خالد المعيني

الاسم: خالد حمزة المعيني- المولد: 1960 بغداد - الحالة الاجتماعية: متزوج- التحصيل العلمي: دكتوراه فلسفة في العلوم السياسية - علاقات دولية


- النفط مقابل البقاء في السلطة
- الاتفاقية استحقاق انتخابي أميركي
- عوامل الرفض واحتمالات التوقيع
- إيران.. الدور المزدوج

لا شك في أن إحجام الأطراف المفاوضة من كلا الحكومتين الأميركية والعراقية عن الإفصاح عن البنود الحقيقية للاتفاقية الأمنية بعيدة الأمد المزمع توقيعها قبل 31 يوليو/تموز 2008 يكشف عن مدى الخطورة والإحراج الذي تنطوي عليه هذه الاتفاقية.

وما تكشف لغاية الآن من تسريبات مقصودة لامتصاص نقمة الشعب العراقي لا يمثل سوى الجزء اليسير من القيود والسلاسل التي سترهن مستقبل العراق وثرواته وتكبل إرادته وسيادته لصالح الولايات المتحدة الأميركية وشركاتها النفطية لعشرات السنين.

"
في سير هذه المفاوضات لا يملك الطرف العراقي أي أوراق للضغط أو القوة، وهو يفتقر أصلا لأية تجربة مشابهة أمام قوة عظمى متمثلة في إرادة المحتل الذي يمتلك التأثير الحقيقي ويتحكم في قواعد اللعبة السياسية في العراق
"
الاتفاقية بمبادئها الثمانية عشر تعد بمثابة صك انتداب جديد على العراق، لأن مفهوم التعاون طويل الأمد الذي نصت عليه بشقها الأمني لا يعني سوى فتح البلاد على مصراعيها أمام إنشاء قواعد عسكرية دائمة وتحويل العراق إلى ثكنة عسكرية أميركية ضخمة وإعطاء صفة شرعية للقوات الأجنبية المحتلة طبقا للقانون الدولي وتبرير لاستمرار تواجدها على الأراضي العراقية ولكن بصفة جديدة.

إن هذه الاتفاقية تشبه في فحواها المعاهدة البريطانية العراقية سنة 1930 عندما تحول الغزو البريطاني في العراق من صفة قوات الاحتلال إلى تواجد قانوني سيطر على كافة مقدرات العراق، وكان فيها المندوب السامي البريطاني هو الحاكم الفعلي للبلاد واستمرت هذه الاتفاقية في حينها لمدة 25 سنة ثم جددت عام 1954 إلى أن تم إسقاطها على يد الجيش والشعب العراقي عام 1958.

ومن يستعرض بنود الاتفاقية الأميركية في العراق بمجالاتها الأمنية والاقتصادية والسياسية يجدها قد أعدت بصورة متوازنة ومتكاملة ومنسجمة مع الأهداف الإستراتجية التي من أجلها شنت الحرب، لأن القواعد العسكرية في المجال الأمني تحمي الشركات النفطية في المجال الاقتصادي.

وفي سير هذه المفاوضات لا يملك الطرف العراقي أي أوراق للضغط أو القوة، وهو يفتقر أصلا لأية تجربة مشابهة أمام قوة عظمى متمثلة في إرادة المحتل الذي يمتلك التأثير الحقيقي ويتحكم في قواعد اللعبة السياسية في العراق ولديه خبرة في عقد ما يقارب 115 اتفاقية مماثلة في أنحاء الأرض.

النفط مقابل البقاء في السلطة
يمكن القول إن الولايات المتحدة الأميركية بهذه المفاوضات إنما تفاوض نفسها، فالحكومة العراقية طبقا للقرار الدولي 1546 الصادر في 8 /6 /2004 الساري المفعول تخضع وخاصة في ملفي الأمن والاقتصاد طبقا للفقرة 10 من هذا القرار للوصاية التامة وإشراف القوات المحتلة (القوات المتعددة الجنسية).

وإذا ما أضفنا إلى ذلك وجود نقص بأكثر من 17 وزيرا لم تفلح الحكومة منذ سنة في تعيين بدلاء لهم نتيجة شلل العملية السياسة الجارية، وتحكم قاعدة المحاصة الطائفية والعرقية فيها, يمكن القول عندئذ إن هذه الحكومة ليست مؤهلة قانونيا ولا سياسيا طبقا لمبدأ تكافؤ السيادة للبحث والتفاوض فضلا عن التوقيع على اتفاقية دولية خطيرة بهذه الحساسية.

وينسجم هذا السعي الأميركي المحموم لتوقيع هذه الاتفاقية مع الرغبة الملحة لدى طبقة سياسية مستفيدة من تواجد قوات الاحتلال لضمان حمايتها وبقائها على هرم السلطة طيلة فترة نفاذ الاتفاقية.

كما تشكل هذه الاتفاقية نصرا مجانيا ومكافأة آخر الخدمة للإدارة الأميركية بعد أن عجزت عن تحقيق ذلك من خلال العمل العسكري طيلة خمس سنوات، بدل المطالبة بمحاسبة الإدارة الأميركية على جرائمها في العراق وانتزاع الحقوق القانونية المادية والمعنوية لملايين القتلى والمشردين من أبناء الشعب العراقي.

"
الاتفاقية يمكن أن تحقق هدفين، الأول يخص تمرير قانون النفط في العراق لضمان استثمار الشركات الأميركية فيه، في حين يخص الثاني استغلال موقع العراق الجيوبولوتيكي لجعله أضخم قاعدة عسكرية في الشرق الأوسط
"
الاتفاقية استحقاق انتخابي أميركي
كما تسعى الولايات المتحدة من خلال الضغط والإسراع بتوقيع هذه الاتفاقية إلى تحقيق جملة إنجازات داخلية على صعيد التنافس الانتخابي، إذ ستقطع بهذه الاتفاقية الطريق على أي رئيس ديمقراطي قادم قد يفكر في سحب القوات من العراق، وتدعم بها جهود المرشح الجمهوري وتحسن فرص فوزه.

أما على الصعيد الإستراتيجي للغزو فإن هذه الاتفاقية يمكنها أن تحقق هدفين، الأول يخص تمرير قانون النفط في العراق لضمان استثمار الشركات الأميركية فيه.

وهذا هو ما ورد في الشق الاقتصادي من الاتفاقية الذي ينصرف بشكل أساسي إلى الثروة النفطية التي يبلغ احتياطها في العراق 350 مليار برميل مما يضعه في المرتبة الأولى من حيث احتياط الطاقة في القرن الحادي والعشرين.

وتتيح هذه الاتفاقية لشركات البترول الأميركية مشاركة الشعب العراقي ثرواته بنسبة 50% – 60% من خلال عقود شراكة تتجاوز ثلاثين عاما.

في حين يتمثل الهدف الثاني في استغلال موقع العراق الجيوبولوتيكي لجعله أضخم قاعدة عسكرية في الشرق الأوسط من خلال إنشاء خمسين قاعدة عسكرية لحماية الشركات النفطية، ولتكون منطلقا للتهديد والاستفزاز المستمر لدول الجوار التي لديها مشاكل مع الولايات المتحدة بغرض ابتزازها ومساومتها تحت بند ردع العدوان الخارجي الذي يعني مفهوم الضربات الاستباقية وكذلك الشراكة في الحرب العالمية على الإرهاب.

وهذا ما تتيحه الاتفاقية من خلال الحرية والحصانة الممنوحة لحركة القوات الأميركية وحلفائها برا وبحرا وجوا.

عوامل الرفض واحتمالات التوقيع
المشاهد المحتملة لمصير هذه الاتفاقية تشير إلى وجود ممانعة جدية من قبل كافة شرائح الشعب العراقي بما فيها نخبه الدينية والسياسية، إذ يبدو هذا الشعب بعد خمس سنين رغم كل المآسي والجراح أكثر توحدا ووعيا بما يحاك له من خلال شباك هذه الاتفاقية، ولاسيما بعد انكشاف زيف وخداع شعارات الاحتلال كالتحرير والديمقراطية وحقوق الإنسان، إضافة إلى انتهاء مورفين الشحن الطائفي.

لقد سبق أن أفشلت ممانعة الشعب العراقي الأهداف الإستراتيجية للغزو المتمثلة في إقامة نموذج العراق وتعميمه لاحقا لتشكيل الشرق الأوسط الكبير الذي كان من المقرر أن تقوده إسرائيل، وما لم تتوقعه الولايات المتحدة الأميركية في أسوأ كوابيسها هو تلك الكلفة الباهظة التي تكبدتها جراء هذا الغزو من شعب محاصر، ومن قتلى وجرحى ومعوقين واستنزاف دائم لمئات المليارات من جيوب دافعي الضرائب.

"
تراهن إدارة الاحتلال على مساعدة وكلائها المقربين لتمرير هذه الاتفاقية عبر أسلوب إعماء الرأي العام بمحاولة الإيحاء بصعوبة المفاوضات والإيحاء بعناد الطرف العراقي المفاوض وحصوله على تنازلات مهمة من الطرف الآخر
"
وتراهن إدارة الاحتلال حاليا على مساعدة وكلائها المقربين لتمرير هذه الاتفاقية من خلال أسلوب إعماء الرأي العام العراقي ومحاولة استغفاله بتزييف الحقائق وخلط الأوراق والتحكم في نوع وحجم التسريبات، في محاولة للإيحاء بصعوبة المفاوضات وعناد الطرف المفاوض العراقي وحصوله على تنازلات مهمة من الطرف الآخر.

وكمثال على ذلك ما تم تسريبه من موافقة الطرف الأميركي على أن تكون الحصانة القانونية لجنوده فقط ولا يتمتع بها مرتزقة الشركات الأمنية.

ويعتمد الاحتلال في هذا الأسلوب على طاقم سياسي عراقي محسوب عليه ومن تصنيعه، والقصد منه ترويض وتهيئة العقل العراقي المثخن بالجراح لضمان استعداده لقبول هذه الاتفاقية.

اصطدم هذا الأسلوب بحقيقة الشعب العراقي وشدة تماسكه وصلابة ذاكرته الوطنية والقومية التي فاجأت الاحتلال بالرد السريع الرافض للاتفاقية إلى الحد الذي أحرج أدوات الاحتلال وجعل مواقفها المتناقضة والمتقلبة مثار سخرية الشارع العراقي.

إيران.. الدور المزدوج
لا يمكن إغفال العامل الإقليمي المتمثل في الموقف الإيراني الرافض للاتفاقية التي تشكل تهديدا مباشرا في خاصرة أمن إيران القومي، وتحد من إمكانية امتداد نفوذها المتصاعد في المنطقة.

كما لا يمكن إغفال ما سيمثله هذا الرفض من إمكانية استخدام إيران لنفوذها الواسع داخل العراق لتجعل منه عاملا إضافيا للضغط باتجاه إسقاط هذه الاتفاقية أو المساومة للحصول على مزيد من الغنائم لتحسين شروطها في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة الأميركية بشأن ملفها النووي.

وهذا قد يدفع بإدارة الاحتلال إلى استخدام أدواتها بصورة مكشوفة وإجبار العراق على التوقيع على هذه الاتفاقية بعيدا عن رغبة الشعب العراقي أو حتى موافقة المؤسسات الشكلية في الهيكل السياسي العراقي.

إن الواجبات التي أوكلت إلى هذه الأدوات لم تنته بمساعدة الاحتلال في تدمير العراق وقتل أبنائه وتشريدهم وسرقة ثرواتهم، وإنما تنتهي بإبرام هذه الاتفاقية المذلة التي ترهن مستقبل العراق وبيعه دفعة واحدة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك