طلعت مسلم

طلعت مسلم

لواء أركان حرب متقاعد


- هدف المناورة
- قيمة التوقيت
- اختراق الأجواء العربية

طلعت جريدة نيويورك تايمز الأميركية بأنباء عن أن إسرائيل أجرت مناورات عسكرية على نطاق واسع في يونيو/ حزيران الماضي وصفتها بأنها تبدو استعدادا لهجوم عسكري على منشآت إيران النووية.

ثم أضافت معلومات -نقلا عن مسؤولين أميركيين رفضوا الكشف عن أسمائهم- بأن المناورة اشتركت فيها أكثر من مائة طائرة إسرائيلية مقاتلة من طرازي أف 6 وأف15، وأن المناورات جرت في شرق البحر المتوسط وفوق اليونان في الأسبوع الأول من الشهر المذكور، وأن الطائرات قطعت مسافة 1500 كلم التي تساوي المسافة الفاصلة بين إسرائيل ومفاعل نطنز النووي في إيران!

وأضافت الجريدة وفقا لمسؤول بوزارة الدفاع الأميركية وصفته بالمطّلع، أن الهدف كان "ممارسة جملة من التكتيكات الجوية مثل إعادة التزود بالوقود من الجو، وتفاصيل أخرى خاصة بضربات محتملة ضد منشآت إيران النووية وصواريخها التقليدية بعيدة المدى.

من المهم دراسة المعلومات المتوافرة عن المناورات الإسرائيلية السابق ذكرها لمحاولة تصور ما يمكن أن يحدث بناء عليها، وفي نفس الوقت استشراف ما يمكن أن يؤثر على الدول العربية من مخاطر أو فرص، وما يجب القيام به على ضوء ذلك، ويكون التحليل في هذه الحالة في جوانبه الإستراتيجية والتعبوية والتكتيكية، والاستعداد بناء عليه للقيام بما هو ضروري أو مفيد في هذه الحال!

"
المهمة التي تتدرب عليها القوات الإسرائيلية إما ضد إيران وإما ضد ليبيا، وإذا كان احتمال إيران هو الغالب فإن احتمال ليبيا يجب أن لا يظل غائبا، خاصة أن مؤتمر "مبادرة أمن الانتشار" الذي عقد بواشنطن في مايو/ أيار الماضي ذكر النشاط النووي الليبي بالاسم رغم كل ما فعلته ليبيا للتخلص من برنامجها
"
هدف المناورة
من الناحية الإستراتيجية قد يكون من الضروري منذ البداية التأكيد على أن هدف أي نشاط تدريبي تقوم به قوات مسلحة إنما هو الاستعداد لتنفيذ إحدى المهام التي يحتمل أن تكلف بها القوات والوحدات والقيادات التي شاركت في التدريب.

أي أن الحديث عن رسائل ترسلها المناورات إلى جهة ما، أو التعبير عن مدى الجدية التي تنظر بها إسرائيل إلى البرنامج النووي الإيراني، فهو أمر ليس جوهريا على الإطلاق، كما أن الأساس كان تدريب القوات والقيادات التي شاركت في التدريب على تنفيذ مهمة مشابهة لتلك التي جرى التدريب عليها.

وحينما يكون الأمر يشتمل على إقلاع طائرات مقاتلة إسرائيلية لتقطع 1500 كلم فإن احتمال المهمة التي تتدرب عليها القوات المشاركة يصبح إما ضد إيران وإما ضد ليبيا، لأن باقي الاحتمالات أكبر أو أقل من هذا النطاق بكثير.

وإذا كان احتمال إيران هو الغالب، فإن احتمال ليبيا يجب أن لا يظل غائبا إذ تساعد المناورات على تنمية تصور إسرائيلي للعدوان على ليبيا، خاصة أن التدريب تم فوق مياه البحر المتوسط وليس البحر الأحمر مثلا، وفوق اليونان وليس فوق بلد عربي، وبالتالي مع قوات يونانية لا أميركية.

كما أن مؤتمر "مبادرة أمن الانتشار" الذي عقد بواشنطن في مايو/ أيار الماضي، ذكر النشاط النووي الليبي بالاسم رغم كل ما فعلته ليبيا للتخلص من برنامجها النووي.

كذلك فإن حجم القوات المشاركة كما سبق ذكره، يعني أن إسرائيل تعد لضربة جوية منفصلة، وهي غير الضربة الجوية الشاملة التي تتم عادة بالجزء الأكبر من القوات الجوية للدولة أو التحالف.

وهذا يعني أحد احتمالين: الأول أن إسرائيل تخطط للمشاركة مع قوة إستراتيجية أكبر توفر قوات تكفي لتوجيه ضربة شاملة ضد دولة. وأغلب الظن -بل من المؤكد- أن مثل هذه القوات لا يمكن إلا أن تكون أميركية في حالة إيران، بينما يمكن أن تكون يونانية أو أميركية في حالة ليبيا.

والاحتمال الآخر أن إسرائيل تدرب قوة صغيرة نسبيا على القيام بعمل ضد الدولة المستهدفة، خاصة إذا كانت هذه الدولة هي إيران!

وهذا يعني أن إسرائيل تستسهل القيام بعمل عسكري ضد إيران، وتتصور شيئا قريبا مما شاع عن قيام إسرائيل بعمل عسكري منفرد ضد إيران، وتتصور أنه يمكن بضرب أهداف محدودة في إيران أن توقف برنامجها النووي، بينما يكون الوضع طبيعيا في حال استهداف ليبيا التي قد لا تحتاج إلى قوات كبيرة!

"
قد تكون الطائرات الإسرائيلية شوشت على رادارات الدول العربية، وهو أمر ليس مستبعدا، لكن هذا يعني أنه لابد لهذه الدول أن تبحث عن أسلوب التشويش المستخدم لمحاولة الوصول إلى طريقة للتغلب عليه
"
قيمة التوقيت
إذا كان الاحتمال الأول هو الأغلب فهذا يعزز ما تردد على لسان بعض المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين من أن إسرائيل تتدرب تدريبات منتظمة على مهام مختلفة لمواجهة التحديات والمخاطر التي تواجهها، أي أن المناورة تعتبر روتينية وليست لها علاقة بقرب توقيت تنفيذ هذه المهمة، إذ كثيرا ما تتدرب قوات مسلحة على مهام ترى أنها محتملة ثم يمضي الزمن وتتغير الظروف وتبتعد المهمة عن احتمال التفيذ.

أما إذا كان الاحتمال الثاني فإن هذا يعني زيادة احتمال أن تقوم القوات الإسرائيلية قريبا بعمل عسكري منفردة ضد إيران وبقرار منها، رغم أنه لا يمكن استبعاد الولايات المتحدة في النهاية سواء من المسؤولية عما يمكن أن يحدث، ولا استبعاد تعرضها لعمل انتقامي مضاد رغم عدم مشاركتها في العدوان، أي أن المناورة هي التجربة النهائية للضربة الإسرائيلي المنفردة.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن قيام إسرائيل بعمل عسكري بقوة كبيرة نسبيا وضد إيران على مسافة كبيرة نسبيا منها، يجعل الموقف الإسرائيلي وتوازن إسرائيل الدفاعي ضعيفا أثناء تنفيذ المهمة لأنه يقلل من قدرتها على مواجهة أعمال ضدها، سواء كان ذلك من عناصر المقاومة في المنطقة أو إذا أرادت دولة إقليمية أن تنتهز فرصة لتحقيق هدف إقليمي.

مما سهل تنفيذ المناورة المذكورة أنها أجريت فوق المياه الدولية في البحر المتوسط، وهو ما لا يتوافر إلا في حال تنفيذ المهمة ضد دولة متوسطية، أما إذا كانت المهمة ضد إيران فلن تتوفر مياه دولية للطيران فوقها.

وعليه يصبح من الحتمي أن تخترق الطائرات المقاتلة الإسرائيلية أجواء إقليمية عربية غالبا إما أن تكون أردنية عراقية، أو أجواء المملكة العربية السعودية، وهو ما يثير سؤالا حول موقف حكومات الدول العربية التي يمكن أن تطير الطائرات الإسرائيلية عبر أجوائها، وحول موقف عناصر الدفاع الجوي في هذه الدول من الطائرات الإسرائيلية، ما يجعل التوازن الدفاعي على المحك.

هنا لابد أيضا من البحث في حقيقة ما حدث أثناء المناورات الإسرائيلية الأخيرة، حيث إن إقلاع أكثر من مائة طائرة إسرائيلية في وقت متقارب وانطلاقها غربا في اتجاه البحر المتوسط كان لابد من أن يكتشف بواسطة رادارات الدفاع الجوي العربية خاصة في كل من سوريا ولبنان والأردن ومصر وليبيا، وأنه كان يفترض أن تخطر كل دولة جيرانها بما اكتشفته.

ورغم مرور زمن ليس بالقصير على إجراء هذه المناورات فإنه لم يحدث أن دولة عربية أفادت بأنها اكتشفت الطائرات أثناء المناورة، أو أنها أبلغت أحدا عنها، مع أنه ليس هناك ما يمكن أن يطمئن الدول العربية على أن هذا الإقلاع لم يكن موجها ضدها.

قد تكون الطائرات الإسرائيلية شوشت على رادارات الدول العربية، وهو أمر ليس مستبعدا بل متوقعا، لكن هذا يعني أنه لابد لهذه الدول أن تبحث عن أسلوب التشويش المستخدم للتوصل إلى طريقة للتغلب عليه!

"
تدريب طائرات إسرائيلية على الهجوم مع احتمال اختراق أجواء عربية، يستدعي أن تتدرب قوات الدفاع الجوية في هذه الدول على اعتراض الطائرات الإسرائيلية والأميركية التي قد تستخدم أراضيها أو أجواءها لتوجيه ضربة إلى إيران أو غيرها
"
اختراق الأجواء العربية

وطبعا فإن تدريب طائرات إسرائيلية على الهجوم مع احتمال اختراق أجواء عربية، خاصة في الأردن والمملكة العربية السعودية والكويت وقطر والبحرين، يستدعي أن تتدرب قوات الدفاع الجوية في هذه الدول على اعتراض الطائرات الإسرائيلية والأميركية التي قد تستخدم أراضيها أو أجواءها لتوجيه ضربة إلى إيران أو غيرها.

وليس المقصود هنا الدفاع عن إيران بقدر ما هو الدفاع عن البلاد العربية التي يحتمل أن تتأثر بمثل هذه العملية.

أما العراق فلا يستطيع أن يعترض على وجود قوات أميركية حليفة لإسرائيل على أراضيه، كما أن القوات العراقية لا تمتلك وسائل دفاع جوي مناسبة.

لقد سبق لدول الخليج وللعراق أن أكدت لإيران أنها لن تسمح باستخدام أراضيها قاعدة لعدوان ضدها، والآن يثور السؤال عما يمكن أن تفعله هذه الدول حيال اختراق طائرات إسرائيلية لأجوائها الإقليمية، وماذا يمكن أن تفعله في حال اشتراك قوات أميركية في ضربة أو ضربات ضد إيران.

كذلك فإن التدريب الذي أجري في المناورة شمل تدريبا على إنقاذ الطيارين الذين يحتمل أن يسقطوا أثناء تنفيذ المهمة، وهنا لا بد أيضا من السؤال عما ستفعله دول عربية إذا سقطت على أراضيها طائرات إسرائيلية و/أو طيارون إسرائيليون.

وكما تتدرب القوات الإسرائيلية على هذا الاحتمال، فإن قوات الدول العربية التي يحتمل أن تجري هذه الظروف في أجوائها يجب أن تتدرب على أعمال البحث والإنقاذ، واضعة في الاعتبار احتمال تدخل طائرات إسرائيلية لحماية الطيارين الذين سقطوا أو أسقطوا.

وإذا كانت المناورات الإسرائيلية الأخيرة تعني احتمال استخدام القوات الإسرائيلية منفردة أو بالتعاون مع قوات أخرى وخاصة القوات الجوية ضد قوات إقليمية مع ترجيح أن تكون ضد إيران، فإن هذا يعني أن هناك احتمالا لردود الفعل الناجمة عن مثل هذا العمل يمكن أن تقوم بها إيران وعناصر موالية لها أو متعاطفة معها.

ومن المهم دراسة النتائج المتوقعة وردود الفعل الممكنة ودراسة ما يجب على الدول العربية أن تكون مستعدة لمواجهته في هذه الحالة، خاصة احتمالات استخدام الصواريخ البالستية أرض أرض، واستخدام الصواريخ الساحلية والزوارق السريعة والألغام البحرية خاصة في مضيق هرمز، واحتمالات القيام بمهاجمة تسهيلات أميركية وقواعد أميركية، هذا بالإضافة إلى دراسة الآثار الاقتصادية والأمنية التي تنجم عن مثل هذا العمل، والتخطيط لمواجهتها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك