ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني


لم يشتغل الفلسطينيون بالقدر المناسب على تطوير فكرهم السياسي، وذلك بسبب تدني مستوى الاهتمام بالثقافة السياسية في المجتمعات العربية، وضعف تقاليد الحوار، وعدم تقبّل الرأي الآخر، ونقص في المنابر والإطارات التي تمكّن من تبادل الآراء وتتيح تفاعل الأفكار.

وفي الواقع فإن الساحة الفلسطينية -مثل الساحة العربية- تتعامل بالخطابات التحريضية والعاطفية، على طريقة الوصفات الطبية والمواعظ الأخلاقية، والفتاوى الأيديولوجية، أكثر بكثير من تعاملها مع موازين القوى والتفاعلات والمتغيرات السياسية، الدولية والإقليمية.

وهذا ما يفسّر جمود أفكارها ووسائل عملها عند النقطة التي انطلقت منها في الستينيات، برغم كل ما مرت به من منعطفات وتطورات وإنجازات وانكسارات.

"
الطرح المتعلق بدولة المواطنين الديمقراطية والعلمانية التي تصون الحقوق الفردية والهوية الجماعية هو الطرح الأكثر عدالة وثباتا والأكثر تمثلا لمختلف جوانب الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إضافة إلى أنه الأكثر حضارية وإنسانية، خصوصا أنه يتضمن تحرر اليهود من الفكرة الصهيونية بطابعها العنصري والغيبي والعدواني
"
ويمكن تفسير ذلك بعدة أسباب منها:
1- ضعف الاشتغال بهذا الحقل المعرفي الهام -أي التفكير السياسي- وغلبة الروح الشعاراتية والعاطفية والإرادية في الخطابات السياسية الفلسطينية.

2- غياب تقاليد الحوار والتفكير النقدي بشأن القضايا المصيرية في الساحة الفلسطينية، لصالح الخطابات الدعائية الفصائلية والخطابات المعنية بالسياسة اليومية.

3- سيادة التفكير الذي لا يشجّع على الاجتهاد والذي يميل إلى التصنيفات المسبقة والثنائيات المطلقة، مثل: وطني أو خائن، مناضل أو مفرّط.

4- الحذر من مغبّة تقديم أفكار جديدة، غير تقليدية، بسبب عدم نضج المجتمع لتقبل ذلك، لأنه لا يملك "ترف" مناقشة المستقبل، في حاضر بائس محيط به، ولأن مثل هذه الأفكار ربما تبدو بمثابة تفريط في الحق والوطن.

5- غياب التواصل والتفاعل والمشاركة بين الشعب والطبقة السياسية (سلطة ومعارضة)، ما يحول دون تنمية ثقافة سياسية مجتمعية.

6- ضعف الحراك في البنى الفصائلية، وضعف التقاليد المؤسسية والديمقراطية، وغياب مراكز صنع القرار والبحث، وهذا كله يحد من تطور الفكر السياسي الفلسطيني.

كانت ثمة ضرورة للتعامل مع الدعوات الرامية إلى التحول من خيار الدولة المستقلة في الضفة والقطاع، بعدما قوّضته إسرائيل -بيسارها ويمينها- لصالح إعادة الاعتبار لخيار "الدولة الديمقراطية العلمانية"، سواء جاءت على شكل "دولة ثنائية القومية" أو دولة مواطنين، ما يضمن إبقاء الأفق مفتوحا لوحدة أرض وشعب فلسطين، ولو على صعيد المستقبل.

وتستمد هذه الأفكار مشروعيتها، أولا، من واقع أن التجربة أثبتت ضعف قدرة الفلسطينيين على التخلص من الاحتلال، برغم تضحياتهم وبطولاتهم.

وتستمدها ثانيا من عدم رغبة إسرائيل في الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ولاسيما في ظل إصرارها على الاحتفاظ بالمستوطنات وقيامها ببناء جدار الفصل العنصري.

وتستمدها ثالثا من حقيقة أن الوضع الديمغرافي المتداخل وشبكة الاعتمادية والمصالح المتبادلة تحتم على الطرفين إيجاد صيغة من التعايش المشترك بدلا من الانفصال.

كما تستمدها رابعا من أن الحل التوحيدي -الديمقراطي أو ثنائي القومية- يمكن أن يشكل مدخلا لتذويب مختلف عناصر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وبالخصوص من ذلك قضايا اللاجئين والقدس والاستيطان والحدود والموارد المشتركة، إضافة إلى أنه يلبي مصالح الطرفين وتطلعاتهما "القومية"، في حين أن حل الدولة في الضفة والقطاع لا يضع حلولا مناسبة لمختلف جوانب الصراع ضد إسرائيل.

طبعا لا يمكن طرح خيار الدولة الواحدة كبديل لخيار الدولتين، أو كنقيض له، ذلك أن مثل هذا الحل يفترض وجود توسطات وتدرجات، ربما منها قيام دولة مستقلة أو حكم ذاتي أو نظام أبارتيد، فلا أحد يمكن أن يتكهن بشكل الكيان الفلسطيني المقبل.

وبمعنى آخر فإن حل الدولة الواحدة يخلق أفقا مستقبليا ممكنا لتوحيد نضال شعب فلسطين في نطاق فلسطين الكاملة، بمعنى أنه تطوير واستكمال لفرضية الدولة المستقلة، في حال تجسيدها.

في هذا الإطار قد يبدو أن الطرح المتعلق بدولة المواطنين الديمقراطية والعلمانية التي تصون الحقوق الفردية والهوية الجماعية، هو الطرح الأكثر عدالة وثباتا والأكثر تمثلا لمختلف جوانب الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إضافة إلى أنه الأكثر حضارية وإنسانية، خصوصا أنه يتضمن تحرر اليهود من الفكرة الصهيونية بطابعها العنصري والغيبي والعدواني.

ولكنه مع ذلك يبدو الأكثر طوباوية على ما يؤكده مؤيدو هذا الحل، خصوصا في هذه الظروف المأساوية التي يحارب فيها كل من الطرفين الآخر بهدي من النوازع القومية والوجودية.

أما الحل المتعلق بإقامة الدولة الثنائية القومية فيمكن اعتباره بمثابة المرحلة الوسيطة بين الدولة الفلسطينية المستقلة والدولة الواحدة الديمقراطية العلمانية، لكونه يجمع إيجابيات هذين الحلين ويتجاوب مع طموحات الطرفين القومية.

ولكن هذا الطرح يحتاج إلى المزيد من الاشتغال عليه بترويجه كثقافة سياسية بمختلف أبعاده، واعتباره مرحلة على طريق الدولة الديمقراطية.

"
فكرة التحرير باتت تفترض تحرير العرب واليهود في آن معا من الصهيونية، وابتكار حل حضاري وإنساني لكل مظاهر الصراع العربي الإسرائيلي على أسس ديمقراطية وليبرالية وربما قومية أيضا
"
ومع ذلك وبرغم ثقل الوضع الراهن فإن فكرة "دولتين لشعبين" -رغم الإجحاف الكامن فيها والممانعة الإسرائيلية الظاهرة- تظل بمثابة الطرح الأقرب منالا في هذه المرحلة، لاستجابتها لمتطلبات وتوازنات هذه المرحلة من الصراع مع إسرائيل، ولاسيما أن هذا الحل بات يكتسب شرعية دولية وعربية وحتى إسرائيلية.

ويمكن أن نستنتج هنا أنه لا توجد أطروحة بين الأطروحات المتداولة (دولة ديمقراطية أو كنفدرالية أو دولة ثنائية أو دولتين لشعبين) لا تتضمن حلا مجحفا بحق الفلسطينيين، ولاسيما أنها كلها تنطلق من وجود إسرائيل ووجود جماعة "قومية" إسرائيلية.

لذا تبدو المفاضلة بين هذه الأطروحات نسبية، كما أن المسألة لا تتعلق بقرار ينهي الصراع إذ إن حل المسائل التاريخية لا يكون على هذا النحو، كما أن هذا الصراع يمكن أن يأخذ أشكالا متغيرة ليست بالضرورة عنفيّة ولا استئصالية.

على ذلك فإنه من المبكر وضع هذه الأطروحات في تضاد مع بعضها، ولاسيما أن ثمة شبه إجماع بين الفلسطينيين مفاده أن مجمل هذه الأطروحات غير قابل للتطبيق و"طوباويات" لأنه من دون انقلاب في وعي الإسرائيليين ومن دون تغير ملموس لصالح العرب في موازين القوى، ومن دون تغير وضع العرب أنفسهم فإن الباب سيبقى مسدودا أمام كل الحلول طوباوية كانت أو أقل طوباوية.

وللإنصاف فإن مشكلة الساحة الفلسطينية لا تكمن في طبيعة الشعارات والتصورات والخيارات السياسية السائدة (صحتها من عدم ذلك)، ولا في النزعة الإرادية التي تعبر عن الرغبات والأمنيات البعيدة عن معطيات الواقع، وإنما تكمن أساسا في إمكانياتها المحدودة وتخلف إدارتها، كما تكمن في تعقيداتها ومداخلاتها العربية والدولية، وفي طبيعة العدو الذي تواجهه.

بناء على ما تقدم فإن تفحص تعقيدات الوضع الفلسطيني تفترض إيجاد معادلات سياسية جديدة ومبتكرة، لشق مختلف الطرق نحو الهدف المتمثل في تقويض المشروع الصهيوني، بتعبيراته الأيديولوجية العنصرية وبمظاهره العدوانية والوظيفية، وصولا إلى إيجاد حل للمسألتين الفلسطينية والإسرائيلية اللتين أوجدهما المشروع الصهيوني في المنطقة.

ربما يكون ذلك بداية بتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته، مرورا بنشوء دولة ثنائية القومية وصولا إلى قيام دولة واحدة ديمقراطية علمانية، تتجاوب مع التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الحاصلة في المنطقة العربية.

وهذا يتطلب الوعي بالتحويلات التي دخلت على المفهوم السائد لعملية "التحرير"، فطوال نصف قرن سادت فكرة متخيّلة عن عملية تحرير قوامها العودة إلى لحظة العام 1948 وهزيمة المشروع الصهيوني بالوسائل العسكرية، لذا فمن غير المعقول أن يبقى هذا المفهوم جامدا برغم كل المتغيرات والتحولات.

والمقصود أن فكرة "التحرير" باتت تفترض تحرير العرب واليهود في آن معا من الصهيونية، وابتكار حل حضاري وإنساني لكل مظاهر الصراع العربي الإسرائيلي على أسس ديمقراطية وليبرالية، وربما قومية أيضا.

لقد اشتغل العرب والفلسطينيون كثيرا على إستراتيجية الصراع المباشر والمسلح ضد المشروع الصهيوني بمختلف تجلياته، وبدا واضحا أن هذا المشروع يتميز بنقاط قوة هائلة، في هذا المجال بالتحديد، كما يتميز باحتكاره أسلحة الدمار الشامل، وبضمان القوى الدولية الكبرى لأمنه وتفوقه.

"
ثمة مشروعية للتفكير في الانتقال من إستراتيجية الصراع المباشر مع إسرائيل على وجودها، إلى إستراتيجية استيعاب هذا الوجود لإدخال تحولات أساسية فيه، تضعف مرتكزاته الصهيونية والوظيفية، وتعزز مناحي الاندماج لدى الإسرائيليين
"
لذلك يبدو أن ثمة مشروعية للتفكير في الانتقال من إستراتيجية الصراع المباشر مع إسرائيل على وجودها إلى إستراتيجية استيعاب هذا الوجود لإدخال تحولات أساسية فيه، تضعف مرتكزاته الصهيونية والوظيفية، وتعزز مناحي الاندماج لدى الإسرائيليين.

ولعل مثل هذا التحول يشكل أحد رهانات التسوية التي تحمل في داخلها -مثلها مثل أي ظاهرة- نقيضها.

وقد شهدنا بعد مؤتمر مدريد وبعد عقد اتفاق أوسلو 1993 كيف تنامت التناقضات المجتمعية الداخلية في إسرائيل بين المتدينين والعلمانيين، وبين الشرقيين والغربيين، وبين المتطرفين والمعتدلين، وبين الإسرائيليين والمستوطنين في الضفة والقطاع، وبين دعاة الإسرائيلية ودعاة اليهودية، وذلك بسبب شعور هؤلاء بالأمان بفعل مفاعيل التسوية.

وفي هذه الإستراتيجية فإن التفكير السياسي العربي -بناء على ما تقدم- معني أيضا بتطوير نظريته في الصراع والتي كانت تقتصر فقط على الجانب العسكري الذي استنزف طاقات العرب وأفاد إسرائيل، وذلك بالتأكيد على إستراتيجيات البناء والتطوير السياسي والاقتصادي والتقني والثقافي.

وفي هذه الإستراتيجيات يكمن أساسا نجاح إستراتيجية الاستيعاب والتذويب للمسألتين الفلسطينية والإسرائيلية وفسح المجال أمام اليهود للتحرر من أسر الصهيونية وادعاءاتها.

وفوق كل ما تقدم، فإن المشكلة الأكبر لدى الفلسطينيين -رغم نضالهم المضني والمرير والطويل- إنما تكمن في أنهم في مجمل خياراتهم السياسية أغفلوا أهمية التوجّه نحو عدوهم، في خطاباتهم السياسية أو في اختيارهم لأساليبهم الكفاحية.

ومرد ذلك يعود إلى ثقافة سياسية مفادها أن العدو الصهيوني هو مجرد كتلة صماء، وأن المجتمع الإسرائيلي هو مجتمع استيطاني عسكري (لا مدنيين فيه)، وأن الكيان الصهيوني ثكنة عسكرية فحسب، أو قاعدة للإمبريالية في المنطقة العربية، لا أكثر ولا أقل.

هكذا أخفقت الحركة الوطنية الفلسطينية في الاشتغال على التناقضات الإسرائيلية، وفي توليد حركة إسرائيلية قوية مناهضة للاحتلال، بل إنها في أحيان كثيرة، اشتغلت على الضدّ من ذلك، أي لصالح طمس هذه التناقضات وتعزيز وحدة الإسرائيليين من حول التيارات الأكثر تصلباً وتطرفاً في المجتمع الإسرائيلي.

في كل الأحوال فإنه لم يكن بالإمكان إقناع الإسرائيليين بإمكان تحول الفلسطينيين نحو التسوية، في وقت يتم فيه شنّ العمليات ضدّهم في المطاعم والملاهي والأسواق والحافلات، كما لم يكن بالإمكان إقناعهم بصدق قبول الفلسطينيين بدولة لهم في الضفة والقطاع، وهم يكثفون عملياتهم بالضبط في تل أبيب ونتانيا -مثلا- بدلا من تركيزها ضد الوجود الإسرائيلي -العسكري والاستيطاني- في الضفة والقطاع المحتلين.

والواقع فإن الساحة الفلسطينية التي تشتغل في واقع معقد ومركب تحتاج بدورها إلى عقليات من نفس الطراز تتعامل مع هذا الواقع وتضع الأجوبة المناسبة له، بعيدا عن التبسيط والاستسهال.

وفي هذا المجال يبرز دور القياديين السياسيين والمثقفين في تربية شعبهم بالثقافة السياسية المناسبة والمنتجة، لقيادته إلى هدفه بأصوب وأقرب طريق ممكن، وبأقل تكلفة ممكنة.

أما تنمية النزعات "الشعبوية" ومخاطبة الغرائز والعواطف فليس عملا قياديا، وهو لا يمت بصلة لا للسياسة ولا للثقافة.

من ذلك فثمة مشروعية لطرح الدولة الواحدة، بعدما دفنت إسرائيل خيار الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة والقطاع.

المصدر : الجزيرة

التعليقات