نبيل شبيب

نبيل شبيب

كاتب وباحث إسلامي

مشاهد متبدلة
المقاومة الفلسطينية
الثغرة اللبنانية
سوريا بين السلام والحرب
رؤية غائبة إقليميا

الأخطاء والأخطار تحاصر ما يسمى محور المقاومة والممانعة، والمسؤولية كبيرة على من يشارك في الحصار، وفي الوقت الحاضر تختلف المشاهد عمّا كانت عليه قبل عامين أو بضعة أعوام، آخرها مشهد اتفاق التهدئة بين حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحكومة أولمرت الإسرائيلية.

وقبل فترة وجيزة كان اتفاق الدوحة، وقد تبعته -بعد انتخاب رئيس الجمهورية أولا، وفق طلب "الموالاة"- عراقيل جديدة في وجه تنفيذ بنود تشكيل الحكومة بحصص معينة وهو طلب "المعارضة".

وواكب هذا وذاك مسلسل مفاوضات غير مباشرة بوساطة تركيا بين حكومة أولمرت الإسرائيلية وحكومة الأسد السورية، وسط تمنيات بعقد سلام تطبيعي.

كذلك يختلف المشهد الإيراني الآن عما كان عليه، فاختلط فيه صخب المناورات العسكرية الإسرائيلية مع سخاء المحفزات بديلا عن تخصيب اليورانيوم، كما اختلط توجيه الضربات لأنصار إيران في العراق مع تبادل عبارات الود أثناء استقبال رئيس الوزراء العراقي في إيران خلال المفاوضات على اتفاقية احتلال طويل الأمد مع الأميركيين.

مشاهد متبدلة

"
المشاهد الراهنة بالمنطقة توحي بأن أطراف المقاومة والممانعة تريد إظهار استعداد لحلول وسطية تسحب البساط من تحت أقدام مصدر التهديد الأول بالإقدام على مغامرة عسكرية أو حرب استباقية أخيرة قبل فوات الأوان 
"
هل يمكن تثبيت معالم صورة متكاملة لما يجري؟.. إذا استثنينا المسألة الإيرانية التي تتطلب تفصيلا أطول، وتجنبنا الخوض في النوايا، واعتبرنا ما يوصف بمحور المقاومة والممانعة محورا فعلا.

فالمشاهد الراهنة تؤكد للوهلة الأولى على الأقل أحد أمرين، إمّا تراجع انفرادي من بعض مكوناته بصورة تؤثر عليه بالمجموع، أو تفاهم ما على سياسة "تكتيكية" في هذه المرحلة، وهي التي يربط كثيرون فيها ما يجري بحرص مشترك على انتظار يوم مغادرة رئيس الحروب الاستباقية الأميركية بوش الابن كرسي الرئاسة.

بتعبير آخر كأنما تريد أطراف المقاومة والممانعة إظهار استعداد لحلول وسطية تسحب البساط من تحت أقدام مصدر التهديد الأول بالإقدام على مغامرة عسكرية أو حرب استباقية أخيرة قبل فوات الأوان، سواء استهدفت بها إيران أو سورية!

هذا للوهلة الأولى، لكن يقتضي الأمل فيما بقي من مقاومة في الساحة بعد كل ما شهدته السنوات الماضية من حروب الهيمنة وانكساراتها.. يقتضي ترجيحَ تفسير آخر للمشاهد الظاهرة للعيان.

المقاومة الفلسطينية التي أصبحت حماس في مقدمتها، لا تملك خيار التراجع، فالتراجع يعني النهاية، ليس لحركات المقاومة تحديدا، فهذه إن غابت يظهر سواها، إنما للمقاومة "الحالية" لتصفية قضية فلسطين، وقد بدأت المرحلة الأخيرة لهذا الغرض منذ فترة، ولم يؤخرها سوى العجز عن التخلص من المقاومة.

فتراجعها يمكّن من خطوات جديدة اكتملت الاستعدادات لها، إقليميا ودوليا، بدءا بتكرار التشبث بما يسمى مبادرة بيروت مما لم يشهد استثناءً في قمة دمشق الأخيرة، مرورا بمشروع "الاتحاد من أجل حوض المتوسط"، تعويضا عن مشاريع "شرق أوسطية" سبقته وأخفقت، وانتهاء بتجاوز عقبة الجولان بصيغة تحقق لسوريا نصر استرجاعها -مقيدا- لينتهي الدور السوري في عرقلة "سلام تطبيعي شامل"، حتى قبل أن تجد قضية فلسطين نفسها تطورا ما ولو هزيلا تحت عنوان إقامة دويلة، ويتكامل مع ذلك السعي لتجميد طاقة منظمة حزب الله، وتحييد إيران كطرف مؤثر في القضية المصيرية المشتركة.

المقاومة الفلسطينية
من العسير القول بناء على اتفاق التهدئة بتراجع المقاومة، لكن الخطر فيما يوصف باستراحة المحارب، أكبر على فصائل المقاومة من خطر الاستمرارية مع البذل والتضحيات. ويمكن أن تدفع فصائل المقاومة هذا الخطر بشروط:

1- المطلوب من التهدئة كسر الحصار الطويل ووقف العدوان اليومي، وكانت الموافقة عليها بعد أن كاد الحصار ينكسر بوسائل أخرى، ومع إخفاق العدوان اليومي في كسر الإرادة الشعبية الفلسطينية، ولا بد لفصائل المقاومة من حصر أهداف التهدئة في هذا الإطار، والاستعداد لمتابعة فعاليات المقاومة في أي لحظة يفرضها العدو الإسرائيلي.

2- جميع الجهات الساعية لسلام تطبيعي، ستعمل على تصوير اتفاق التهدئة وكأنه اتفاق "سلام" على غرار ما أقدم بعضها عليه ويريده بعضها الآخر، مع أنها أقل من "هدنة عسكرية" ناهيك عن أن تكون اتفاق سلام.

فوصمها بذلك وسيلة لنزع الثقة الشعبية في فلسطين وخارجها بفصائل المقاومة ومسيرتها، وهذا مما يفرض عليها حرصا كبيرا على متابعة التحامها الوثيق بالشعب واحتياجاته كما كان منذ نشأتها الأولى، وجهدا متميزا لتثبيت الصبغة الحقيقية لاتفاق التهدئة مع استمرار التمسك بنهج المقاومة.

3- العدو الإسرائيلي يعلن بوضوح الإعداد لعملية عسكرية كبرى من باب "الاحتياط" بزعمه، للإقدام عليها إذا أخفقت التهدئة، أي سيختلق الذرائع لمثل تلك العملية إذا قرر الإقدام عليها فعلا.

وهذا مما يؤكد ضرورة أن تستغل المقاومة "استراحة المحارب" -كما يقال- لمضاعفة قدرتها على مواجهة أي عمل عسكري إسرائيلي، وأن ترفض رفضا قاطعا الأصوات التي تريد أن تنتزع منها حق متابعة الاستعداد وتقبُّل أن يكون حكرا على الطرف الإسرائيلي.

الثغرة اللبنانية

"
لا يبدو الخطر ماثلا في احتمال ضعيف أصلا لانحراف فصائل المقاومة الفلسطينية، قدر ما هو ماثل في التمكن من إسقاط ورقة المقاومة اللبنانية من الحسابات السياسية والأمنية في المنطقة بتجميد طاقاتها وحصارها بشكل أكبر
"
لا يبدو الخطر ماثلا في احتمال ضعيف أصلا لانحراف فصائل المقاومة الفلسطينية، قدر ما هو ماثل في التمكن من إسقاط ورقة المقاومة اللبنانية من الحسابات السياسية والأمنية في المنطقة بتجميد طاقاتها، فالتركيز الأكبر عليها لم ينقطع رغم اتفاق الدوحة، ومعطيات حصارها أكبر، ولا يزال العمل متواصلا لتعزيزها، ومن أسباب ذلك:

1- الأرضية الطائفية التي تجري صناعتها على قدم وساق في المنطقة عموما، وليس في لبنان تخصيصا، أرضية بالغة الخطورة على العلاقة بين المقاومة، وهي هنا منظمة حزب الله، وبين الاستناد إلى تأييدها شعبيا في لبنان وخارج حدوده، وتساهم في تعزيز الخطر تلك الأخطاءُ المرتكبة من جانبها، ومن جانب أطراف فاعلين في صناعة أحداث العراق من داخل حدوده ومن أرض إيران.

2- قد لا تتخلى سوريا رسميا ولا واقعيا عن علاقاتها بإيران، وهو المطلب الحقيقي مقابل استرجاع الجولان، ولكن ليس من المستبعد أن تعيد صياغتها، وأن يكون ذلك على حساب القيام بدور صلة وصل بين إيران ومنظمة حزب الله.

ولئن كانت المصلحة المشتركة هي التي حافظت على هذا الدور حتى الآن، فقد يؤدي افتراق المصالح إلى نهايته، تحت عنوان الجولان، وهو ما لا يؤثر على سوريا آنذاك قدر ما يؤثر على المقاومة اللبنانية.

3- لا تزال القوات الإسرائيلية تحتفظ بمزارع شبعا رغم أن قيمتها العسكرية لم تعد قائمة، وقد تنسحب منها في لحظة تختارها من أجل مضاعفة الضغوط على المقاومة اللبنانية، إذ سينتقل الحوار الداخلي اللبناني آنذاك على مستقبل سلاحها، من حديث عن ضرورته للتحرير إلى حديث عن ضرورته للحفاظ على قوة ردع تجاه عدوان محتمل.

كما أن الانسحاب من شبعا يمكن أن يعطي سوريا في حال الانسحاب من الجولان ذريعة للتخلي بالفعل عن دور صلة الوصل بين إيران ومنظمة حزب الله.

4- ساهمت أخطاء المنظمة إسهاما كبيرا في تعزيز الحملة ضدها، ويمكن أن تجد نفسها سريعا معرضة للخنق عناقا سياسيا بعد العجز عن خنقها عسكريا، وسقوط ذريعة شبعا على وجه الاحتمال يعزز ذلك، وانتقال المفاوضات غير المباشرة إلى مفاوضات مباشرة على الجبهة السورية يعزز ذلك أيضا.

كما يعززه افتقاد طرق الدعم الإيراني، وربما الخروج من لعبة الملف النووي بوضع يعزز دور إيران الإقليمي. ولهذا وجب على المقاومة اللبنانية أن تبذل في الوقت الحاضر جهودا مضاعفة لتثبيت ما كان شعارا لها وشوهت الأخطاء وجهه، وهو أنها مقاومة وطنية لبنانية تتبنى قضية فلسطين لبنانيا وعربيا وإسلاميا، وأن تلقي الدعم من إيران لا يؤثر على وجهها الوطني، ولا يُستغل لأغراض طائفية.

سوريا بين السلام والحرب

"
استهداف سوريا سياسيا يضع الحكم فيها بين خيارين خطيرين: استرجاع الجولان في إطار صفقة كبرى تنطوي على الانخراط في مسيرة "سلام تطبيعي", أو استرجاعها في إطار صفقة صغرى تنعقد على حساب استمرار وجود محور المقاومة والممانعة
"
يكاد الدور السوري يمثل عقدة المنشار في جميع التطورات الإقليمية في وجه ما يراد لها دوليا، وعلى وجه التحديد وفق أطماع الهيمنة الصهيوأميركية المدعومة أوروبيا حتى الآن.

ولا يزال استهداف سوريا عسكريا قائما إذا لم تنجح الجهود المبذولة لاستهدافها سياسيا، ولن يبدل من ذلك انتظار رحيل بوش الابن، فمن يخلفه لا يبدل شيئا من الرؤية الشاملة لمستقبل المنطقة وكيفية التعامل الصهيوأميركي معها.

واستهداف سوريا سياسيا -مما أصبحت وسيلته الحالية مفاوضات غير مباشرة مع التلويح بعودة الجولان- يضع الحكم فيها بين خيارين خطيرين:

1- استرجاع الجولان في إطار صفقة كبرى تنطوي على الانخراط في مسيرة "سلام تطبيعي" فتتحول السياسة السورية من جذورها إلى سياسة منسجمة مع المطامع الصهيوأميركية في المنطقة.

2- استرجاع الجولان في إطار صفقة صغرى تنعقد على حساب استمرار وجود محور المقاومة والممانعة، ومضاعفة الحصار السياسي بحجة سقوط الذريعة الكبرى بمنظور تجزئة قضايا المنطقة ومنظور اعتبار قضية تحرير الجولان قضية قائمة بذاتها، وليست مرتبطة بقضية فلسطين ومستقبل المنطقة بمجموعها.

وفي الحالتين يعني ذلك ضياع دور سوريا الإقليمي الذي قام على الربط الوثيق بين مستقبل سوريا بما في ذلك الجولان، ومستقبل قضية فلسطين، بما في ذلك عرقلة تسوية في اتجاه تصفيتها.

وهذا الدور هو الذي يمنحها تأييدا شعبيا يتجاوز حدودها، رغم أن أوضاعها الداخلية لا تختلف كثيرا عن أوضاع البلدان العربية والإسلامية الأخرى أو معظمها.

ولا قيمة هنا لفتح ثغرات في الحصار السياسي عبر تواصل مع قوى إقليمية ودولية، لا يتحقق من خلال تبادل الزيارات، ما دامت الأرضية الأوسع نطاقا لا تعتمد على تغيير في المنهج السياسي للدول المعنية.

يسري ذلك بصورة متقابلة، على فرنسا مثالا على القوى الدولية التي لم تتبدل سياستها تجاه سوريا ولبنان والمنطقة، وعلى إيران أيضا مثالا على القوى الإقليمية التي يمكن لخلاف جديد -باتت توجد أسباب عديدة له- أن يجعل من علاقاتها الوثيقة مع سورية هدفا من الدرجة الثانية.

ولا تزال السياسة الرسمية السورية عاجزة عن سلوك طريق يعزز موقع نظام الحكم داخليا بإصلاح سياسي شامل ليمكن تعزيز دور إقليمي ضروري.. ولكن فقد مقومات استمراره بافتقاد توازنات إقليمية قديمة قام عليها قبل عدة عقود.

رؤية غائبة إقليميا

"
الحفاظ على المقاومة هدف يرجى لقوى المقاومة أن تحققه وأن تنجح في تنميته رغم العقبات الكبرى دوليا وإقليميا، فالمطلوب منها إذن ألا تسوقها الأحداث إلى ارتكاب أخطاء تنحرف بها عن الطريق
"
مهما قيل عن المقاومة في بعض دول المنطقة ومنظماتها، فإنه لا يعدو أن يكون حديثا عن أخطاء ومخاطر تواجهها، أي أنها على طريق صحيح يمكن أن تؤدي الأخطاء والمخاطر إلى انحراف عنه يسبب أضرارا جسيمة، لكن تبقى المشكلة الكبرى في القوى الإقليمية الأخرى، التي تسلك من الأصل طريقا يعود بالأضرار الجسيمة على المنطقة ومصالحها الانفرادية القطرية والمشتركة عربيا وإسلاميا.

الحفاظ على المقاومة هدف يرجى لقوى المقاومة أن تحققه وأن تنجح في تنميتها رغم العقبات الكبرى دوليا وإقليميا، فالمطلوب منها إذن ألا تسوقها الأحداث إلى ارتكاب أخطاء تنحرف بها عن الطريق، والأهم هو المطلوب من القوى الأخرى، أي أن تصحح طريقها من الجذور.

لن يكون للمنطقة مستقبل كريم من خلال القضاء على المقاومة بل من خلال تعزيزها، فمن يوجه إليها الضربات المباشرة أو غير المباشرة، أو يعمل على إضعافها، فإنما يوجه الضربات لمستقبل الدول التي يتحمل المسؤولية السياسية فيها، ويضعفها مع إضعاف المنطقة بمجموعها.

قضية فلسطين والتعامل مع التطورات الدولية، يتطلبان تكتلا إقليميا وسياسة مشتركة تقوم على المصلحة العليا، بما يحافظ على المصلحة القطرية، على ألا يكون فيها الوهم بأن الارتباط بقوة دولية هو جزء منها، وما هو إلا وباء يسري في أوصالها وفي أوصال المنطقة من خلالها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك