عدنان أبو عامر

عدنان أبو عامر

كاتب فلسطيني


أسباب أفول الردع
مظاهر الأفول الردعية
مقارنات تظهر فقدان الردع

المراقب لحالة الدولة العبرية بعد مرور ستين عاما على تأسيسها يشهد سلما بيانيا يميل إلى التراجع في مختلف المستويات، سياسيا، وأخلاقيا، وسكانيا، ومع ذلك فإن الضرورة العلمية تقتضي الإشارة إلى أن هذه التراجعات لم تصل بعد إلى المستوى العسكري الذي شهد طفرات كبيرة، وكبيرة جدا، خلال العقود الماضية.

وهو الأمر الذي وجد ترجمته العملية والميدانية في نجاح "جيش الدفاع الإسرائيلي" في تحقيق نجاحات عسكرية عز نظيرها في التاريخ العالمي الحديث والمعاصر، بدءا بما يسميه المؤرخون الإسرائيليون بـ"حرب الاستقلال" عام 1948، التي شكلت العد التصاعدي لنكبة فلسطين، وصولا إلى "حرب الأيام الستة" عام 1967، التي أسماها العرب نكسة حزيران، وانتهاء بـ"حرب سلامة الجليل" عام 1982، التي نجحت إسرائيل من خلالها في إخراج الثورة الفلسطينية من الأراضي اللبنانية.

ولكن: ما الذي جعل ذلك الجيش الإسرائيلي ودولته التي تعتبر صاحبة القوة الرابعة على مستوى العالم، يتوقف عن ذلك المسلسل من الانتصارات؟ ما الذي حل به من تراجعات وعيوب وثغرات؟ لم وصل قطار الانتصارات الإسرائيلية إلى محطته الأخيرة؟ ليبدأ مسلسل الهزائم والإخفاقات؟

ليس مبالغة ولا تضخيما، ولا خطابا شعاراتيا طوباويا، بل إنها الحقائق المادية الملموسة التي يأبى بعض العرب حتى اللحظة الإقرار بها، بدءا بإخفاق تل أبيب في وقف تمدد انتفاضة الحجارة 1987-1993، والعجز المطبق عن وضع حد لحالة حزب الله خلال حرب "تغيير الوجهة" 2006، وصولا إلى تواصل معضلة انتفاضة الأقصى ممثلة بحركات المقاومة التي تتصدرها حركة حماس بين عامي 2000-2008.

أسباب أفول الردع

"
هناك أسباب كثيرة ومتنوعة تقف وراء أفول قدرة الردع الإسرائيلية، بعضها يرتبط بتآكله في المجال التقليدي، في حين أن معظمها يكمن في أساس غيابه في مجال النزاعات المنخفضة القوة
"
قامت نظرية القوة الإسرائيلية في جميع حروبها النظامية مع الجيوش العربية من جهة، ومع حركات المقاومة في فلسطين ولبنان من جهة أخرى، على ما يعرف بقدرة الردع، التي توفر على إسرائيل مهمة شن حرب هنا، وخوض مواجهة هناك.

وقد راكمت عناصر قدراتها الردعية عبر سنين متواصلة، وجهود جبارة، وعلى جميع المستويات، الأمنية والعسكرية، بما فيها النووية.

وقد تلخصت أسس قوة الردع العسكري الإسرائيلي منذ سنوات الخمسينيات في النواحي التالية:
1- الاعتماد الأساسي على التفوق الجوي، القادر على شل تام لحركة العدو.
2- ضرورة حسم المعركة خلال فترة زمنية قصيرة.
3- ضرب وتدمير البنية التحتية، وقتل المدنيين، قد يساهم في ردع العدو عن المباشرة والهجوم.
4- تصدير الحرب بشكل كامل لأرض العدو لتفادي الخسائر البشرية، ولكونها غير قادرة على تحمل أي ضربة على المدنيين، خاصة وأنها لا تملك عمقا إستراتيجيا واسعا.
5- خوض الحرب دون تكبد خسائر بشرية، بمعنى حرب "نظيفة" دون ضحايا.

وفي حين يرى فريق أن مفهوم الردع الإسرائيلي لا يتحقق إلا بعد دفع العدو ثمنا باهظا مكلفا، وتزعمه المحلل العسكري الراحل "زئيف شيف"، يرى فريق آخر له وجاهته في الرأي والتحليل أن قدرتها على الردع أصبحت مقيدة أكثر من الماضي، ويتزعمه الباحثان الأمنيان "يوسي ميلمان" و"يائير عفرون".

وهناك أسباب كثيرة ومتنوعة تقف وراء أفول قدرة الردع الإسرائيلية، بعضها يرتبط بتآكله في المجال التقليدي، في حين أن معظمها يكمن في أساس غيابه في مجال "النزاعات منخفضة القوة"، وتم تحديد الأسباب ضمن ثلاثة محددات:

1-أسباب متعلقة بالجيش الإسرائيلي، وتتركز في:
أ‌- الخط البياني الهابط لانتصارات الجيش.
ب‌- فقدان الجيش لميزة الحصرية، لاسيما سلاح الجو.

2- أسباب متعلقة بالزعامة والمجتمع الإسرائيليين، وتتعلق بـ:
أ‌- الإحجام عن استخدام القوة، وفقدان إرادة الانتصار.
ب‌- غياب قدرة الصمود اللازمة.
ت‌- عقد الآمال الأمنية على العرب والفلسطينيين.

3- أسباب متعلقة بالجانب العربي، وترتبط أساسا بـ":
أ‌- تراجع هيبة "أقوى جيش في الشرق الأوسط" بنظر العرب، بعد أن كان يوصف لعقود عديدة بأنه "الجيش الذي لا يقهر"، وشاهد العرب، شعوبا وأنظمة، كيف أن هذا الجيش قد "أهدرت" كرامته في شوارع غزة وأزقة جنين، وقرى الجنوب اللبناني.

ب‌- رواج مقولة "بيت العنكبوت" بين العرب المحيطين بـ"إسرائيل"، علما بأن هذه المقولة التي انتشرت بعيد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، التي تحل ذكراها هذه الأيام، غدت "مصطلحا" سائدا لدى الساسة والمحللين، في كناية معبرة جدا عن تهاوي الدولة العبرية.

كما انكشفت قوة الردع الإسرائيلية من هشاشة قدرتها الداخلية على الممانعة، وتآكل قدرتها العسكرية التي اتضحت في:

"
من كان يُصدق أن تنظيمات عصابات مكونة من بضعة آلاف من المقاتلين (حماس وحزب الله) الذين يبلغ عددهم بالكاد تعداد جنود في كتيبة ونصف في الجيش، ينجحون في شل نصف دولة بعمليات قصف يومية لعشرات ومئات الصواريخ يوميا؟
"
أ- التأييد الشعبي الإسرائيلي للخروج من جنوب لبنان، خاصة في ضوء الخسائر الفادحة التي لحقت بالإسرائيليين، جنودا ومستوطنين، خلال الفترة القصيرة التي سبقت الانسحاب.

ب- فك الارتباط الإسرائيلي من قطاع غزة، والذي عبر في نواحي مختلفة عن رغبة إسرائيلية جامحة للتخلص من "جحيم غزة"، بفعل تحول هذا الشريط الساحلي إلى مجموعة من الكوابيس المؤرقة لصانع القرار في تل أبيب.

ت- الجدار الفاصل، ورغم قسوته ومرارته فلسطينيا، فإنه يحمل في طياته اعترافا إسرائيليا بالعجز عن تحمل أثمان المقاومة، وما تحمله من أبعاد سياسية واقتصادية وديمغرافية تهدد الوجود الإسرائيلي.

أكثر من ذلك، فقد دفع تراجع القدرة الردعية الإسرائيلية أمام حركات المقاومة بكبار المعلقين العسكريين لأن ينتقدوا بقسوة أداء الجيش بقول أحدهم: "كيف يمكن لدولة هزمت سبع دول عربية عام 1948، ودحرت ثلاثة جيوش عربية عام 1967 في غضون ستة أيام، أن تقف هذا الموقف المربك أمام تنظيمي حماس وحزب الله؟

من كان يُصدق أن تنظيمات عصابات مكونة من بضعة آلاف من المقاتلين، الذين يبلغ عددهم بالكاد تعداد جنود في كتيبة ونصف في الجيش، ينجحون في شل نصف دولة بعمليات قصف يومية لعشرات ومئات الصواريخ يوميا، عن أي ردع يتحدث قادة الجيش؟

مظاهر أفول الردع الإسرائيلي
من يجد صعوبة في فهم أسباب فشل الردع الإسرائيلي يمكنه أن يسأل نفسه: لماذا لا يخشى الفلسطينيون الذين لا يملكون صواريخ بعيدة المدى، ولا يمتلكون قيادات عليا ودبابات، من الجيش الإسرائيلي الضخم؟ ولماذا بعد أكثر من آلاف القتلى خلال سنوات قليلة يواصلون إطلاق صواريخ القسام والراجمات؟ لماذا لا يتأثرون بمنطق الجيش الذي يقيس قواته بكميات الفولاذ؟

الجواب على ذلك: أنه عندما تدور الحرب بلا تمييز، يفقد الردع مغزاه، ولأن القوى الداخلية التي يفترض فيها أن تكبح الاشتعالات القادمة لا تتمكن من مواصلة العمل، لأنها هي أيضا عُرضة للهجمات كغيرها.

وبالتالي فإن الحرب في لبنان كشقيقتها في فلسطين، لن تتمخض عن الردع، بل ستلد في أقصى الأحوال توازن رعب, سيضطر الجيش فيه كل مرة لإعادة التأكيد عما يُعبّر عنه الإسرائيليون في الملاجئ، لأنه بعد فترة قصيرة ستبدأ آلاف العائلات، باليأس والازدراء من هذا الردع, لشعورهم أن رقابهم قد أُمسكت.

أحد العناصر الأساسية التي قادت لفقدان الردع هو الانخفاض الملموس في عناصر المبادرة, فالجيش الإسرائيلي بتوجيهات من المستوى السياسي "ضبط نفسه" طويلا في مرات كثيرة، واكتفى بردود الأفعال فقط، حيث قلل من الهجمات, وعلى امتداد الخط الأخضر ظهر سور واق مشكلا بالروحية التي تقف من ورائه مناقضا لـ"السور الواقي" الآخر.

هذا الانقلاب في الوعي الأمني تجسد في صورة كل حارس أمني وُضع على بوابات المطاعم والمقاهي والمباني، فتحول إلى أكثر مهنة مرغوبة في إسرائيل.

"
أحد العناصر الأساسية التي قادت لفقدان الردع الإسرائيلي هو الانخفاض الملموس في عناصر المبادرة, فالجيش الإسرائيلي بتوجيهات من المستوى السياسي "ضبط نفسه" طويلا في مرات كثيرة، واكتفى بردود الأفعال فقط
"
ولم يخف كبار المسؤولين والمحللين العسكريين أن من بين أهداف الحرب الشاملة ضد الفلسطينيين استعادة "قدرة الردع"، وعلاوة على استعراض القوة والممارسات الإذلالية للفلسطينيين، تبين أن "تآكل قدرة الردع" و"تراجع هيبة الجيش"، باتت تشكل قلقاً مفزعاً للقيادات السياسية والأمنية، وانعكس في جملة من التصريحات الموثقة التي يهم التوقف عند أبرزها:

- "رون بن يشاي" المراسل العسكري لصحيفة يديعوت أحرونوت، تحدث عن "أن قدرة الردع الإسرائيلية تآكلت في مواجهة الفلسطينيين".

- "بنيامين نتنياهو" من أوائل من تحدثوا عن قوة الردع، قائلا: "إن السلام مع العرب يمكن فقط إذا استند لقوة الردع الإسرائيلية".

- قائد لواء الضفة الغربية المقدم "غال هيرتش" قال: "إن طول النفس وقدرة الردع الإسرائيلية هي الهدف المركزي في هذه المرحلة الحرجة".

مقارنات تظهر فقدان الردع
أخيرا وفي مقارنة سياسية عسكرية تاريخية معا بين حربي 1973 و2006، يتضح عمق الضربة التي تلقتها قوة الردع الإسرائيلية، كيف ذلك؟

أ‌- في خريف 1973 وقفت إسرائيل فترة من الزمن دون هجمة خارجية، أما أواخر صيف 2006 فقد كانت أمام احتمالية عالية لحدوث هجوم خارجي وشيك.

ب‌- في خريف 1973 نظر جيرانها إليها على أنها دولة قوية وجريئة رغم جراحها، أما أواخر صيف 2006 فقد اعتبروها ضعيفة مُثخنة الجراح وواهنة.

ت- في خريف 1973 اعتُبرت إسرائيل من قبل الولايات المتحدة "أسدا نازفا"، أما أواخر صيف 2006 فقد اعتبرت في نظر واشنطن "كلب صيد أصابته السُمنة"، وأصبح جبانا، عديم الجدوى.

ث‌- في خريف 1973 خرج الجيش من المعركة ويده "العليا"، حيث كان مهدِدا للقاهرة ودمشق، أما أواخر صيف 2006 فقد خرج من المعركة بينما لا يشكل قادته، أي تهديد حتى على مرتفعات الخيام.

ج‌- في خريف 1973 كانت على رأس الدولة "غولدا مائير، وموشيه دايان، ويغآل آلون، وأبا إيبان، وإسحاق رابين، وشمعون بيريز، أما أواخر صيف 2006 فقد أصبحت القيادة بيد أناس مراهقين وهواة سياسة.

ح‌- في خريف 1973 كانت الدولة قوية وقعت في الخطأ، وأصيبت بضربة لتنهض على ساقيها منها، أما أواخر صيف 2006 فقد أصبحت دولة مصابة بـ"جرثومة الانحلال الفاسد" الذي يهدد نُظم حياتها.

"
نقطة الضعف الجوهرية في قوة الردع تكمن في كون إسرائيل دولة لا تحتمل الهزيمة ولو لمرة واحدة، كما قال بن غوريون: إذا انتصرت إسرائيل في خمسين حربا، فلن تُخضع العالم العربي، لكن يكفي العرب أن ينتصروا في حرب واحدة من أجل القضاء عليها
"
وبالتالي، وصل بعض الخبراء إلى قناعة مفادها أن "الردع" الإسرائيلي بكل مظاهره عانى من "القضم"، مما جعل السعي الحثيث لاستعادة قوة الردع المفقودة يشوبه الكثير من الشكوك، لأنه وفقا لأفضل السيناريوهات المتفائلة، سرعان ما سينهض حزب الله وحماس من جديد خلال عام أو عامين.

ورغم أن المنظومة الصاروخية التي يملكانها ربما لن يستخدماها، فإنهما سيواصلان تهديداتهما، والعبرة التي سيتوصل إليها الشرق الأوسط هي أن جيوشا عقائدية صغيرة، ماهرة، منضبطة، قادرة على استفزاز "إسرائيل"، وبالتالي فإن حزب الله الذي هاجم حيفا، وحماس التي هاجمت سديروت، هو نفي سلبي مطلق للردع الساحق، ودلالة متواصلة على الضعف الإسرائيلي.

ولذلك، أعربت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية لاحقاً عن قلقها البالغ من فقدان قدرة الردع في مواجهة الفلسطينيين، ولذلك تعتقد هيئة الأركان أنه من أجل إحراز الردع، يجب أن يهاجم الجيش وبصورة منهجية متواصلة الأهداف الفلسطينية المختلفة، وعليه أن يفرض العقوبات الجماعية، وسلسلة إجراءات أخرى.

والمتابع للأهداف المعلنة للحروب الإسرائيلية، يرى بوضوح ارتباطها الوثيق باستعادة قوة الردع، وفقا لما أوضحه د. تسفي شتاوبر رئيس مركز يافي للأبحاث الإستراتيجية، من أن القدرة على العقاب والاستعداد للقيام بذلك، يعتبران العنصرين المركزيين اللازمين للردع، ومن الطبيعي أنهما ضروريان في الواقع الإسرائيلي، وفي مثل هذه الظروف، فإن للعمليات العسكرية، وللقدرة اللازمة للنجاح في إيقاع الضرر اللازم والكبير والمؤثر في البنية التحتية لحركات المقاومة، قيمة عليا من هذه الناحية، ويمكن القول بأنها مفصولة تماما عن الإنجاز السياسي الذي يمكن أن يتحقق".

نقطة الضعف الجوهرية في قوة الردع تكمن في كون إسرائيل دولة لا تحتمل الهزيمة، ولو لمرة واحدة، وهنا يستحضر كلام بن غوريون الذي قال: إذا انتصرت إسرائيل في خمسين حربا، فلن تُخضع العالم العربي، لكن يكفي العرب أن ينتصروا في حرب واحدة من أجل القضاء عليها"، وهذا يؤكد حاجتها الدائمة لإنجاز حاسم سريع وحاد، وأليم قدر الإمكان، لإبعاد موعد النهوض العسكري والنفسي للخصم.

وهكذا فإن استعادة الردع الإسرائيلي جعل كبار الخبراء الإستراتيجيين يعلنون بصوت واحد أن جدول أعمال إسرائيل اليوم هو أمر واحد: القوة، والقوة فقط، وبدون ذلك -حسب رأيهم- لن يكون هناك سلام، ودون تجديد القوة الإسرائيلية، لن تكون هنا حضارة، ولا مجتمع حُر دون انبعاث الردع الإسرائيلي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك