صباح ياسين

- ازدواجية الخطاب
- تلازمية الردع والمرونة
- مواجهة الطوفان
- ضلال التجارب الأخرى

في كتابه الشهير (مروج الذهب) يروي المسعودي عن بلال بن أبي بُردة حين وجد أن كلامه نال رضى أهل مدينة البصرة أنه خاطبهم بقوله "أيُها الناس لا يمنعكم سوء ما تعلمون عنا، أن تقبلوا أحسن ما تسمعون منّا".

"
قادة إيران يدركون أن تسارع خطواتهم نحو امتلاك القدرة النووية لا بد أن يرافقه اضطراب إقليمي ودولي، وأن عليهم أن يناوروا للنفاذ من التأثيرات المحتملة التي تعصف في مواجهة بروز دولة آسيوية جديدة بامتياز تمتلك السلاح النووي
"
ازدواجية الخطاب

إن هذه المساومة، وبغض النظر كيف تجري الصفقة حولها، فإن أفضل صور المطابقة بين تفاصيل "صورة" المشهد الإيراني التي يعكسها تلاطم أمواج الرسائل الإعلامية الإيرانية المتلاحقة على حدود محيطها الإقليمي والدولي، وبين "صدقية" الواقع الداخلي الاقتصادي والعسكري، في إطار تشكل جملة من العناصر المحيطة بالقدرة والإمكانيات الفعلية لإمبراطورية تسعى إلى بعث تاريخها مجدداً، في زمن يصعب فيه تدوير آليات نشوء الدول أو تفككها دون ضمان تلك المعادلة القائمة على إدراك ضرورة الجغرافيا ومعنى التاريخ وتوافقهما.

فالصعب هنا ليس في ما يكتبه المنتصرون، ولكن في قدرة المحافظة على حصاد الانتصار، وهذه هي نقطة الارتكاز التي تشكل القاعدة الأمينة لكل جهد تاريخي يسوق الآمال والأحلام معاً.

ولعل في الإعلام -على سعة أفقه- ما يجعله أحياناً في مسار مغاير لا يتوقع حدوثه فعلا، وحسابات قد لا يمكن توقع نتائجها عندما يتعلق الأمر بالتحدي الذي يفرضه موضوع امتلاك قدرة تدميرية مثل القنبلة النووية.

وإيران التي وجدت نفسها فجأة، وبعد غياب أحد خصومها، ومصدر قلقها المستمر العراق عن ساحة المواجهة، وما تبع ذلك من تبادل في استحقاقات قلق الأمن والعلاقة مع دول الجوار، أمام نمط فريد من التناقض والتشابك في الغايات والمصالح، فلم يعد فيه العراق (عمقاً مذهبياً) أو خصماً تقليدياً، بل أضحى صديقاً وخصماً في الوقت ذاته.

ولا بد أن يكون التعامل مع تلك الحالة مزدوجاً أيضاً، ومثله يمكن أن يكون نحو الضفة الأخرى من الخليج، حيث الدول تترقب بخشية عودة ما يماثل طموحات الشاه في تحويل الخليج إلى بحيرة إيرانية.

وكل ما يجري اليوم من محاولات ترميم نصية الخطاب الإعلامي الإيراني الموجه نحو دول الجوار وتخليصه من كل مفردات التهويل أو التهديد، فإنه سرعان ما يواجه بإشكالية التموضع في حالة الخوف والقلق.

والخطاب الذي يدور في حلقة مغلقة بين سردية دينية تبشيرية وأخرى براغماتية تدرك معاني الخطر في القبول بأحد الخيارين، خيار الانغلاق على نصوص خطب الجمعة وشعاراتها الثورية, وخيار مرونة تفتح الباب للتعامل مع الوجه الآخر للشيطان الأكبر، وهما خياران لا يمكن مطابقتهما في كل الأوقات كما لا يطابق حساب الحقل حساب البيدر.

ولهذا فإننا في الواقع لا ندرك تماهي أية "لغة مباشرة واضحة ومحددة يسوقها الإعلام الرسمي الإيراني إزاء تصاعد أزمة البرنامج النووي باتجاه الدوائر الثلاث في المحيط الإقليمي أولاً، ثم أوروبا ثانياً، وثالثاً نحو الخصم المباشر الولايات المتحدة، وربما تدخل "إسرائيل" في نقاط هشة بين حالتين كلاعب إقليمي له القدرة على أن يمد مخالبه حيث تفرض شروط أمنه الحاجة إلى ذلك.

فهل لنا أن نتذكر بعض المصطلحات السياسية الإعلامية التي كانت تسود مفردات الخطاب الإعلامي في العقد السابع من القرن الماضي ومنها مفردة، "المياه الدافئة" التي كان الاتحاد السوفياتي يحلم بالوصول إليها زمن الشاه، وقبل ذلك بكثير حين أراد نابليون بونابرت أن تكون إيران جسراً سهلاً للعبور إلى الهند، لمواجهة المصالح البريطانية هناك.

هل هذه المخاوف تسكن في هاجس قادة إيران، وهم يدركون أن تسارع خطواتهم من أجل امتلاك القدرة النووية لا بد أن يرافقه اضطراب إقليمي ودولي، وأن عليهم أن يناوروا للنفاذ من التأثيرات المحتملة التي تعصف في مواجهة بروز دولة آسيوية جديدة بامتياز تمتلك السلاح النووي.

تلازمية الردع والمرونة
تكشف أزمة المفاعل النووي الإيراني عن أزمة أخرى في الخطاب الدعائي الإيراني، لأن المستويات المتعددة للتعامل مع الأزمة لا تنحصر في المصدر الإيراني، بل قد تجد ذلك واضحاً أيضا في التعامل الأميركي، ولكنها دون شك أكثر وضوحاً وأشد تعبيراً في حدود التعامل الإيراني الرسمي الإعلامي منذ بداية التعامل العلني مع قضية البرنامج النووي للرد على الهجمة الإعلامية الغربية والأميركية وصولاً إلى الواقع الراهن.

وإن الجملة المعروفة التي قالها الكاتب محمد حسنين هيكل في كتابه "مدافع آية الله" تبدو أكثر ملاءمة لتلازمية التخويف والترغيب لحصد المكاسب، "إنني أسمع دوي مدافعك، ولكني حتى الآن لا أرى أثراً لمشاتك".

"
المفارقة في تباين صيغ الخطاب الإعلامي عند التعامل مع أزمة البرنامج النووي تبدو أسبابها واضحة في انتقال ملف البرنامج النووي من مسؤولية رئيس الجمهورية إلى المرشد الأعلى، والتناقض في التصريحات إزاء قضية إسرائيل
"
وبمقارنة قد لا تتعدى المظاهر، تسير عسكرة الأزمة على جانبي خط المواجهة بين الطرف الإيراني والأميركي، والموقف الأوروبي الذي يحاول التميز النسبي بالمرونة عن الموقف الأميركي، مع بعض الاختلافات في التفاصيل.

وفي نفس الوقت تدفع الرسائل الإعلامية، وفي الجانبيين أيضاً، للتلويح بالبدائل المغلفة بالنوايا الغامضة عن قصد، فالخطاب الإعلامي الإيراني يستخدم تمايز المنابر الداخلية لإطلاق حزم من المواقف التي تثير التشابك واللبس في فهم أهداف إيران، وهو بذلك يغلق الباب على نصفه، ويترك النصف الآخر للتعامل الحذر مع الرسائل المتكررة والمتناقضة في نفس الوقت.

فأحاديث الرئيس محمود أحمدي نجاد التصعيدية توحي بالمزيد من الدهشة بسبب إصراره على المواجهة العسكرية، يرافقه في ذلك وزير الدفاع الذي يترك في الغالب لمساعده العميد نصر الله عزتي أن يتحدث بتفاصيل قدرة صواريخ شهاب 3 البالستية التي يصل مداها إلى أكثر من ألفي كيلومتر مفتخراً بأنها تستطيع أن تصيب أهدافها بدقة في عمق إسرائيل.

كذلك فإن مناورات "النبي الأعظم" العسكرية التي شهدها الخليج تقدم كرسالة إعلامية وميدانية أخرى تعبر عن إمكانات تحييد وتعطيل التواجد الأميركي في المياه وعلى السواحل القريبة حيث توجد أكبر القواعد العسكرية في قطر أو البحرين.

وهكذا يبدو أن المزيد من المناورات العسكرية والإعلانات عن تجارب صاروخية جديدة هي بالنسبة لإيران الصفحة الأخرى من الخطاب الإعلامي الذي يعتمد على المزيد من التصعيد، مقابل تصريحات سياسية أخرى من المنابر المختلفة في إيران قد تمثّل فرصة محتملة للتراجع أو المناورة بعيداً عن لحظة الصدام.

تلك التصريحات تتحدث عن إمكانية الحلول السلمية أو التفاهم المتبادل، وتقديم المزيد من الإغراءات الموحية بالتنازلات على غرار تجربة النموذج الكوري الشمالي وحتى الليبي.

ولغاية اليوم فإن ما يحصد من الجانب الإيراني يدور في هذه الحلقة المفرغة، تصريحات إعلامية واستعراضات عسكرية، مقابل وعود مترددة وطمأنة خجولة، وإيحاءات قد لا يقصد منها إلا تعبئة الرأي العام العالمي ضد سياسات التصعيد وخيارات الضربة العسكرية، وصولاً إلى بناء الحد الأدنى من إمكانات التفاهم قبل الإقدام على العمل العسكري الحاسم.

إنها حرب باردة جديدة من نمط آخر، إذ الأطراف المتصارعة حول سجادة "البرنامج النووي" تستخدم كل أسلحتها الإعلامية لغاية الآن.

الجانب الإيراني لا يبدو في عجلة من أمره للوصول إلى حافة الهاوية، فالساحة السياسية والإعلامية متزاحمة فوق مياه الخليج العربي، إلى جوار اصطفاف الأساطيل والقواعد المدججة بالسلاح، مع تصريحات عائمة تدفع إلى مزيد من احتمالات تفجر الصراع الذي لا تعرف حدوده.

ومع بعض التأمل في معطيات السياسة الإعلامية الإيرانية في تعاملها مع أزمة البرنامج النووي يمكن أن نرى تلك الطبيعة المتشابكة من العلائق الداخلية ضمن البنية السياسية والدينية والعسكرية الإيرانية التي تسمح بتبادل المواقع والاستفادة القصوى من تلك الحالة لإيقاع الخصم في معضلة فهم النوايا التي تقف وراء كل رسالة إعلامية.

وبذلك فإن إيران في الواقع تصدر تركيبتها السياسية الداخلية إلى ساحة خصومها لتوقعهم في مشكلة التعامل مع المعلن والغامض من النوايا والأهداف.

مواجهة الطوفان
لا شك أن أكثر الأسئلة المتكررة اليوم في وسائل الإعلام هي عن إمكانية أو عدم إمكانية ضربة إيران لإنزالها من منصة الظفر بامتياز الانتساب للنادي النووي.

ولعل وسائل الإعلام الإيرانية هي الأخرى تسير في نفس الاتجاه وتسعى إلى أن توظف هذه الحالة القلقة لقضايا داخلية وإقليمية، وهنا يبدو التشابك بين ما هو سياسي وما هو إعلامي صعب التحديد والفصل.

فالأوضاع الاقتصادية ليست بأحسن أحوالها، رغم القفزات السريعة في أثمان السلعة التصديرية الأولى في إيران (النفط).

والنفقات العسكرية الباهظة سواء أريد بها تأمين متطلبات البرنامج النووي عبر الالتفاف على قرارات المقاطعة والحصار الأميركية، أو الصرف على تنمية القدرات التسليمية التقليدية وغيرها إلى جانب البطالة وارتفاع قائمة المواد الغذائية المستوردة بعد سنوات عدة من الجفاف، كل ذلك يضع تماثلية الصورة المكررة عن الدول التي لا يزال طريقها نحو التنمية طويلا في الوقت الذي تسعى فيه إلى امتلاك قدرات نووية استثنائية، مع الإشارة إلى أن تحقيق النجاح في أحد المسارين لا بد أن يكون على حساب الآخر.

"
الإعلام الإيراني لا يستطيع أن يبقى حارساً لمتطلبات الداخل الإيراني في الوقت الذي تتجاوز فيه الأحداث قدرته على الدفاع عن حدود إيران الخارجية وطموحاتها الإقليمية والنووية وإيصال رسالته الواضحة إلى العالم
"
وهنا تبرز أمام وسائل الإعلام الإيرانية صعوبة تقسيم رسائلها إلى مستويين، الأول نحو الشعب الإيراني لإفهامه ضرورة السير في طريق مواجهة "الشيطان الأكبر" وطرده من الخليج، وربما حتى من العراق، ورسائل أخرى لطمأنة دول الجوار التي لا تخفي هلعها وخوفها من وجود ذلك السلاح بين ثناياها، واحتمالات استخدامه في أي مواجهة أو حدوث التسرب النووي جراء أي ضربة مباشرة لمواقع المفاعلات القريبة جداً من مياه الخليج.

أن مهمات الإعلام الإيراني المتشعبة هذه تقوده أحيانا إلى الإرباك والمزيد من الخسائر، لأن كسب الأصدقاء أكثر صعوبة من خسارتهم، وقد يقود إغراء القوة إلى تعطيل أهدافها في الغالب.

ولذلك فإننا حين نطالع الصحف الإيرانية كل يوم سنجد وبسهولة أبعاد تلك المفارقة في تباين صيغ الخطاب الإعلامي في حدود التعامل مع أزمة البرنامج النووي، عبر اختلاف الصياغات والمفردات في بيانات وزارة الخارجية (ومدافع) المؤسسة العسكرية.

ويبدو ذلك واضحاّ في انتقال ملف البرنامج النووي من مسؤولية رئيس الجمهورية إلى المرشد الأعلى، والتناقض في التصريحات حول قضية إسرائيل، من اعتبارها "دولة لا بد من إزالتها عن وجه الأرض" إلى الإعلان عن أن "السلام العالمي لا يحقق إلا بالاعتراف بسيادة واحترام الحدود الدولية"، كذلك من التهديد بضرب القواعد الأميركية في الخليج والمستوطنات في إسرائيل، إلى الإعلان عن إمكانية وجود بعثة "رعاية مصالح" أميركية في طهران.

ضلال التجارب الأخرى
وقد يبدو عند الإحاطة بطبيعة التعامل الإيراني مع أزمة برنامجه على المستوى الإعلامي أن هناك بصمات لتجارب إقليمية مع مثل هذه القضايا، وتكرارا لرسائل سبق أن سمعها العالم عام 1990 حين واجه العراق أميركا وتحالفها العسكري.

فقد قدم الخطاب التصعيدي العراقي لتفعيل حشد داخلي وعربي من أجل تحويل المواجهة إلى معركة قومية شاملة، وكانت المراهنة تقف على منصة امتلاك الحق التاريخي والقومي في مواجهة (الإمبريالية الأميركية).

وإيران اليوم تعيد المراهنة هذه المرة مع بعض الرتوش والإضافات وأحيانا المرونة والتراجع التكتيكي في محاولة لكسب الوقت، أو المراهنة على إحداث انشقاق بين أميركا وإسرائيل من جهة، والموقف الأوروبي والروسي والصيني من جهة أخرى، وإغفال التأثير الإقليمي ربما عن قصد، وبشكل خاص الخليجي في مسار التأثير في الأحداث وتفاعلاتها.

كل ذلك يتوافق مع مراهنة على إمكانية استغلال الفترة التي يضعف فيها القرار الأميركي عند عبور السياسة الأميركية فوق حالة الانتخابات الرئاسية، واستعداد الرئيس الأميركي للخروج من البيت الأبيض بأقل الخسائر بعد خسائره الفعلية في أفغانستان والعراق.

إعلام مع طبول الحرب، أو الأعلام مع أغصان الزيتون هي مشكلة أخرى تواجه الحالة الإيرانية الراهنة على مستوى أزمة البرنامج النووي.

وفي تجارب العالم الثالث لا يمكن الجمع بين الحالتين، ولغاية اليوم فإنه من الصعب تقييم قدرة الإعلام الإيراني على التوافق مع مستوى الفاعلية السياسية الرسمية ومتطلبات (العمل الشعبي الثوري) وتأمين الحشد الجماهيري لمواصلة بناء برنامج التسلح ومنها البرنامج النووي.

وفي الغالب فإن النظر إلى قاع البئر لا يمكن أن يعطي صورة واضحة عن وفرة المياه فيه، والإعلام الإيراني لا يستطيع أن يبقى حارساً لمتطلبات الداخل الإيراني في الوقت الذي تتجاوز فيه الأحداث قدرته على الدفاع عن حدود إيران الخارجية وطموحاتها الإقليمية والنووية وإيصال رسالته الواضحة إلى العالم.

مرة أخرى فإنه ليس كل الكلام يرضي كل الناس وليس كل الناس لهم القدرة على تفسير معنى ما يجدونه في طريقهم، وهكذا يمكن أن نفهم صعوبة موقف الإعلام الإيراني بين حرج الأزمة، وتعدد المنابر السياسية، والقدرة على المناورة والنفاذ إلى حيث يمكن أن يكون للرسالة صدى ومعنى.

مرة أخرى إلى بلال بن أبي بردة مخاطباً أهل البصرة: "أيها الناس لا يمنعكم سوء ما تعلمون عنا، أن تقبلوا أحسن ما تسمعون منا".
__________________
كاتب عراقي

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك