توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية


هنالك قلق أردني من كل ما يجري بشأن التسوية السلمية, يتمثل في ما يبدو وكأنه انهيار لكل ما سوق مؤخراً من حل للقضية الفلسطينية, وبدور أردني مميز في هذا الحل, والفدرالية أو الكونفدرالية التي أمل "البعض" أن تعيد له بعض حجمه السابق في حال احتلال الضفة.. وما كان يقال عن انتقال الأردن من الدولة الصغيرة إلى دولة "قرار" في المنطقة ودولة "دور إقليمي ودولي" إلخ.

والآن بدأ الخوف الجماعي من أن يتحول الأردن, بدل هذا كله, إلى وطن بديل للفلسطينيين لا أكثر.

هي قضية مصيرية تستحق القلق, ولكن ما يقلقنا أكثر هو معالم عجزنا عن مواجهة الخطر الذي يتهدد بقاء "الدولة" الأردنية ذاتها، وليس مجرد انهيار أحلام البعض غير المبررة, ودليل العجز والفراغ أو "الإفراغ" المنهجي الذي يجري لنا كدولة منذ سنوات, وجود كم كبير من الوهم يرافق كل الأحاديث الداخلية المباحة, وغيرها يعتبر حديث إفك.

ومن هنا قررنا في مقالتنا هذه التنبيه على أكثر من وهم جرى تداوله مطولا في الصحافة الأردنية، واستمر إلى ما قبل أيام -وبعضه لم يتوقف رغم كل ما تكشف- في تضليل للذات يدفع باتجاه المزيد من عجزها.

وهنا سنعدد بعض هذه الأوهام التي يتحتم سحبها من سوق التداول ووقف محاولة تسويقها محلياَ, خاصة بعد أن ثبت عقم محاولة تسويقها إقليميا ودوليا.

أولا: وهم إقامة دولة فلسطينية عبر أية وسيلة غير التحرير الذي تأتي به مقاومة وطنية، أو تمليه بقوة تلك المقاومة كما أملت المقاومة اللبنانية مطالبها.

"
إقامة دولة فلسطينية عبر أي وسيلة غير التحرير وهم بني على مجرد كلام لا يوجد على أرض الواقع ولا ضمن المنطق الاستدلالي السليم ما يدعمه, وجاء خطاب بوش في الكنيست صفعة علنية لكل من حاول تسويق "وعده"
"
ومنذ البداية بني هذا الوهم على مجرد كلام لا يوجد لا على أرض الواقع ولا ضمن المنطق الاستدلالي السليم ما يدعمه، وممن؟ من فم رئيس في كذب بوش وافتقاره المريع للعقل اللازم ليؤخذ كلامه بجدية, لدرجة أن والدته ذاتها حين دافعت عنه قالت "ابني ليس غبيا".

وفي حين كان يجرى تسويق هذا الوهم عندنا كان نفوذ بوش بصفته رئيسا, وبالتالي قدرته على تحقيق وعده إن صدق فيه ابتداء يتلاشى. إلى حد أنه في نهاية العام الماضي -أي قبل أن ندخل عام الدولة الموعودة- تم الحجر عليه من قبل شعبه.

بدليل أن الكونغرس الأميركي أبقى جلساته منعقدة حتى أثناء عطلة الأعياد ورأس السنة، بأن أوكل لعضو واحد فيه افتتاح الجلسة صباح كل يوم ثم إغلاقها بعد ربع ساعة، كي لا يتمكن الرئيس من إصدار أي قرار في غياب الكونغرس، والآن يأتي خطاب بوش في الكنيست صفعة علنية لكل من حاولوا تسويق "وعده".

ثانيا: وهم أننا (الأردن) من حرك تلك التسوية الموعودة وملك ناصيتها. وللأسف مثل هذا يروج بكثرة ومنذ زمن, حتى بلغ الأمر ببعض الصحافة الأردنية المروجة للأوهام لاعتبارات التملق والتكسب, أن زعمت أن لقاء واحدا أجرته صحيفة إسرائيلية مع الملك عبد الله الثاني أدى إلى تغيير نوعي في موقف الشارع الإسرائيلي من القضية الفلسطينية, ونصح الكاتب ببضعة لقاءات أخرى كي تنجز المهمة.

عندها رددنا على كاتب اليومية الرسمية الكبرى, ولكن من على منبر أسبوعية محلية, على أمل أن لا نضطر للرد على شطط كهذا من على منابر أوسع، والآن ليس لنا إلا المنابر الأوسع, فالضرر توسع والمتملقون عادوا اليوم ليسموا دعوة القيادات الوطنية لمراجعة مواقف الأردن السياسية "نعيقا".

مع أن المراجعة بدت أيضا في حديث الملك لقيادات أردنية جرى مؤخرا, ونقل عنه أنه تحدث حتى عن دخول حرب إن لزم لمنع المخططات الصهيونية التي تستهدف الأردن، مما يرجح أن دفع هؤلاء المروجين باتجاه المزيد من المواقف الخاسرة ليس موجها للقواعد، بل هو يجري باعتقاد أصحابه أنهم يتحكمون بالقرار عن طريق اللعب السيكولوجي الموجه للأعلى, بينما تجري محاولة إرهاب القواعد من مغبة إيصال صوتها.

فمن البديهيات التي لا تورد لولا شيوع تجارة الوهم, أن السياسة الأميركية تتحدد بنصائح فرق مختصة مخضرمة، إضافة لمصالح إستراتيجية دولية عدة متداخلة أو متعارضة. ومن لا ترتبط مصالحه بمصالح قوى كبرى, قومية أو إقليمه أو دولية, لا يستطيع التأثير في القرار الأميركي مهما كانت عدالة قضيته.

وإذا كنا حقيقة المحرك الرئيس لما قام به بوش في منطقتنا باسم تسوية القضية الفلسطينية, كما تزعم صحافتنا المتملقة, فإن تلك الصحافة تكون قد وضعت القيادة الأردنية في حرج تحمل المسؤولية عربيا عما تمخض عنه هذا التحرك وما ضاع فيه من سنوات.

"
أمن إسرائيل هو أولوية أميركا, وأمن إسرائيل معرّف منذ قيامها ويتمثل في تصرفها بالضفة الشرقية للنهر باعتباره "حديقتها الخلفية" تضع فيها ما لا تريده في واجهتها السياسية
"
ثالثا: وهم أن هناك شيئا اسمه "تحالف" بيننا نحن الدولة الصغيرة المحدودة الإمكانات, وبين أميركا, وحتما ليس تحالفا "إستراتيجيا".

فهذا, إن قبلنا به على هناته الموضوعية, لا يضعنا فقط في دائرة المساءلة المذكورة أعلاه مرة أخرى, بل ويضعنا في دائرة الشك، لأن مصالح أميركيا وإسرائيل الإستراتيجية -والأولى تعلن تبني مصالح الثانية- هي عكس مصالحنا الوطنية الأردنية كما ثبت مؤخرا بالدليل القطعي, وليس حتى مصالحنا القومية الأعم.

وفي ضوء تهديد وجود الأردن الذي بدأنا به مقالتنا، والذي انتقل الحديث عن أخطاره من أطر المعارضة الأردنية إلى الحكم ذاته, فإن أي تحالف مع أميركا لا يمكن المراهنة عليه للحظة واحدة لحفظ أمننا.

فأمن إسرائيل هو أولوية أميركا, وأمن إسرائيل معرّف منذ قيامها, ويتمثل في تصرفها بالضفة الشرقية للنهر باعتباره "حديقتها الخلفية" تضع فيها ما لا تريده في واجهتها السياسية, وهو هنا الزخم الديمغرافي الفلسطيني المرفوض في وضعه الحالي, حتى لو لم يطالب الفلسطينيون بالدولة أو بحق العودة.

رابعا: وهم تبطنه فئة إقليمية غير وطنية، يتمثل في أننا يمكن أن نعود لحكم الضفة الغربية كما كانت الأمور قبل عام 67, أو حتى الحصول على امتيازات فيها ولو بحدود الأماكن المقدسة, كما جرى وعدنا في اتفاقية وادي عربة، فهذا فخ إسرائيلي يلعب على أطماع البعض المتضخمة, ولحظة يطأ الأردن أرض الضفة, بزعم دور إداري أو أمني أو غيره, نكون وضعنا الدولة الأردنية أيضا تحت سلطة الاحتلال.

فأقصى ما يمكن أن يحال إلى أي أردني -باعتبار تشعب الطامعين ضمن مخطط استهداف بنية الدولة الأردنية- في هذا السياق، هو أن نصبح عاملين على هذه الأراضي والمقدسات مرحليا, تغطي بنا إسرائيل أفعالها وتتنصل عبرنا من بعض تبعات جرائمها.

فحجم المطامع الصهيونية في الضفة وحجم ونوعية المخططات المعدة للمقدسات أكثر وأكبر من أن تسمح إسرائيل بسلطة عليها لأحد من الخارج.

والدور في المقدسات في ظروف كهذه هو أخطر ما يمكن أن تتورط فيه جهة تقدم نفسها -كما فعل الأردن مؤخرا- باعتبارها حاملة لرسالة إسلامية، بجمع نوع من السلطة الدينية إلى السلطة السياسية, مما يجعل الثانية تثقل بأعباء الأولى، حيث لا يقبل فيها المؤمنون حلا وسطا كما في السياسة, باعتبار أن الشأن الديني هو أبيض أو أسود, خطأ أو صواب، بل إيمان أو كفر.

خامسا: وبما أن بعض ما نحن فيه كان بسبب التحاقنا بما سمي "محور الاعتدال" في مواجهة محور "التطرف" أو "الممانعة". وبما أن ما يتهدد الأردن الآن له علاقة عضوية مباشرة بمجمل ما يجري في الإقليم كله, فإنه يتوجب علينا نحن تحديدا رفض وهم أن ما رست عليه المواجهة المفصلية الأخيرة في لبنان كان معادلة "لا غالب ولا مغلوب".

"
عبارة لا غالب ولا مغلوب قيلت من باب الدبلوماسية التي لعبت دورا هاما في الاتفاق اللبناني, وإن تطورت لتشمل تنازلات في بعض التفاصيل تقدم لأجل تمتين الجبهة الداخلية في الوطن الواحد
"
فهذه عبارة قيلت من باب الدبلوماسية التي لعبت دورا هاما في الاتفاق اللبناني, وإن تطورت لتشمل تنازلات في بعض التفاصيل تقدم لأجل تمتين الجبهة الداخلية في الوطن الواحد.

وهذه التنازلات يجب أن تفهم ضمن غاياتها هذه, ويأتي من باب التسرع -على الأقل- افتراض أنها ستؤدي لتنازلات في الثوابت في أي تسويات بين دول محور الممانعة من جهة, وبين إسرائيل وأميركا من جهة أخرى.

وحديثنا هنا ليس عن مطالب ومصالح محور الممانعة, بل هو عن مطالب ومصالح الأردن تحديدا والتي من ضمنها السؤال الأهم: إلى أي حد يخدم الأردن ويحميه ارتباطه أو انفكاكه عن محور الممانعة.

في هذا الإطار ننبه إلى شطط في إعلامنا الممنوع على المعارضة, وصل حد مط عبارة "لا غالب ولا مغلوب" الدبلوماسية بما يتجاوز تأكيد "وهمها" وكأنه حقيقة, إلى توظيف تلك الحقيقة المفترضة بالقول إن "العمل الدبلوماسي يتطلب أن تسلم بيد على خصمك وأنت تعلم أنه يحمل في يده الأخرى خنجراً مصوبا إليك".

وبما أننا نتحدث هنا عن مراجعة السياسات والتحالفات الأردنية, فالمقالة التي أوردت هذا قررت كاتبتها أن الأردن لن ولن .. يقوم بأي تغيير حقيقي لأي من سياساته السابقة، بما فيها السعي لتسوية أميركية تعترف الكاتبة أنها مستحيلة, مما يعيد المقالة إلى ذات محاولة اللعب على"السيكولوجيا" لتوجيه القرار السياسي باسم التحليل السياسي.

ولكن الأهم هو أن اتهام أي طرف عربي رئيس بإخفاء خنجر, إن لم يكن اتهام محور عربي بأكمله, هو أمر خطير، ولكن الأخطر منه زعم أن هذا من "قواعد" اللعبة الدبلوماسية المعروفة والمسلم بها.

ففي هذا القول تشريع وتشجيع على مد اليد بنية مماثلة, فماذا لو مد الأردن يده لأشقائه بهذه الطريقة رغم نصيحة الكاتبة بعدم تغيير أية سياسات. هذه "التحليلات" هي أخطر ما يمكن أن تتورط فيه "الدولة" وطرحها ابتداء ما كان يمكن لو لم تفرغ الدولة من أهم مكوناتها وهي الشعب بقواعده العريضة.

فالقوى القاعدية الوطنية في الأردن التي تسميها الكاتبة "المشهد المقابل للرؤية الرسمية" تصورها الكاتبة على أنها شيء مثل جمهور ملاعب الكرة "جمهور متنوع يتأثر بالتغيرات غير المسبوقة، وتتجلى انقسامات الرأي العام بسبب مواقف أيديولوجية وتجارب شخصية ورؤى عقائدية مختلفة يتم التعبير عنها من خلال التصفيق والتشجيع، أو من خلال إطلاق صافرات التحذير إذا ارتفع منسوب الخوف والقلق كما هو الحال هذه الأيام بعد فشل الرهان الأردني على إنجاز دولة فلسطينية مع نهاية 2008".

الرهان الأردني الذي فشل كان رهان "الرؤية الرسمية" التي تصر الكاتبة على أن "هذه الأصوات المشروعة يجب أن لا تختلف مع الدولة إزاءها" باعتبارها "قضية تمس حماية الدولة ومصالحها الحيوية وديمومة كيانها" وكأن الشعب على "الجهة المقابلة" غير معني بكل هذا، ومنه وبعده مباشرة تنطلق الكاتبة للحديث عن ضرورات الدبلوماسية التي تمد يدا للسلام وتحمل في الأخرى خنجرا.

في المقابل, مجموعة كبيرة من ممثلي القوى الشعبية الذين لا يختلف على وطنيتهم وصدق انتمائهم اثنان, وقعوا بيانا قبل أيام قالوا فيه "إن المقاومة المسلحة هي السلاح الإستراتيجي بيد الأمة، ونجزم بأن سماحة السيد حسن نصر الله هو القائد الذي اختاره الشعب العربي قائدا لمقاومته".

ويكمل البيان بإعلان موقعيه "أننا نتشرف بأن نعلن بأعلى صوت أننا نعتبر أنفسنا جزءا لا يتجزأ من المقاومة للمشروع الصهيوني الأميركي وبقيادة سماحة السيد نصر الله".

"
واضح أن الفارق -إن لم تكن الهوة- كبير جدا بين ما تقوله القيادات الشعبية في أدبياتها, وبين ما تقوله الأصوات المعدودة التي يسمح لها بالمنابر الصحفية والنيابية وغيرها أو توهب تلك المنابر وهبا
"
وهؤلاء ليسوا كل من كان سيوقع لو أخذ البيان وقته ليجول على كل القيادات. والدليل أن من يسأل عنه أيا من القيادات الوطنية الأخرى, يفاجأ باعتذار تلك القيادة عن أنه شخصيا لم يتح له التوقيع, وقد يبرر هذا بعذر أعطاه له الموقعون أو يلومهم رغم أعذارهم، وللقارئ أن يجرب طرح السؤال بنفسه على من يعتبرهم قيادات ويحصي النسب.

واضح أن الفارق -إن لم نقل الهوة- كبير جدا بين ما تقوله هذه القيادات الشعبية في بياناتها وبين ما تقوله الأصوات المعدودة التي يسمح لها بالمنابر الصحفية والنيابية وغيرها، أو توهب تلك المنابر وهبا, بما يناسب -أو لا يزعج- فئة احتكرت مواقع القرار السياسي والاقتصادي: حيث باتت تسمى "مراكز قوى" رغم علم الجميع بافتقارها التام للقواعد الشعبية.

وإذا كانت "الرؤية الرسمية" لهؤلاء تعتبر البيان خطيرا, فإن درجة الاستعداء الصريح لقوى رئيسية في المحيط العربي الإسلامي الوارد فيما يقوله الآخرون, ناهيك عن الدعوة المبطنة لدبلوماسية اختلاف اليدين, يبدو أشد خطرا..

سادسا: وهذا يقودنا إلى وهم أنه بالإمكان تحقيق "الأمن" الوطني بالأسوار العازلة لقطاعات شعبية رئيسة، ليس فقط لأن الأخطار المحيقة بالوطن تستلزم "وحدة ومتانة الجبهة الداخلية" كما تدعو الغالبية الشعبية, بل لأن هذه الصورة من العزل باتت غير مفهومة الهدف.

وهذا ما أعاد طرح السؤال الذي طرحه الشاعر الأميركي روبرت فروست عن بناء الأسوار حول البيوت وبين الجيران، الأسوار التي "هنالك شيء لا يحبها، شيء يجعل الأرض المتجمدة تتورم تحتها, حتى تنثر جلمود الصخر القابع فوقها في وجه الشمس" ولكن عمليا, يتساءل فروست "بودي أن أعرف بالضبط ما الذي أضمنه داخل السور وما الذي أعزله وراءه"؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك