توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية

بعد أن ثبت كذب كل وعود الإدارة الأميركية بإقامة دولة فلسطينية بما لا يقبل إعادة الترويج تحت أي ذريعة, فإن تدخل تلك الإدارة السافر في إملاء كل شيء على الفلسطينيين, وحتى في رفض المصالحة بين حماس والسلطة, يصبح بلا معنى من الناحية المنطقية.

"
إسرائيل إذ توهم العالم بأنها ستغلق مرة وإلى الأبد الملف الساخن للشرق الأوسط، تطلب في الحقيقة يدا مطلقة في كيفية الإغلاق وتوقيعا دوليا عليه
"

ومع ذلك تشترط وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس على السلطة الفلسطينية ألا تتصالح مع حماس إلا إذا التزمت الأخيرة بما سمي شروط الرباعية.

ونفهم أن السلطة العالقة في قعر جيب إدارة بوش والرباعية وحكام الكيان الصهيوني، تحتاج لرافعة حماس لتستعيد بعضا من مبررات وجودها الذي انتهى منذ سنوات. ولكن السؤال الذي ينبغي على حماس أن تطرحه على نفسها هو: ما الذي تستفيده هي من مثل هذا الالتزام الذي يورثها بجرة قلم وزر ما لم تقترفه؟

سنتناول هنا جزئية واحدة من تلك الشروط، وهي اعتراف حماس بالاتفاقيات المعقودة مع الجانب الإسرائيلي، لنقول لها إياك أن تفعلي. فهذا تفريط أكثر من مجاني في الحقوق الفلسطينية، بل خطوة أخرى على طريق تصفية تلك الحقوق كاملة.

ونستشهد هنا بمسار تلك الاتفاقيات، وتحديدا أوسلو التي حذرنا منها منذ عقد تلك الاتفاقية المشؤومة، ثم عدنا للتحذير على امتداد السنوات التي تلت مرة تلو الأخرى، متسلحين كل مرة بما تبدى على الأرض من نتائج كارثية ملموسة, ومنذرين بالمزيد منها إن لم تتوقف هذه الهرولة بالاتجاه الذي تؤشر إليه إسرائيل وأميركا.

في هذا السياق سبق أن أعدنا للذاكرة, وفي مقالة على الجزيرة نت، تاريخ أبو مازن التفاوضي التفريطي الذي حذرنا منه قبل عقد ونصف العقد في مقالة موثقة، وأثبتنا أن ما يجري الآن استمرار له وإيغال فيه لا يرجى منه خير.

واليوم سنستعيد بعض ما حذرنا منه في مقالة أخرى نشرت في جريدة البيان الإماراتية بتاريخ 17-1-1997. أي بالضبط قبل أحد عشر عاما ونصف العام، وما يجري الآن ويلوح لحماس بأنها تعيق "إنجازه" هو تكرار لما حذرنا منه حينها وإيغال فيه. فهل يلدغ "مؤمن" من نفس الجحر وعلى امتداد سنوات كان يمكن أن تحيل جهل الطفل إلى عقل ورشاد, عشرات المرات؟

نعود لذلك المقال لنثبت أن الصورة الآن هي ذاتها كما تبدت في مطلع عام 97، فالمفاوضات التي كانت ستطلق حينها سميت "بمفاوضات الوضع النهائي".

وفي مقالتنا تلك قلنا إن تلك التسمية أطلقتها إسرائيل في الوقت المناسب لها بداية ذلك العام بعد أن كانت زرعتها في اتفاقية أوسلو، وإن إسرائيل تعلم أن هذه ليست اتفاقية نهائية, فقط ما تستخلصه من تنازلات جديدة من الجانب الفلسطيني عن حقوقه التاريخية تريد اعتباره تنازلا "نهائيا".

فإسرائيل إذ توهم العالم بأنها ستغلق مرة وإلى الأبد الملف الساخن للشرق الأوسط، تطلب في الحقيقة يدا مطلقة في كيفية الإغلاق وتوقيعا دوليا عليه.

فهذا التوقيع الدولي سيعطي شرعية ودعما دوليا لما تضمّنه إسرائيل في تلك الاتفاقيات عبر يدها المطلقة تلك، مما يرتب استحقاقات مستقبلية، تزرعها إسرائيل في هذه الاتفاقيات الجديدة ولا تصرح بها الآن، استحقاقات لا يعنى العالم باستقرائها, ولم يحسب حسابها العرب, كما فعلوا دائما.

وبينا في تلك المقالة كيف قفز العرب, "بجهل أو بتبعية أو بما هو أسوأ من الاثنين عن أهم الضمانات المستقبلية لحقوقهم الأساسية في الاتفاقيات الثلاث التي وقعوها مع إسرائيل (وهو ما يواجه به الأردن حاليا بدرجة خطيرة ومصر أيضا وإن بدرجة أقل خطورة)، وذلك في محاولة لتحذير الفلسطينيين من المزالق التي وقعوا فيها نتيجة الاتفاقيات الثلاث.

"
كلا الجارتين لا تريد أكثر من التخلص من تبعات تصفية القضية الفلسطينية على حسابهما: مصر بتوريثها مشكلة غزة، والأردن بتحويله إلى وطن بديل. كحد أدنى دون الخوض في تفاصيل تبعات أخرى
"
وفي شأن أوسلو بالتحديد ذكرنا ببعض أسوأ ما تم قبوله فيها وهو "تأجيل كل القضايا الرئيسية التي تنتظم الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني, إلى المرحلة النهائية. ومنها: الحدود, وطبيعة الدولة وصورتها والقدس واللاجئون والنازحون". إضافة إلى أن قبول الفلسطينيين بمرجعية "التفاوض" وحدها، لا مرجعية الحق الثابت, "تنازل عن ذلك الحق بدرجة أو بأخرى حسب ما تحدده نتائج التفاوض ذاك".

وإذا كان عرفات وأبو مازن ونفر من رجالهما قد انفردا بتوقيع أوسلو سرا، تحت ذريعة تخوفهم مما ستحمله مفاوضات أخرى سرية كانت تجري مع غيرهم من العرب، وتحديدا "وادي عربة"، لكون مصر كانت قد وقعت "كامب ديفد" وأعلنت نصوصه منذ زمن.

وإذا كانت هنالك بقايا تخوف فلسطيني من سياسات الأردن أو مصر أوائل عام 97، فإن حال الجارتين الآن، في صيف 2008, غير حالهما عندما وقعتا على اتفاقاتهما مع إسرائيل، وهو أيضا غير حالهما مطلع عام 97.

بل إن اتعاظ الجارتين الواجب بعد ما تبدى مؤخرا من نتائج توريطهما لنفسيهما فيما وقعتاه من اتفاقيات مع إسرائيل، يدفع إلى الاطمئنان بأن كلا الجارتين لا تريدان أكثر من التخلص من تبعات تصفية القضية الفلسطينية على حسابهما: مصر بتوريثها مشكلة غزة، والأردن بتحويله إلى وطن بديل. كحد أدنى دون الخوض في تفاصيل تبعات أخرى ليست هي موضوعنا هنا.

أما سوريا التي يريد الآن بعض العرب من حملة الأجندة الصهيوأميركية إلباسها وزر الدفعة الجديدة من تفريط طاقم أوسلو وأخواتها (أوسلو 2, اتفاقية أبو مازن بيلين، واتفاقية الخليل، وبيان جنيف.. إلخ)، فإنها غير معنية بتاتا بالتورط في حل كالذي يبدو ممكنا الآن، وحتما ليس في حل منفرد لأنها الأقدر على الاتعاظ بما جرى للأردن ومصر وبأكثر مما اتعظت الدولتان الموقعتان.

فالقيادة العربية آلت إلى سوريا شبه منفردة بعد كامب ديفد واحتلال العراق، وإذا كان احتلال سوريا بنفس الطريقة أكثر من مستحيل بعد فشل أميركا الذريع في العراق, فإن القيادة السورية لن تتطوع بتسليم رقبتها على طريقة السادات وعرفات وغيرهما. فهكذا يقول لنا تاريخ التأني وبعد النظر الإستراتيجي وطول النفس السوري.

وبهذا تكون ذريعة التخوف من الانفراد العربي قد سدت أمام أي مسؤول فلسطيني.

وهنا لا يمكن تحميل من لم يشارك في اتفاقية أوسلو، أو يقبل بها أو يباركها لاحقا بدرجة أو بأخرى من الفلسطينيين، تنظيمات وجماعات وأفرادا، أيا من تبعاتها، مع قبولنا أن بعض حالات المباركة أو القبول الذي جرى متأخرا كانت لها -إضافة لأثر مكانة "الاختيار" (آفة عبادة الأشخاص العربية بامتياز)- أسباب تتفرع من تخوفات لم تقتصر هذه المرة على سياسات الجارتين، بل وعلى لوبي جمع هاتين وبعض متنام من العرب، إلى السلطة الفلسطينية التي ولدت هلامية وضبابية وحاولت أخذ شكلها ونفوذها على حساب الفصائل والقطاعات الفلسطينية الممانعة, مستقوية بإسرائيل وأميركا وبالمال العربي الذي ضل طريقه.

وحل محل النضال -بالبندقية أو بغصن الزيتون- التهالك على مصافحة وحَضن و"تبويس" قادة الكيان الصهيوني، مما يوحي للعالم بإسقاط الحقوق وانتفاء المظالم.

ولكن حماس لم تعترف ولم تشارك في أي من هذا بعد. والآن، بعد خمسة عشر عاما من أوسلو, وبعد حوالي اثني عشر عاما من بداية زعم الخوض في "الوضع النهائي"، وبعد جدار الفصل العنصري وحملات إبادة واستيطان وتهجير لم تنقطع، وغير ذلك مما لا تتسع مجلدات لذكره. تجري محاولة جر الشعب الفلسطيني مرة أخرى إلى ما يقال إنه, ليس حتى "الوضع النهائي"، بل "اتفاق إطار للوضع النهائي" تستثنى منه مرة أخرى كل الحقوق الأساسية: الدولة وصورتها والحدود والقدس واللاجئون والنازحون.

"
كل ما أراده الفلسطينيون ابتداء هو "موطئ قدم" لا يمن عليهم به أحد، وكل ما يريدونه الآن هو قيادة لم تفرط ولم تعط شرعية لغير الحقوق التاريخية الوطنية الثابتة
"
ولكن ليس بالضبط, بل بما هو أسوا. فالدولة كما تطرحها إسرائيل كيان مؤقت لإدارة ذاتية سيصبح -بعد استكمال صورة "الأمر الواقع الاستيطاني" على الأرض وبعد قصقصة تجري بذريعة تبادل أراض وأراض لا يمكن تبادلها- أمرا واقعا هو الآخر.

والحدود -كما تصرح إسرائيل منذ قيامها وكما أكد الأميركان مؤخرا وألقوا بثقلهم فيه- هي حدود العراق شرقا, وغربا "حدود إسرائيل" التي وحدها في العالم كله لم ولا ولن تعرف حدودا. لسبب جلي وهو أن أمنها هو هاجسها، وهي لا يمكن أن تشعر بالأمن إذا كان لها حدود خلفها عرب لا تستطيع أن تتدخل في شؤونهم بيد مطلقة.

حماس وحدها لم تتورط بعد في أي من هذا الذي أسس "لأوضاع نهائية" لم تعلن ولم تتبد كلها بعد، رغم فداحة كل ما أعلن أو تبدى.

وحماس انتقلت من فصيل غير عضو في منظمة التحرير, إلى شريك في الحكم، إلى الوحيد الذي يملك ما يمكن أن يسمى سلطة حكم مهما صغرت أو اتسعت الرقعة التي تحكمها. وهذا ما بدأ العالم يعترف به.

وفي ضوء ما يتجاوز الشك إلى ما يشبه اليقين في انتفاء قدرة ما تبقى من "السلطة"، بما آلت إليه وجرت معها إليه فتح ثم المنظمة, على استعادة أي حق أو حتى الاستناد لأية شرعية تبرر للطرف الثاني التفكير في إعطائها أي شيء.

في ضوء هذا فإن حماس بما أنجزته لحينه ورغم ما خسرته, إن هي عرفت واعترفت بحدود "برنامجها الاجتماعي" (ونظن أنها فعلت نتيجة تجاربها وتجارب أحزاب وأنظمة حكم إسلامية في المنطقة) الذي لا يجدي في غير كسب الأعداء لها حتى بين خيرة الوطنيين الفلسطينيين والقوميين العرب. وإن لم تقبل وراثة أوزار الاتفاقيات المبرمة، فإن فرصتها كبيرة في إمكانية بناء أو إعادة بناء جسم شرعي فلسطيني بالتنسيق مع من يرغب من الفصائل, ومع من يمثل الفلسطينيين ممن لا يصنفون في فصائل.

فكل ما أراده الفلسطينيون ابتداء هو "موطئ قدم" لا يمن عليهم به أحد، وكل ما يريدونه الآن هو قيادة لم تفرط ولم تعط شرعية لغير الحقوق التاريخية الوطنية الثابتة.

المهم أن تثبت حماس على موقفها وألا تعترف باتفاقيات لم تزد على أن أسست "لنهايات" تلك الحقوق.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك