حسن أبو طالب

- حقائق ثلاث مهمة
- تحديان مختلفان
- ظواهر مقلقة في غزة
- حياة يومية كئيبة
- الصمود بدلا من الحكم الرشيد

"كان عاما عصيبا مليئا بالصعاب" بهذه الكلمات البسيطة والمعبرة معا وصف إسماعيل هنية القيادي الحمساوي، ورئيس الحكومة الفلسطينية المُقالة، ورئيس حكومة حماس في قطاع غزة، مجريات عام مضى، كانت فيه حماس وحيدة على قمة السلطة في القطاع، أو بالأحرى في جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة التي لها وضع شبه خاص جدا، فلا هي واقعة تحت سطوة جيش الاحتلال يديرها بمعرفته وفقا لمبادئ القانون الدولي التي تنظم مثل هذه الحالات، ولا هي مستقلة تماما أو حتى ذات حكم ذاتي معروف التفاصيل والحدود.

ولكنها في كل الأحوال ينطبق عليها كيان مقاوم لقوة الاحتلال، معاد بلغة الاحتلال نفسه، حسب قراره في التاسع عشر من سبتمبر/أيلول 2007.

"
رغم أن حكومة حماس اتبعت معايير معينة للشفافية، كما أنها استطاعت أن تقضي على العديد من مظاهر الانفلات الأمني، وقضت نسبيا على المظاهر المسلحة ومظاهر الخطف، وكذلك على تجارة وتعاطي المخدرات وعمليات اغتصاب الأراضي، فإن باقي عناصر الصورة لم تكن مشرقة
"
ومع ذلك فإن غزة ومعها حركة حماس، تجمع بين الأمرين، احتلال أمر واقع بحكم الحصار وتغييب التواصل الطبيعي مع الجيران، والوقوع المستمر تحت طائلة الاعتداءات العسكرية، وحكم شبه ذاتي أمر واقع أيضا في ظل سلطة أمر واقع ولكن دون قدرة على ممارسة السلطة بقدر من الحرية والإرادة المفترضة، وفى الآن نفسه لا موارد محددة ولا مؤسسات قادرة على الحساب أو التشريع وفقا للأصول المقررة.

نحن إذا أمام حالة فريدة في كل عناصرها، لا يجوز معها حساب الخسائر والمكاسب بالطريقة المعتادة في ظل ظروف طبيعية تتيح المحاسبة وفق معايير مقبولة ومتعارف عليها.

وفى جزء من هذه الحالة الفريدة هناك عناصر كانت موجودة قبل لحظة الحسم العسكري، وفقا للتعبير الذي طالما استخدمته حماس لتبرير ما فعلته ليلة الرابع عشر من يونيو/حزيران 2007، وفى جزء آخر عناصر استجدت بعد لحظة الحسم أو الانقلاب على الشرعية وفقا للتعبيرات التي تستخدمها السلطة الوطنية برئاسة محمود عباس ومن يوالونها وفى المقدمة حركة فتح الأكثر تضررا سياسيا ومعنويا مما جرى في القطاع طوال العام الماضي.

مما كان سابقا يفهم أن السلطة التي باتت حماس إحدى مفرداتها بحكم مشاركتها في الانتخابات التشريعية مطلع العام 2006، مُشكلة وفقا لاتفاق أوسلو الفلسطيني الإسرائيلي تحت الرعاية الدولية، ومما جاء لاحقا أن حماس باتت بمفردها في الحكم في جزء من الأرض الفلسطينية.

ومثل هذه المواصفات لا تمثل لغزا ولا أحجية وحسب، وإنما تعبر عن إشكالية سياسية قانونية واقعية كبرى لاسيما في ظل الحديث المستجد أخيرا حول مبادرة الرئيس محمود عباس لإحياء الحوار الوطني الفلسطيني وفقا للمبادرة اليمنية مارس/آذار 2008 التي تباينت التفسيرات بشأن مغزاها وطريقة التعاطي معها.

هذه المقدمة وإن طالت نسبيا، تعد من ضرورات محاولة تقديم جرد حساب لحركة حماس باعتبارها الحاكم الفعلي للقطاع طوال عام، وبدأت عمليا الخطوات الأولى لعامها الثاني مع شكوك في القدرة على إنهائه بالصورة نفسها.

ذلك الجرد يتطلب قدرا من الحياد لعل ذلك يساعد على تبيان أين نجحت حماس وأين فشلت، والأسباب وراء كل منهما.

حقائق ثلاث مهمة
بداية لا بد من التذكير بحقائق ثلاث مهمة، أولها أننا أمام حركة مقاومة ذات مرجعية أيديولوجية مستمدة من تفسيرات دينية إسلامية، وهو ما يجعلها وفقا للظروف الدولية الراهنة هدفا في حد ذاتها، ومن ثم يصبح إسقاطها وإفشال تجربتها مسألة طبيعية لدى كل من يرون في أيديولوجيتها امتدادا لما يوصف بالإرهاب الدولي وما شابه ذلك.

الثانية أن هذه الحركة وفقا لمفرداتها الأصلية لا تستقيم مع فكرة الحكم والسلطة في ظل احتلال أو حتى هامش احتلال، وفى ضوء خصوصية الوضع الفلسطيني، هناك خيار بين المقاومة والسلطة، أما الجمع بينهما فأمر يتسم بالتفرد، ومن هنا أحد ملامح تفرد حالة حماس كمقاومة وحكومة في الآن نفسه في قطاع غزة.

الثالثة أن تفرد حماس بحكم غزة، وأيا كانت الأسباب وراءه، قد أدى عمليا إلى انقسام جغرافي وسياسي لأول مرة بين الضفة والقطاع، مما أثر بدوره على وحدة القضية الفلسطينية، وترتب عليه تباين الأولويات.

فهل الأولوية متابعة تحرير فلسطين سلما، أم حربا، مفاوضة أم مقاومة، أم هي البحث عن ضرورات العيش اليومي لملايين الفلسطينيين في الوقت الذي لا تتوفر فيه الموارد الطبيعية أو الصناعية أو المالية المستقلة بعيدا عن الاحتلال أو المنظمات الدولية المختلفة التي باتت مسؤولة عن إطعام حوالي 65% من سكان القطاع؟

تحديان مختلفان
وحين كان على السلطة الوطنية الفلسطينية أن تجاهد في مسيرة المفاوضات، وأن تحصل على اتفاق مناسب ومعقول يقيم دولة فلسطينية قابلة للحياة والاستمرار، كان على حكومة حماس أن تصمد في إدارة شؤون القطاع اليومية.

وكان عليها فى الوقت نفسه أن تمزج بين هذا التحدي في ظل الحصار والعزل السياسي الدولي والاعتداءات اليومية الإسرائيلية على بنيتها التحتية وبنية القطاع الضئيلة أصلا، وبين استمرار القيام بمتطلبات المقاومة سواء بصورة منفردة أو مع باقي الفصائل الفلسطينية المسلحة التي لا ترى سوى طريق واحد لتحرير فلسطين من الاحتلال.

"
حماس استفادت من وضعيتها كحاكم منفرد في القطاع وأسست لنفسها بنية أمنية وعسكرية أكثر قوة من ذي قبل، كما استطاعت أن تلتف على الحصار وعلى العزل السياسي
"
وبين هذين الحدين بات ممكنا أن تخرج المحصلة ممزوجة بين عناصر نجاح جزئي، وأخرى للإخفاق والفشل.

من أوجه النجاح يمكن أن حماس تقول بثقة إنها بقيت صامدة، وإن بنيتها التحتية -رغم كل الضغوط والاعتداءات والحصار- لم تتراجع ولم تتأثر، وإنها تبقى رقما مهما في المعادلة الفلسطينية والإقليمية في الآن نفسه، لا يجوز تخطيه ولا تجاهله.

لكن هذا الأمر يصطدم بحقيقة أن حماس كحكومة في غزة، لم تقم بدور الحكومة الرشيدة التي تقدم نموذجا يحتذى به ويجد التأييد من مساحة واسعة من المواطنين.

فبالرغم من أن حكومة حماس قد اتبعت معايير معينة للشفافية في المسائل المالية، لاسيما مع المنظمات الدولية التي استمرت في التعامل معها لتقديم المساعدات للشعب الفلسطيني المُحاصر، كما أنها بعد فترة من حكمها المنفرد استطاعت أن تقضى على العديد من مظاهر الانفلات الأمني التي كانت سائدة في القطاع قبل حسمها العسكري، وقضت نسبيا على المظاهر المسلحة وخطف المواطنين والصحافيين والأجانب، وكذلك على تجارة وتعاطي المخدرات وعمليات اغتصاب الأراضي، فإن باقي عناصر الصورة لم تكن مشرقة أبدا.

ظواهر مقلقة في غزة
تبلورت عدة ظواهر لم تكن معروفة من قبل، منها:
* تكرار الاعتداء على مؤسسات وجمعيات ومدارس ومراكز تعود إلى المسيحيين في القطاع، وعدم قدرة الحكومة على ملاحقة من يوصفون بأنهم مسلمون متشددون كانوا وراء هذه الظاهرة.

الأمر الذي ينبئ بنوع من الفتنة الطائفية لم يعرفه القطاع من قبل، أو على الأقل يصم حماس بأنها ذات نزعة طائفية تفرق بين أبناء الشعب الواحد.

* تشكل مجموعات مسلحة دينية متشددة، يوصف بعضها بأن لديه امتدادا فكريا لأيديولوجية تنظيم القاعدة، وأن هدفه الرئيسي أسلمة القطاع ومتابعة الجهاد ضد قوى الشر في العالم، وهو أمر سيضيف متاعب أخرى لحماس، أقلها أن توصم بأنها تحمي امتدادات تنظيم القاعدة.

* وقوع اشتباكات بين عناصر حماس وآخرين تابعين لحركة الجهاد الإسلامي، تماما كما كان الحال بين منتسبي حماس ومنتسبي فتح قبل وقوع الحسم العسكري والانقلاب على السلطة، وبما يشكك في وحدة مفهوم المقاومة بين الفصائل المسلحة، ويبرز غياب التنسيق الميداني وبروز الخلافات حول مصالح آنية.

وربما يفهم من ذلك أيضا أن حركة حماس تميل أكثر ناحية التفرد بالحكم وبالساحة النضالية معا في القطاع، وأنها تفتقر إلى الإيمان بالتعددية في الساحة الفلسطينية.

حياة يومية كئيبة
أما في الجانب المتعلق بباقي عناصر الحياة اليومية، فتقول التقارير إن وضع أهالي القطاع بات كارثيا ولو بنسبة معينة، فنسبة البطالة تقارب 65%، ونسبة من يعيشون تحت خط الفقر تلامس 90%، والنشاط الصناعي بات مهجورا بما في ذلك الورش بكافة أنواعها وأحجامها نظرا لعدم وجود المواد الخام، وقطاع البناء متوقف تماما لعدم توفر مواد البناء.

كما خرجت رؤوس الأموال الفلسطينية، وهى محدودة أصلا، وارتفعت الأسعار بصورة غير مسبوقة وانخفضت القوة الشرائية لدى عموم الفلسطينيين، ولم تتوفر الخدمة الصحية العامة، ولا الأدوية والمواد الطبية مما سبب موت كثير من المرضى.

يضاف إلى ذلك انخفاض مستوى الخدمات العامة وفقدان مياه الشرب النظيفة، وانهيار الصرف الصحي، وإغلاق أكثر من 3500 مؤسسة صناعية وتجارية، وانهيار الزراعة في القطاع، والانقطاع الدائم للكهرباء وعدم توفر المحروقات بما في ذلك المخصص منها للمنازل، والتضييق المستمر على الصحفيين والإعلاميين وتراجع مستوى الحريات، وزيادة درجة عدم الرضا الشعبي.

في الرد على ذلك، تستطيع حكومة حماس في غزة أن تقول إن كل هذا نتيجة منطقية للحصار الظالم والإغلاق الدائم للمعابر، وفى هذا قدر من الصحة، غير أنه يمكن القول أيضا إن هذا الحصار، كان متوقعا ومُعلنا، وأن هناك شروطا دولية وإقليمية معروفة لرفعه لم تقبلها حماس، وفضلت الخوض في تجربة الحكم المنفرد بكل ما فيه من مآس وتضحيات وعقوبات حولت حياة الغزيين إلى جحيم.

وانطلاقا من هذا لا يسمح لحماس بالقول إنها صاغت تجربة حكم رشيد بأي حال، حتى مع استخدامها نظام الحصص لبعض الضروريات وتوزيعها على بعض الأهالي بنظام الكوبونات.

"
قبول إٍسرائيل التهدئة في غزة والمفاوضات غير المباشرة مع سوريا والدعوة إلى مفاوضات مباشرة مع لبنان، كلها أمور من قبيل سد ثغرات موجودة في المسرح الإستراتيجي الإقليمي العام، حتى يتم استكمال العملية المثيرة، وبعدها سيكون لكل حادث حديث
"
الصمود بدلا من الحكم الرشيد
غياب الحكم الرشيد القائم على مبادئ العدل والإنصاف والمساواة وحسن تدبير الموارد وحسن إنفاقها، يمثل نقطة ضعف كبرى، لاسيما أن حماس تسند مبادئها ومرجعيتها الفكرية إلى قيم وتعاليم دينية إسلامية.

لكن الأمر من وجهة نظر حماس ليس كذلك، فهي اجتهدت في حدود المتاح، وهنا تبدو نقطة ضعف أخرى، إذ إن حماس لم تطور خطابها الفكري سواء قبل الانتخابات التي فازت فيها، أو بعد تجربتها المرة قبل وبعد التفرد بحكم غزة.

وهذا أيضا لا ينفى أن حماس ما زالت تسيطر على القطاع، بل إن الرؤية الإسرائيلية، أو بالأحرى رؤية العدو الغاصب، ترى أن صعوبات العام الماضي وتعقيداته وتضحياته لم تزحزح حماس عن مكانتها وشعبيتها، بل ربما زادتها قليلا.

وهذا هو ما يبدو في زيادة أعداد المترددين على المساجد في غزة، ربما نتيجة البطالة العالية وفقدان أبواب الرزق، فبات المسجد هو المدخل الوحيد المتاح للارتباط بحماس أو ببعض المنافع الصغيرة التي تأتى عبرها كسلطة حكم.

ويزيد معلقون إسرائيليون بالقول إن نتيجة الحصار هي زيادة عدد "جيش حماس" إلى أكثر من 15 ألف مقاتل، وهو ما يعنى أن حماس استفادت من وضعيتها كحاكم منفرد في القطاع وأسست لنفسها بنية أمنية وعسكرية أكثر قوة من ذي قبل، وأنها استطاعت أن تلتف على الحصار وعلى العزل السياسي.

هذه الأمور من وجهة نظر حماس تعنى زيادة الشعبية، وتعنى مزيدا من القوة العسكرية في مواجهة الاحتلال وفى مواجهة الأطراف الفلسطينية الأخرى بما في ذلك السلطة الوطنية نفسها.

وذلك يصب في صمود أكثر وردع أكبر، وهما السببان اللذان يمكن اعتبارهما وراء قبول إسرائيل لمقترح التهدئة المصري بعد ثلاثة أيام من مرور عام على تفرد حماس بحكم غزة، لاسيما أن كل تقديرات قيام الجيش الإسرائيلي باجتياح غزة والقيام بما يوصف بأنه عملية عسكرية كبيرة كانت تتطلب ثمنا باهظا جدا وعائدا سياسيا وردعيا محدودا جدا.

ومع ذلك فعلينا ألا نغفل أن أي تفسير أكثر صوابا للتهدئة عليه ألا يتجاهل أن هناك تحضيرات إٍسرائيلية وأميركية لعمل عسكري كبير ضد إيران، وأن قبول إٍسرائيل التهدئة في غزة ومن قبل المفاوضات غير المباشرة مع سوريا والدعوة إلى مفاوضات مباشرة مع لبنان من أجل مزارع شبعا وتطبيع العلاقات، هو من قبيل سد ثغرات موجودة في المسرح الإستراتيجي الإقليمي العام، حتى يتم استكمال العملية المثيرة، وبعدها سيكون لكل حادث حديث.
__________________
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك