ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني

ـ إسرائيل عائق أساسي أمام التسوية
ـ إشكاليات عملية التسوية إسرائيليا
ـ أزمة التسوية هي أزمة اسرائيل ذاتها

يثير الموقف الإسرائيلي من عملية التسوية العديد من التساؤلات والالتباسات، إذ يمكن القول مثلا بأن إسرائيل تنحو نحو عملية التسوية، كما يمكن قول عكس ذلك. تماما، مثلما يمكن القول إنها تتجه نحو اليسار وهي تتجه نحو اليمين، أو أنها تميل نحو العلمانية مثلما هي تميل نحو التطرف الديني.

ومن الواضح أنه يمكن سرد قائمة طويلة من القرائن التي تؤكد صحة وجهة النظر هذه أو تلك، لذلك ثمة أهمية لتفحص المنظور الإسرائيلي لعملية التسوية من داخله، لإيجاد إجابات مركبة على الأسئلة المطروحة التي تعكس حقيقة التعقيد الحاصل في موقف إسرائيل إزاء عملية التسوية، بالنظر لتكوين هذه الدولة الاستثنائي (غير الطبيعي) ورؤيتها لذاتها ولمصالحها ولمستقبلها، وذلك بدلا من الركون إلى الإجابات المتسرعة والسهلة التي غالبا ما تعكس الرغبات أو المواقف السياسية (الأيديولوجية)، فهذه الطريقة في التفكير هي إحدى معضلات التفكير السياسي العربي السائد.

والمعنى من ذلك أنه من الخطأ التعامل مع ظاهرة مصطنعة مثل ظاهرة الدولة العبرية بصورة يقينية أو تقريرية أو نهائية، فهذه الدولة لم تنضج بعد من النواحي المجتمعية والسياسية والثقافية للتحول من دولة وظيفية بذاتها إلى دولة طبيعية لذاتها، وطالما أنها لم تنضج لتسوية أوضاعها الداخلية فهي بالضرورة لم تنضج إلى الدرجة المناسبة للدخول في تسوية مع محيطها.

والمشكلة أن العديد من المحللين أو المتابعين في الساحة العربية لا يدركون أبعاد الخلافات الإسرائيلية لا سيما المتعلقة بعملية التسوية، فثمة من ينظر إليها باعتبارها مجرد تمثيلية، وثمة من يعدها مجرد خلافات سطحية عابرة لا تستحق أن تؤخذ بعين الاعتبار لا في إستراتيجيات الصراع ولا في تكتيكاته.

إسرائيل عائق أساسي أمام التسوية
"
يمكن تفسير الإحجام الإسرائيلي عن الاستجابة لاستحقاقات عملية التسوية بانقسام المجتمع الإسرائيلي على نفسه في هذا الموضوع
"
اللافت في هذا الموضوع أن المعارضة الإسرائيلية للتسوية خاصة مع الجانب الفلسطيني احتلت المشهد السياسي الإسرائيلي منذ عقد مؤتمر مدريد للسلام (1991)، خاصة منذ عقد اتفاق أوسلو (1993) وإلى الآن.

وطيلة هذه المرحلة اتضح أن إسرائيل أعاقت هذه العملية للتملص من استحقاقاتها أكثر كثيرا مما أعاقها الطرف الفلسطيني (والعربي عموما)، وذلك على خلاف الانطباع السائد في الساحة العربية بأن إسرائيل تلهث وراء التسوية.

المفارقة هنا أن هذه التسوية التي تعد مجحفة بالمعايير التاريخية والقانونية والسياسية والأخلاقية بحق الفلسطينيين تلقى مقاومة عنيدة من بعض الاتجاهات في إسرائيل المحسوبة على تيار اليمين والوسط (الديني والقومي)، التي ترى في التسوية المتضمنة مجرد الانسحاب من معظم الأراضي الفلسطينية المحتلة والاعتراف بحق الفلسطينيين في إقامة دولة لهم فيها انحرافا عن الصهيونية وكارثة ربما تودي بإسرائيل.

ويمكن تفسير الإحجام الإسرائيلي عن الاستجابة لاستحقاقات عملية التسوية بانقسام المجتمع الإسرائيلي على نفسه في هذا الموضوع، فرغم الاجماع حول أمن إسرائيل وهويتها اليهودية ورفض حق العودة للفلسطينيين والتمسك بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل والعلاقة مع الولايات المتحدة، ثمة طيف واسع من الخلافات بشأن مساحة الأراضي التي ينبغي الانسحاب منها وقضايا الحدود والمستوطنات والدولة الفلسطينية والتعاون الإقليمي.

بالنسبة التيارات اليمينية القومية والدينية في إسرائيل، فإن عملية التسوية تفترض ترسيم حدود إسرائيل الجغرافية والبشرية والسياسية، ما ينتهك مبررات وجودها الأيديولوجية الصهيونية والأسطورية، وما ينتقص من دورها السياسي الوظيفي المفترض بتحويلها إلى مجرد دولة عادية في المنطقة.

وهذه التيارات تركز على إعلاء شأن الصراع العربي الإسرائيلي (الخارجي) وعلى التعبئة الأيديولوجية الصهيونية، والاستيطان باعتباره قيمة عليا، وعلى قوة إسرائيل وفرادتها في المنطقة، وعلى أرض إسرائيل الكاملة مقابل دولة إسرائيل، وعلى الشعب اليهودي مقابل شعب إسرائيل.

وهي تنطلق في مواقفها من أن إسرائيل قادرة على فرض التسوية (تسوية الأمر الواقع على العرب) بوسائل القوة والإملاء.

وأما بالنسبة للمشروع الشرق أوسطي فهذه التيارات لا ترى أي ميزة بالتعاون الإقليمي للدرجة التي تفرض على إسرائيل تقديم تنازلات معينة مقابله، بحكم علاقات إسرائيل الدولية وتقدمها الاقتصادي، وهي ترى أن على الولايات المتحدة ألا تتدخل في شؤون إسرائيل التي لا تدين لها بشيء، بل على العكس فإن الولايات المتحدة الأميركية هي التي تدين لإسرائيل.

في المقابل، اتضح طيلة المرحلة الماضية أن اليسار في إسرائيل (كما تمثل بحزب العمل) غير ناضج تماما لعملية التسوية، وأنه تبناها للتكيف مع المتغيرات الدولية والإقليمية ومع الإستراتيجية الأميركية في المنطقة، لانتزاع أكبر قدر من المكاسب والمكافآت من العرب ومن الولايات المتحدة، مقابل الانسحاب من الأراضي المحتلة على شكل قبول العرب برواية إسرائيل للصراع في المنطقة والدخول معها في علاقات وترتيبات أمنية وسياسية واقتصادية وأمنية ثنائية وإقليمية، وتعزيز العلاقة الإسرائيلية الأميركية.

وهذا التيار ينطلق في دعمه للتسوية من واقع الحفاظ على إسرائيل وهويتها اليهودية وصورتها الديمقراطية، وهو يرى أن الانسحاب من الأراضي المحتلة يجنب إسرائيل المخاطر الديمغرافية الناجمة عن وجود 3.5 ملايين عربي في الضفة والقطاع، ويحافظ على نقاوة الدولة اليهودية، ويخلصها من الأعباء السياسية والأمنية والأخلاقية الناجمة عن الاحتلال.

هذا فضلا عن أن هذا الاتجاه، وبسبب من تطورات العولمة الاقتصادية والتغير في عناصر القوة لدى الدول، لم يعد يرى أن مساحة الدولة مهمة لاستقرار إسرائيل وازدهارها، بقدر ما بات يرى ذلك في ميدان التطور الاقتصادي والتكنولوجي والعلمي، خاصة بعد أن ضمنت الولايات المتحدة أمن إسرائيل وتفوقها في المنطقة.

ومعنى ذلك أن المقاربة البرغماتية لهذا الاتجاه، التي تنبني على الاستعداد للانسحاب من معظم الأراضي الفلسطينية المحتلة والاعتراف بالشعب الفلسطيني بما في ذلك حقه في إقامة دولة مستقلة ليس لها علاقة بالمصالحة التاريخية أو بمفاهيم الحق والعدالة، بقدر ما تتعلق بحسابات السياسة الدولية والإقليمية ومصالح إسرائيل باعتبارها دولة يهودية.

إشكاليات عملية التسوية إسرائيليا
"
عملية التسوية مع الطرف الإسرائيلي ليست عملية سهلة أو عملية مسلما بها، فثمة إشكاليات عديدة تعاني منها إسرائيل تجعلها حذرة وأميل إلى الإحجام عنها
"
من كل ذلك يتبين أن عملية التسوية مع الطرف الإسرائيلي ليست عملية سهلة أو عملية مسلما بها، فثمة إشكاليات عديدة تعاني منها إسرائيل تجعلها حذرة وأميل إلى الاحجام عنها، ولعل أهم هذه الإشكاليات تكمن في الجوانب التالية:

الإشكالية الأولى تتعلق بترابط الاستحقاقات الداخلية والخارجية، فعملية التسوية خاصة مع الفلسطينيين تتطلب تعريف إسرائيل لحدودها وهويتها ودورها في المنطقة، ما يفسر تعقيدات هذه العملية وتحولها بمعنى ما إلى قضية إسرائيلية داخلية.

فالانسحاب من الأراضي الفلسطينية يقوض خرافة "أرض الميعاد"، كما أن الاعتراف بالشعب الفلسطيني يقوض خرافة "أرض بلا شعب"، وهذا يعني مراجعة إسرائيل لمبررات وجودها وقطعها مع ركيزتين من ركائز الصهيونية التقليدية.

ولذلك يبدو النقاش حول عملية التسوية وكأنه نقاش يخص الإسرائيليين أنفسهم، أو وكأنه نقاش داخلي لا علاقة للأغيار به.

الإشكالية الثانية تنبع من الطابع التاريخي والسياسي الملتبس للدولة العبرية، فهذه الدولة لم تنشأ بنتيجة التطور الطبيعي للتجمع اليهودي في فلسطين، وإنما قامت بفعل عمليات الهجرة الاستيطانية الإحلالية إلى فلسطين، ونشأت رغم إرادة أهل الأرض الأصليين، وبفضل عوامل القوة والهيمنة والمساعدة الخارجية.

وبسبب من كونها دولة غير طبيعية من الناحية التاريخية فإن سعيها لإيجاد أجوبة حاسمة على الأسئلة الجوهرية المطروحة عليها، وضمن ذلك سؤال عملية التسوية، يواجه صعوبات وتعقيدات كبيرة تختلف كثيرا عنها لدى الدول العادية.

الإشكالية الثالثة، وهي مرتبطة بطبيعة النظام السياسي الإسرائيلي، فأي حزب ولو كان في الحكم لا يستطيع الحسم بالقضايا المصيرية، وضمنها عملية التسوية (بوضعها النهائي)، دون إجماع مناسب.

لذلك شهدنا أن الطرف الذي يرفض التسوية والانسحاب من الأراضي المحتلة (أي الليكود)، لم يعمد ألبتة لضم أراضي الضفة والقطاع، في حين أن الطرف المؤيد للتسوية (أي حزب العمل) لم يحسم أمره بالانسحاب، وتمكين الفلسطينيين من إقامة دولتهم في الضفة والقطاع، ما أدى إلى عدم الحسم في هذا الموضوع.

ومن المعلوم أن إسرائيل استثمرت اللعبة الديمقراطية فيها، للتملص من عملية التسوية والإطاحة بها، من انتخابات مبكرة إلى أخرى.

"
إسرائيل استثمرت اللعبة الديمقراطية فيها للتملص من عملية التسوية والإطاحة بها، من انتخابات مبكرة إلى أخرى
"

الإشكالية الرابعة ناجمة عن أن الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين يكتسب طابعا فريدا في نوعه، فالصراع هنا ليس بين الشعب الفلسطيني والدولة الإسرائيلية المغتصبة أو المحتلة فحسب، وإنما هو أيضا صراع مع مجتمع هذه الدولة، الذي يتماهى مع أيديولوجيتها وسياساتها.

وهذا الصراع لا يقتصر على الجوانب العسكرية أو الاقتصادية أو الأراضي، وإنما يشمل الرموز والرواية التاريخية.

وفي الإدراك الإسرائيلي يبدو ذلك كأنه صراع على الأرض نفسها، وعلى الوجود (يختلف عن الانسحاب من سيناء أو الجولان أو جنوب لبنان).

وتدل التجارب على أن المجتمعات الاستيطانية المصطنعة، خاصة منها المجتمعات الأيديولوجية (القومية والدينية) العنصرية، تحتاج إلى وقت كبير وإلى تجاذبات وضغوط عاتية وإلى مقاومة مستمرة حتى تستطيع حسم خياراتها، كما تؤكد التجارب أن البنى والدوافع الداخلية وحدها تشكل شرطا ذاتيا لازما، ولكنه ليس كافيا لعملية التغيير التي تحتاج أيضا إلى عوامل دفع وضغط خارجية إلى الدرجة المناسبة، التي تفقد إسرائيل عناصر قوتها أو التي تصل إلى حد تهديد مصالحها، ما يجبر هذه المجتمعات المتغطرسة على مراجعة خياراتها وسياساتها.

هذا ما حصل في الجزائر وفي جنوب أفريقيا، وهذا ينطبق على إسرائيل إلى حد كبير، كما بينت التجربة، ما يؤكد أن عملية التسوية هي عملية صراعية بحد ذاتها.

الإشكالية الخامسة، وتنبع من أن إسرائيل تستمد غطرستها في عملية التسوية من تفوقها العسكري والاقتصادي وانتمائها للغرب، ومن تغطية أقوى دولة في العالم (الولايات المتحدة) لسياساتها وأمنها وتفوقها في المنطقة.

وهذه الإشكالية تنبع أيضا من طبيعة إسرائيل التي نشأت في إطار المشاريع الإمبريالية الرامية للسيطرة على المنطقة العربية، وفي الواقع فإن هذه الوظيفة السياسية بين عوامل أخرى (دينية وثقافية وتاريخية)، أكدت دعم الغرب لإسرائيل وضمان استقرارها وتطورها.

وثمة وجهة نظر في إسرائيل مفادها أن عملية التسوية قد تؤدي إلى تآكل الدور السياسي الوظيفي لإسرائيل، وتحويلها إلى دولة عادية، وهو الوضع الذي يحاول حزب العمل تداركه من خلال تأييد التسوية، وفي الوقت نفسه العمل على تعظيم الامتيازات الإسرائيلية فيها، إلى جانب تقوية مركز إسرائيل في الترتيبات الإقليمية وإدخال تحويلات فيها لمواكبة مسارات العولمة.

أزمة التسوية هي أزمة إسرائيل نفسها

"
إسرائيل بوضعها هذا ستبقى عقبة كأداء أمام عملية التسوية، وهو ما ينبغي وضعه بعين الاعتبار وعدم الاتكال على مقولة أن التسوية هي مصلحة خالصة لإسرائيل
"
هكذا يمكن الاستنتاج من كل ما تقدم بأن إسرائيل (بوضعها هذا) ستبقى عقبة كأداء أمام عملية التسوية، وهو ما ينبغي وضعه بعين الاعتبار، وعدم الاتكال على مقولة أن التسوية هي مصلحة خالصة لإسرائيل.

على ذلك، وفي المدى المنظور، لا يبدو أن إسرائيل مستعدة للتساوق تماما مع عملية التسوية، بمعنى القطع مع طبيعتها العنصرية والاستيطانية والاحتلالية والوظيفية، ولا مع خطابها الأيديولوجي، رغم محاولاتها التكيف مع المتغيرات الدولية والإقليمية، (من قبل بعض الاتجاهات فيها).

والواقع، وإزاء وضعها الصعب هذا، فإن إسرائيل فقط تبحث عن صيغة وسط (كما يحاول حزب العمل وحلفاؤه)، تمكنها من تحقيق التعايش بين طرفي المعادلة، دون أن تؤدي إلى اهتزاز المجتمع الإسرائيلي، وفقدان صدقية المشروع الصهيوني، إن بالنسبة للمستوطنين أو بالنسبة لليهود، أو بالنسبة لمصداقية دورها السياسي في المنطقة لدى الدول الغربية.

لذلك فإن إسرائيل (بوضعها هذا) ستبقى هي العقبة الأساسية أمام عملية التسوية، وأمام الترتيبات الإقليمية الجارية، بسبب عدم نضج أوضاعها الداخلية لمثل هذه العملية المصيرية، وبسبب الانعكاسات الكبيرة للتسوية العملية على هذه الدولة الاستثنائية المصطنعة، من النواحي السياسية والاقتصادية والمجتمعية والثقافية.

وعليه فإن أزمة التسوية في المنطقة هي إلى حد كبير أزمة إسرائيل نفسها، كما أنها أزمة السياسة في المنطقة العربية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك