العام 2003 برنامجها العسكري النووي؟

ولماذا رصدت (400) مليون دولار للقيام بعمليات أمنية خاصة داخل الأراضي الإيرانية؟ ولماذا شجعت "إسرائيل" على القيام بمناورات جوية نوعية ضخمة فوق أجواء البحر المتوسط وعلى مسافات طالت (2000) كيلومتر من شواطىء فلسطين المحتلة تحاكي الغارات المفترضة على المنشآت النووية الإيرانية؟

وفي اجتهادات التفسير على طرف أخر، يعتقد البعض أن الخطوات الأميركية الجديدة تجاه إيران قد تكون المرحلة ما قبل الأخيرة في التحضير للحرب الأميركية/الإسرائيلية ضد إيران.

"
واشنطن أصبحت تفضل التسوية السياسية وفق نظرية الاحتواء، حيث بات خيار الضربة العسكرية، خياراً فاشلاً بعد أن ثبت فشله في العراق، كما أن خيار قلب نظام الحكم الإيراني من الداخل غير متوافر في الحالة الأميركية/الإيرانية
"
إلا أن هذا الاحتمال يبدو مستبعداً أو ضعيفاً لدى أصحاب الرأي الأخر، فليس لأن واشنطن تخشى "كرة النار وألسنتها المتوقعة" التي حذر منها مدير وكالة الطاقة الذرية محمد البرادعي قبل أسابيع قليلة، ولا لأنها تأخذ تهديدات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد عن رد سيغرق المنطقة ويزلزلها مأخذ الجد، ولكن أيضاً كثير من الواقعيين في أروقة واشنطن ودهاليز صنع القرار الأميركي، وبغض النظر عن سلامة الاستهانة بما لدى طهران، وأذرعها الإقليمية، في مجال الرد على ضربة عسكرية، فلا علاقة للميل إلى استبعاد هذه الضربة بما يمكن أن يكون عليه رد الفعل الإيراني.

فصانع القرار الأميركي يبدو اليوم كلاعب على طاولة الشطرنج يخوض مباراة صعبة تشتد حاجته فيها إلى التمهل (والعد للعشرة) قبل أي مغامرة جديدة، بعد أن ذاق مرارة التعجل والاندفاع في العراق وغيرها، ولذلك فهو يلجأ إلى ما يطلق عليه نهج الـ "نقلات تراكمية" في منطقة شديدة التداخل والتعقيد مع أزمات ذات طبيعة عالمية، نهج يجمع بين السياسة والدبلوماسية والتلويح بالعصا أحياناً، فخصمه الإيراني يفعل الشيء نفسه.

وينحو أخرون للقول بأن واشنطن بعد مشوار متعب من الشد والاسترخاء فيما يخص الموضوع الإيراني، وتهلهل الإجماع الدولي معها، والاصطفاف على الطرف الأخر من رؤيتها فيما يخص عزل إيران واستهدافها خصوصاً من قبل روسيا والصين، أصبحت تفضل التسوية السياسية وفق نظرية الاحتواء، حيث بات خيار الضربة العسكرية، خياراً فاشلاً بعد أن ثبت فشله في العراق، كما أن خيار قلب نظام الحكم الإيراني من الداخل غير متوافر في الحالة الأميركية/الإيرانية، وهو الأمر الذي شجع اندفاع الولايات المتحدة الأميركية إلى اللجوء إلى خيار التسوية السياسية.

عدا عن ذلك فإن بعض صناع القرار في الولايات المتحدة يعتقد بأن الدبلوماسية والحوار أنجزت في محطات هامة ما عجزت عن إنجازه آلة الحرب والدمار، حتى حين يتعلق الأمر بتغيير الأنظمة وتغيير السياسات.

ويرون أن الفائدة الإضافية الطويلة الأمد لخيار التسوية السياسية، ولهذه المقاربة الدبلوماسية الدراماتيكية المختلفة، هي أنها يمكن أن تساعد بشكل فعال من الوجهة الأميركية على إعادة إيران إلى دورها التقليدي في التعاون مع الولايات المتحدة وفق (صيغة ما) لضمان الاستقرار بمنطقة الخليج. خصوصاً مع الموقف الإيراني المعروف حيال تنظيم القاعدة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك