علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني


- الانتقال إلى دبلوماسية النار
- ردود فعل دولية متحفظة
- مغامرة غير مضمونة النتائج
- الردود الإيرانية المتوقعة

لم يكن نشر وقائع المناورات الجوية العسكرية الإسرائيلية التي تمت غربي المتوسط بالصدفة، بعد أن اختارت الإدارة الأميركية بعد بضعة أسابيع الكشف عن وجود المناورات وخبر وقوعها، بل وأيضا عن هدفها.

وبشروا العالم بأن إسرائيل نفذت مناورة لهجوم افتراضي على المنشآت النووية على الأرض الإيرانية، في رسالة تقول إنه عندما لا تؤدي دبلوماسية الضغوط الاقتصادية والسياسية على إيران إلى نتائج سيتم الانتقال إلى "دبلوماسية المدافع والنار".

"
المناورات الجوية الأخيرة جاءت تمرينا على قصف المفاعل النووي الإيراني في منطقة نطنز، ومراجعة عامة لسلاح الجو قبل الهجوم على إيران، وقد أخذت في الاعتبار التزود جوا بالوقود وديمومة وسائل الاتصال
"
الانتقال إلى دبلوماسية النار

كما ترافق الإعلان عن قيام المناورات الجوية الإسرائيلية المشار إليها مع إطلاق بعض المسؤولين في الإدارة الأميركية تصريحات مختلفة أعربوا فيها عن اعتقادهم بأن الرئيس جورج بوش سينهي عهده من دون تحقيق أي تغيير في ملف إيران النووي.

ويشدد هؤلاء على عدم وجود خيارات سياسية أو عسكرية مطروحة على الطاولة لكبح طموحات طهران النووية في هذه المرحلة، بينما كشف السفير الإسرائيلي في واشنطن سالاي مريدور أن الدولة العبرية "تفضل التعامل مع هذا التهديد (النووي الإيراني) سلما، ومن خلال زيادة العقوبات بشكل دراماتيكي. وإبقاء كل الخيارات مطروحة"، لكنه استدرك أن "الوقت بدأ ينفد".

وقد جاءت المناورات الضخمة والنوعية للصف الأول من أحدث المقاتلات الجوية الإسرائيلية لتحقيق جملة من الأغراض دفعة واحدة في سياق الضغوط الكبيرة الأميركية والإسرائيلية والغربية عموما على إيران، لتشكل خطوة في نقل التهديدات اللفظية التي أصبحت عادة، إلى وقائع عسكرية بالقوة تشكل مرحلة جديدة مقلقة جدا في أزمة النووي الإيراني.

وما هو لافت للنظر هو أن المناورات العسكرية الجوية الإسرائيلية جاءت في الوقت الذي تقدم فيه مبعوث الاتحاد الأوروبي باقتراحات جديدة لإيران تقضي بوقف طهران إنتاج النووي مقابل امتيازات واسعة.

وبدا حينها أن الإسرائيليين قد قرروا ومن خلفهم الإدارة الأميركية بالأساس، إضافة عنصر ضغط جديد عنوانه مناورات سلاح الجو الإسرائيلي التي جرت على مسافات تتراوح بين 1.500 و2.000 كم من فلسطين المحتلة.

وقد قام سلاح الجو الإسرائيلي بمناورة استثنائية على نحو خاص، تمت فيها محاكاة ما لجأ إليه الإسرائيليون أيام حكومة مناحيم بيغن لتنفيذ خطة "بابل" عندما قام الطيران الإسرائيلي في السابع من يونيو/حزيران 1981 بتدمير المفاعل النووي العراقي في فترة كانت الأجواء العراقية فيها مغلقة بسبب الحرب مع إيران، وكان فيها النظام العراقي يتوقع أن يقوم الطيران الإيراني بضرب المفاعل!.

والمناورات الجوية الأخيرة جاءت أيضا تمرينا على عملية مماثلة، لقصف المفاعل النووي الإيراني في منطقة نطنز، ومراجعة عامة لسلاح الجو قبل الهجوم على إيران، وقد أخذ فيها بعين الاعتبار التزود الجوي بالوقود، وديمومة وسائل الاتصال، ذلك أنه على هذه المسافة قد تقع نقاط خلل وهبوط في مطارات طوارئ.

وبالفعل حسب وسائل إعلام قبرصية فقد هبطت مروحيتان إسرائيليتان من طراز بلاك هوك تحملان عشرة جنود هبوطا طارئا في بابوس في قبرص بسبب خلل أصابهما، وحسب المصادر الإسرائيلية، وبعد إصلاح الخلل واصلت المروحيتان طريقهما إلى ريكليون في كريت.

ويدرك الجميع أن الدولة العبرية الصهيونية لا يمكنها أن تخرج في حملة مناورات جوية كهذه وحدها في محاكاة قصف المفاعل النووي الإيراني، دون غطاء أميركي سياسي وعسكري، ودون استعانة بحلفاء مقربين.

ولما لم تعد إسرائيل قادرة على التدرب في سيناء، وبالتأكيد ليس فوق الأردن، فإنها تخرج حسب التقارير غربا، ابتداء من نهاية التسعينيات من القرن الماضي، حين حلق سلاح الجو إلى مسافات بعيدة في ظل التنسيق مع دول مختلفة ومتنوعة، في عهد الجنرال الإسرائيلي إيتان بن إلياهو قائد سلاح الجو السابق.

"
مشروع الحرب على إيران وإدارة الظهر للدبلوماسية وغض الطرف عن ترسانة السلاح النووي الإسرائيلي التي تهدد المنطقة بأسرها من شرقي المتوسط إلى باكستان شرقا، يؤسس لسيناريو رهيب ومرعب
"
وتوسعت دائرة المناورات والعمليات الجوية بدءا بالتدريبات في القارة الأميركية، عبر مالطا وصقلية وتركيا ورومانيا وألمانيا وفوق الأراضي اليونانية في المناورات الأخيرة، في الوقت الذي تبدي فيه بعض التقارير تأكيداتها بأن الطيران الإسرائيلي لا يحتاج أبدا لقطع كامل المسافة الفاصلة بين فلسطين المحتلة وإيران دفعة واحدة، فالمسافة من تل أبيب إلى طهران تبلغ 1598 كيلومترا فقط، أما المسافة من تل أبيب إلى منشأة نطنز تحديدا فتبلغ 1450 كيلومترا، أما المسافة من قاعدة هتزاريم الجوية الأساسية للعدو الإسرائيلي والواقعة في صحراء النقب جنوبي فلسطين المحتلة إلى منشأة نطنز فتبلغ تحديدا 1750 كلم.

كما أن القواعد الأميركية في العراق والخليج العربي تفي بإنهاء الموضوع، فالميدان العملياتي متوفر بالكامل، بالرغم من أن المعلومات التي تبثها واشنطن والتي تقرر أن البرنامج النووي الإيراني، بمفاعلاته ومراكزه ومبانيه، لا يقتصر على منطقة واحدة في إيران، بل إنه يتوزع على مساحة البلاد (16 موقعا، منها ثلاثة مراكز أساسية، في كل من نطنز وأصفهان وآراك).

يوجد في نطنز موقع التخصيب الرئيسي في إيران، بواقع صالتين رئيسيتين (بين 25 ألفا و35 ألف متر مربع) على عمق (8 إلى 23) مترا تحت الأرض، وفي أصفهان مركز تحويل خام اليورانيوم إلى غاز سادس فلورايد اليورانيوم، وهو موقع مستطيل الشكل، بطول (180 مترا وعرض 40)، وفي موقع أراك يتم إنتاج الماء الثقيل، يشمل معملاً لإنتاج الماء الثقيل ومفاعلاً يعمل بالماء الثقيل، وثلاثة أساسية وتسعة أبراج صغيرة على مساحة بطول (80 مترا وعرض 30).

ردود فعل دولية متحفظة
ومع هذا، يبدو للمراقبين أن المواقف الدولية متحفظة، ولم تكن مرتاحة بشكل عام للمناورات الجوية الإسرائيلية، بل واعتبرت بعض المنظومات الدولية أن هذه المناورات تشكل استفزازا لا يخدم الطريق والحلول الدبلوماسية الجارية مع إيران.

فقد جددت موسكو رفضها اللجوء إلى سيناريوهات القوة مع إيران، في حين حذر خبراء روس من أن أي ضربة للمنشآت النووية الإيرانية قد تطلق حرباً واسعة نتائجها كارثية.

وهذا ما أكده أيضاً مندوب روسيا لدى مجلس الأمن فيتالي تشوركين من أن المناورات قد تمهد لتطور خطر، وتنسف جهود التسوية الدبلوماسية للأزمة الإيرانية.

هذا إذا علمنا أن قناعة المجتمع الدولي مازالت تعتبر أن طريق الدبلوماسية مازال مفتوحاً لعلاج الموضوع الإيراني، وعليه فقد توجه منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا مرة أخرى إلى طهران حاملاً معه عرضاً بحوافز جديدة تبدو أكثر إغراء لإيران، لأنها تساعدها على الحصول على احتياجاتها من الطاقة النووية، وعلى فك العزلة والحصار ورفع العقوبات المفروضة عليها، بل والاعتراف لها بدور مهم في إدارة الشأن الإقليمي.

وتقبل إيران مقابل ذلك بوقف عمليات تخصيب اليورانيوم مؤقتا، إلى أن يتم الاتفاق على تفاصيل الصفقة التي يتعين أن تحدد مكان وطريقة تخصيب اليورانيوم الذي ستحصل عليه إيران لمواصلة برنامجها النووي السلمي.

مغامرة غير مضمونة النتائج
وفي مقابل كل هذه التحضيرات الأميركية والإسرائيلية التسخينية، فإن في طهران من يعتقد أن واشنطن لن تقدم على مغامرة عسكرية بهذا الحجم، وأن كل ما تم ويتم مع المناورات الجوية الإسرائيلية ليس سوى عملية استعراض عضلات وترهيب لإيران.

ويبرر أصحاب الرأي المذكور تقديرهم بالقول إن واشنطن ليس لديها ما يكفي من الجنود لإدخالهم في حرب بهذا الحجم، كما أن القصف الجوي الإسرائيلي ضد إيران، ليس مضمون النتائج، على اعتبار أنه ليس بإمكان أحد حصر نيرانه في غارة جوية ورد صاروخي وتنتهي المسألة، فإيران دولة كبيرة بمساحتها، وتتمتع بقدرات عسكرية منظورة وغير منظورة لا يستهان بها.

وعليه، فإن أي حماقة إسرائيلية تحت الغطاء الأميركي، إذ لا تستطيع إسرائيل رمي صخرة على أحد دون الموافقة المسبقة من الجانب الأميركي، ستشعل فتيل حرب واسعة في المنطقة.

وعندها لن يكون أحد بعيدا عن ألسنتها، كما أنه من المؤكد أن إيران سترد بالفعل، وردها سيكون على ساحات متعددة، منها الساحتان العراقية واللبنانية، وبطريقة مؤذية جدا.

"
العملية الاستعراضية الجوية الإسرائيلية الأخيرة تندرج في إطار شد الأعصاب والتلويح بالعصا، في الوقت الذي تدرك فيه الولايات المتحدة وإسرائيل معنى توسيع دائرة العمليات إلى إيران في ظل أزمات تلاحق الإدارة الأميركية في كل مكان
"

بل إن الرد الإيراني أيضا سيكون موجها إلى القوات الأميركية نفسها، ليس على مدى انتشارها في دول آسيا الوسطى المجاورة لإيران فقط، بل أيضاً ومن ضمنها طبعاً أفغانستان، مروراً بالعراق حيث تقيم واشنطن قواعد عسكرية تقع في مرمى الصواريخ الإيرانية التقليدية القصيرة المدى.

كما أن باستطاعة إيران أيضا إغلاق مضيق هرمز، الشريان الحيوي لتدفق النفط إلى كل من آسيا وأوروبا، وذلك بإغراق واحدة من ناقلات نفطها فيه، بينما تتطلب إعادة فتحه في ظروف هادئة عامين بحسب التقديرات الأميركية.

وبطبيعة الحال، فإن حرباً من هذا العيار لا بد أن يدخل في حساباتها إمكانية استخدام كل ما هو متاح بما في ذلك الارتفاع الجنوني لأسعار النفط.

فإيران عملت على تكديس ثروة كبيرة لم تكن في الحسبان، إذ بلغت صادراتها النفطية في العام الماضي قرابة خمسين مليار دولار عندما كان سعر برميل النفط لا يزال دون مائة دولار، وقد تجاوز مائة وثلاثين اليوم.

الردود الإيرانية المتوقعة
وبالمحصلة، فإن مشروع الحرب على إيران وإدارة الظهر للدبلوماسية، وغض الطرف عن ترسانة السلاح النووي الإسرائيلي التي تهدد المنطقة بأسرها من شرقي المتوسط إلى باكستان شرقا، يؤسس لسيناريو رهيب ومرعب.

فالوقائع الحسية تشير إلى أن دخول الولايات المتحدة حربا جديدة ولو بالوكالة يبقى قضية سوء تقدير، وقد أكدت هذه الوقائع ثلاث حروب متتالية شهدناها في الأعوام الثمانية الماضية، ولم تتمكن واشنطن من إنهاء بعضها كما حصل في أفغانستان والعراق.

وعندما اضطرت لإنهاء الحرب الثالثة (عدوان إسرائيل على لبنان) لم تكن النتيجة لمصلحتها ولا لمصلحة حليفتها إسرائيل، وقد سبق للولايات المتحدة وإسرائيل أن جربتا محاولات فرض حلول أو تسويات بالقوة، خصوصاً على الساحتين اللبنانية والفلسطينية، لكنهما منيتا بفشل ذريع، أو على الأقل، لم تتمكنا من تحقيق إنجازات حاسمة على الأرض.

ومع ذلك لا توجد دلائل تشير إلى أنهما على وشك التسليم بالأمر الواقع أو قبوله، فكلتاهما ما زالت تنظر إلى إيران باعتبارها مصدر التهديد الرئيسي لأمنهما ولمصالحهما في المنطقة.

وكلتاهما تدركان أنه ما لم يتم تدمير البرنامج النووي الإيراني أو احتواؤه بشكل كامل قبل الخريف المقبل فسيكون من العسير تحقيق هذا الهدف في المستقبل المنظور.

وعلى هذا الأساس يمكن القول إن العملية الاستعراضية الجوية الإسرائيلية الأخيرة تندرج في إطار شد الأعصاب والتلويح بالعصا، في الوقت الذي تدرك فيه الولايات المتحدة وإسرائيل معنى توسيع دائرة العمليات إلى إيران في ظل أزمات تلاحق الإدارة الأميركية في كل مكان من العراق إلى لبنان إلى فلسطين إلى أفغانستان.

المصدر : الجزيرة

التعليقات