أحمد ولد هارون ولد الشيخ سيديا

أي بنية تحتية للديمقراطية الموريتانية؟
ديمقراطية الثالث من أغسطس ونواقصها
ديمقراطية توافقية أم فوضى سياسية؟

تجد موريتانيا السياسية صعوبة بالغة في صنع بنية تحتية للحكم السياسي الديمقراطي، تماما كما عجزت من قبلُ عن صنع بنية تحتية لنظام استبدادي مستقيم.

وبات من البيّن بنفسه، بعد التدخل العسكري الأخير وما سبقه من محاولة لتصفية قواد الجيش سياسيا وعسكريا، أن النظام (السياسي العسكري) القائم في موريتانيا منذ عقود قد دخل مرحلة جدّية من إعادة التشكُّل والتكيف مع ما قام به من "صنْعة ديمقراطية" جذرية ومفتوحة.

فممّا لم تستطع المؤسسات السياسية والإدارية والجماهيرية والأمنية استيعابه خلال الأزمة الحكومية الأخيرة، أن المنازلة السياسية قد انتقلت -وربما لأول مرة- من الميدان الشعبي والإعلامي والسوق السياسية السوداء إلى عمق السلطتين التشريعية والتنفيذية، مع توريط واضح لرئيس الجمهورية وامتداد ملاحظ إلى المؤسسة العسكرية.

إلا أنه كان منتظرا من كل سياسي ديمقراطي أو باحث جدّي في موريتانيا أن يتحرَّج من التفريط ولو جزئيا في تلك التجربة الديمقراطية الصعبة، وما أفرزته من مؤسسات مُجْمَع على صحة انتخابها.

لكن الحاجز النفسي والهالة القدسية التي كانت تحيط بديمقراطية الثالث من أغسطس/ آب 2005 ومنتجاتها قد ولت منذ الأزمة الحكومية الأخيرة إلى غير رجعة، تماما كما وقع لديمقراطية 21 يوليو/ حزيران 1991.

"
بدا أن التجربة الديمقراطية الأخيرة في موريتانيا لم تكن قادرة على الإنتاج السياسي ولا مهيأة لتدبير الأزمات، مما يطرح أكثر من إشكال إزاء المقومات القارّة والعناصر الأولية للبناء الديمقراطي في موريتانيا
"
كمْ ناظرٍ حينها من خارج تلك الأزمة الحكومية وقائلٍ إنها الممارسات الطبيعية والتجاذبات الصحية للديمقراطيات الناشئة. لكن، بموازنة سريعة بين الأسباب والأساليب والآثار، لا يجد المرء أي تناسب بين عزم مجموعة من النواب سحب الثقة عن حكومة معينة، وما تلا ذلك من تنديدات وتهديدات ودعوات الاستقالة والإقالة:

ـ رئيس الجمهورية يندد في خطاب رسمي إلى الأمة بعزم النواب حجب الثقة عن الحكومة ويهددهم بحل الجمعية الوطنية.

ـ رئيس المعارضة الديمقراطية يطالب باستقالة الرئيس المنتخب ويصفه بالعجز وفقد القيمة المعنوية، ويقول إن الحوار مع قادة المؤسسة العسكرية أفضل من الحوار معه.

ـ رئيس الحزب الثاني في المعارضة التقليدية يدعو إلى إقصاء الجيش من المسألة السياسية.

- خمسة أحزاب سياسية تحذر من وقوع حرب أهلية في البلاد.

ـ عشرات المقالات والتصريحات الداعية إلى تدخل الجيش في المسألة السياسية وأخرى تدعو إلى إقصائه منها وسد الطريق أمامه.. حتى بلغ الأمر بأحد المنظرين أن دعا إلى مثلِ ثورة القَرَنْفُل (La révolution des Œillets) التي أطاح الجيش البرتغالي إثْرها بالحاكم الفاشي مارسيلو كايتانو (Marcelo Caetano) سنة 1974!

لقد بدا أن التجربة الديمقراطية الأخيرة في موريتانيا، وبعد خمسة عشر شهرا من دخولها حيز التنفيذ، لم تكن قادرة على الإنتاج السياسي ولا مهيأة لتدبير الأزمات، مما يطرح أكثر من إشكال حول المقومات القارّة والعناصر الأولية للبناء الديمقراطي في موريتانيا.

أي بنية تحتية للديمقراطية الموريتانية؟
قبل ثلاثة أعوام، كانت موريتانيا السياسية قد أكملت عامها الرابع عشر من السير المضطرد لـ"صنْعة ديمقراطية" أخرى، ممنوحة من قبل الجيش ومحكومة من طرف نظام مركزي مسيطر على المشهد السياسي بأكمله. عمادُه في ذلك حزمة هشة من الأدوات الديمقراطية وغير الديمقراطية:

ـ طاقات قبلية وعرقية وجهوية معبأة -سطحيا- في طبقات حزبية ومشجعَة على التنافس داخل الأغلبية.

ـ إدارات عمومية وتمويلات أجنبية توضع تحت تصرف أحد رجالات السياسة، فيستخفّ بها مجموع الناخبين في قبيلة بأكملها أو مقاطعة أو حتى ولاية فيطيعوه.

ـ تعامل النظام مع الدول والقوى الأجنبية كما يتعامل مع المجموعات القبلية والجهوية والعرقية: كلما فقد ولاء قوة دولية يعوضها بأخرى.

ـ من وراء هذا كله حاكم سياسي يجمع بين الرئاسة الدستورية والقيادة المباشرة للمؤسستين العسكرية والأمنية. هذا مع استبعاد مبدئي وغير رسمي لأي تناوب سياسي على هرم السلطة.

وعلى الرغم من بدائية العناصر السابقة وهشاشتها، فإنها ظلت كفيلة بإخضاع رقاب مئات من "الساسة الهُواة" المنتظمين في عشرات من الأحزاب السياسة، يمارسون من الموالاة والمعارضة ما لا يتجاوز تقوية النظام المركزي القائم وتجميل صورته التعددية في ظل حكم سياسي ديمقراطي الشكل.

وكان الخاسر في ذلك كله الدولةَ والشعب، اللذين عانيا وما زالا يعانيان من أقصى مراتب التخلف والغبن والجهل والجوع.

ديمقراطية الثالث من أغسطس ونواقصها

"
من أكبر نواقص ديمقراطية الثالث من أغسطس/ آب الاعتماد على تلك الطبقة السياسية التي كانت ولا تزال -ببنيانها وعناصرها الحالية– تشكّل خطرا وعائقا حقيقيا أمام أي تحديث سياسي منتج
"
مرت ديمقراطية الثالث من أغسطس/ آب 2005، التي جاءت كسابقتها على شكل منحة عسكرية، بمرحلتين رئيستين:

المرحلة الاستعراضية: (مع شيء من التجوُّز) وتتلخص في عامين من الخطاب الديمقراطي الطوباوي الوجداني. استُعرض فيها من أساليب الانفتاح السياسي وساد من أفانين الحوار والتشاور ما لا يسود إلا في أعتى قلاع العالم الديمقراطي.

ومع تقديم هذه المرحلة لنقاط جدية وجوهرية معروفة ومسلَّم بها داخليا وخارجيا، إلا أن خطأين إستراتيجيين أصاباها بضعف واعوجاج:

أولها تفويت فرصة كانت سانحة لوضع مشاريع دولة كبرى ذات مدى كبير ومتوسط (إدارية واقتصادية واجتماعية)، تكون محل إجماع وطني مقدس ومنفصل عن التطورات الانتخابية والتجاذبات السياسية الماضية والمستقبلية.

وثانيها إقصاء الدولة كجهاز سياسي من العمليتين التشاركية والتداولية إقصاء تاما، ليقتصر الحضور والتمثيل في هذه الفترة على ثلاثة أطراف:

ـ مجلس عسكري يبحث عن مخرج سياسي وتاريخي وأخلاقي للانقلاب العسكري والجيش الموريتاني.

 ـ شركاء دوليون، من ممولين ومراقبين وربما مشاركين في المشروع السياسي من رأسه.

ـ طبقة حزبية تعاني من الكبْت الديمقراطي والإنهاك المؤسسي، تطمح إلى اكتساب ما أمكن من منحة العسكر السياسية.

إن من أكبر نواقص ديمقراطية الثالث من أغسطس/ آب الاعتماد على تلك الطبقة السياسية التي كانت وما زالت -ببنيانها وعناصرها الحالية– تشكّل خطرا وعائقا حقيقيا أمام أي تحديث سياسي منتج.

المرحلة التقشفية: (مع كثير من التجوُّز أيضا) وقد ابتدأت بانتهاء الفترة الانتقالية وانتهت بالتدخل العسكري الأخير. وتميزت بالجمود والضعف والتقشف السياسي:

ـ كلما حدث تغير في سعر مادة أو وقع حادث أمني بسيط أو صرح حزب سياسي تصريحا جديدا، تهتز الدولة ويتزعزع المشهد السياسي والإعلامي.

- عانت السياسة من الجمود والعقم إثر محاولة الرئيس السابق في بداية مأموريته إبعاد الرئاسة والحكومة عن السياسة وتحصيل الإجماع والتشاور في كل شاردة وواردة كأنما هي فترة انتقالية أخرى.

ـ أفرط معظم الأحزاب والشخصيات السياسية في التقرب من الرئيس المنتخب ومحاولة المشاركة في الغنيمة الأولى للديمقراطية، إثر إفلاس ملاحظ في المادة السياسية لهؤلاء، بعد أن تبنى النظام ملف المبعدين والرق والديمقراطية وحقوق الإنسان، ملوحين في كل مناسبة بأن لا حلّ لما تمر به البلاد من أزمات سوى تعيين حكومة وحدة وطنية.

ـ قيام الرئيس السابق بمحاولات شاقة لإعادة تنظيم الأغلبية وتوسيع مجالها، مما أدى إلى تغيّر متسارع لملامح الوجه السياسي برمّته وأتى بالنتائج العكسية والأزمة السياسية التي أدت إلى تدخل الجيش في السادس من أغسطس/ آب 2008.

ديمقراطية توافقية أم فوضى سياسية؟

"
هل تتجه موريتانيا نحو منحة عسكرية ثالثة أم فوضى سياسية، أم أن البلد يتجه نحو ديمقراطية توافقية بين طبقة سياسية مدنية ومؤسسة عسكرية متسيسة؟
"
تلخصت عوائق البناء الديمقراطي ومآزقه في الفترة الأخيرة في ثلاث نقاط:

ـ عدم وجود هيئة أو هيئات عليا مخولة دستوريا وعمليا رعاية التحول الديمقراطي الجذري والربط بين فتراته، وإعادة توجيه البنية السياسة التحتية وترميمها.

ـ عدم وجود مرجعية سياسية مركزية للدولة كفيلة بتحكيم وضبط النشاط المتذبذب للطبقة السياسية وقادرة على تدبير الأزمات.

ـ عدم وجود إنتليجانسيا فكرية قادرة على تنوير العملية الديمقراطية وإنضاجها.

لكن مطالبة الفاعلين السياسيين المتتالية، خلال الأزمة الحكومية الأخيرة، بإجراء خطوات جذرية كاستقالة الرئيس وحل الجمعية الوطنية وتدخل الجيش وتعديل الدستور.. لم تكن إلا تشجيعا منهم لدخول البلاد في جو استثنائي ومناخ انتقالي جديد، رغبة في إجراء تحديث سياسي كبير ستكون مشروعيته مرهونة بمباركتهم ومشاركتهم.

أو رغبة من هؤلاء في إجراء انتخابات سابقة لأوانها احتسابا لنتائج حزبية اكبر.

لكن الخروج من نظام ديمقراطي قد دخل حيز التنفيذ إلى نظام ديمقراطي آخر، لا يكون إلا بنوع من الاتفاق بين الفرقاء والأطراف السياسيين العاملين ضمن النظام الأول. وللديمقراطية التوافقية وجهان:

الأول أن تكون تجربةٌ ما قد بلغت من النضج والرسوخ ما يخولها إعادة إنتاج نفسها.. وتلك مرحلة راقية من التطور الديمقراطي (إنجلترا، وفرنسا، وأميركا..).

والثاني أن تبلغ التجربة من الضعف والركود أو التوتر ما يجعلها بحاجة إلى مبادرة قوية ومراجعة توافقية للخروج من المأزق، فتكون المبادرة أجنبية (لبنان، وزمبابوي، والسودان..) أو داخلية (المغرب، والجزائر).

فهل تتجه موريتانيا نحو منحة عسكرية ثالثة، أم فوضى سياسية، أم أن البلد يتجه نحو ديمقراطية توافقية بين طبقة سياسية مدنية ومؤسسة عسكرية متسيسة؟
_________
كاتب موريتاني

المصدر : الجزيرة

التعليقات