غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري


- المدخل الأيدولوجي والثقافي
- مدخل محاربة الأصولية
- مدخل المجتمع المدني والتنمية

- المدخل الأمني
- الأهداف الإسرائيلية في أفريقيا
- المخاطر على العالم العربي

شهدت العلاقات الإسرائيلية الأفريقية تطورا ملحوظا منذ بداية عام 2003، ويرجع المحللون الإستراتيجيون أسباب هذا التطور إلى الغزو الأميركي للعراق، انطلاقا من حقيقة أن إسرائيل شريك إستراتيجي للولايات المتحدة، ما وفر لها درجة كبيرة من حرية الحركة في تعاملها مع الدول الأفريقية ضمن إطار يسعى لتصوير تلك العلاقات على أنها جسر للتقارب مع القوة العظمى الوحيدة في العالم.

وتقيم إسرائيل علاقات دبلوماسية مع 46 دولة أفريقية من مجموع دول القارة البالغ عددها 53 دولة، منها 11 دولة بتمثيل مقيم بدرجة سفير وسفارة، و33 بتمثيل غير مقيم، ودولة واحدة بتمثيل على مستوى مكتب رعاية مصالح، ودولة واحدة أيضا بتمثيل على مستوى مكتب اتصال، علما بأن لإسرائيل 72 سفارة و13 قنصلية، و4 بعثات خاصة على مستوى العالم.

وهذا يعني أن البعثات الدبلوماسية الإسرائيلية في أفريقيا بالمقارنة مع بعثاتها في العالم تشكل 48%، في حين تبلغ نسبة العلاقات الدبلوماسية الأفريقية الإسرائيلية بالمقارنة مع نسبتها بالعالم 28%.

وقد تبنت إسرائيل منذ بداية القرن الحالي مداخل جديدة في علاقاتها مع الدول الأفريقية غير المداخل القديمة، أو قامت بإعادة بلورة تلك المداخل من جديد بما يتناسب مع معطيات المشهد الدولي الحالي.

"
طرح إسرائيل لمشروع الأخدود الأفريقي العظيم في ظاهره سعي للتعاون الثقافي بين الدول التي تقع على هذا الأخدود، ولكنه في الجوهر يهدف إلى إيجاد مدخل لاختراق أفريقيا، ولوضع قضية القدس في إطار ثقافي جغرافي يبعدها عن الصراع العربي الإسرائيلي
"
المدخل الأيدولوجي والثقافي
يقوم هذا المدخل على الزعم بخضوع كل من اليهود والأفارقة (الزنوج) لاضطهاد مشترك وأنهم من ضحايا الاضطهاد والتمييز العنصري، وأن كلا العنصرين له ماضٍ مؤلم ممتد، ما يدفع إلى الاعتقاد بأن سياسة إسرائيل في أفريقيا تعد تطلعا لا لحماية الشعب اليهودي فقط، بل لمساعدة الأفارقة (الزنوج) الذين تعرضوا للاضطهاد.

يؤكد رئيس الإدارة الأفريقية في وزارة الخارجية الإسرائيلية موسى اليشم أن العلاقات القومية التي تطورت ونمت بين إسرائيل وأفريقيا تتصل بالروابط التي قامت على أن اليهود والزنوج أجناس أدنى، إضافة إلى أن التجربة النفسية متشابهة لديهما من خلال تجارة الرقيق وذبح اليهود.

وكانت إسرائيل قد طرحت رسميا منذ يونيو/ حزيران 2002 أمام لجنة التراث العالمي باليونيسكو "مشروع الأخدود الأفريقي العظيم"، وهو مشروع يهدف في ظاهره إلى التعاون الثقافي بين الدول التي تشكل الأخدود الممتد من وادي الأردن حتى جنوب أفريقيا.

أما في الجوهر فإن إسرائيل تهدف إلى الظهور بمظهر ثقافي وتقدمي من أجل استمرار اختراقها لأفريقيا بوسائل متجددة لتطويق العالم العربي من جانب، ووضع قضية القدس في إطار ثقافي جغرافي يبعدها عن الصراع السياسي الدائر مع الفلسطينيين والعالم العربي.

مدخل محاربة الأصولية
تقدم إسرائيل نفسها على أنها خط الدفاع الأول للغرب ضد التطرف الإسلامي، وتحاول دائما أن تثير مخاوف الأفارقة من المد الإسلامي والحركات السياسية الإسلامية، وأن تقدم خدماتها للحكومات الأفريقية باعتبارها الخبير الأول في هذا المجال.

وتولي إسرائيل أهمية خاصة للقرن الأفريقي لاعتبارات عديدة منها وجود السودان دولة إسلامية، وتخوف إسرائيل من أن يتحول القرن الأفريقي -خصوصا على امتداد الساحل البحري- إلى منطقة نفوذ إيرانية سودانية، من شأنها تعريض مصالحها الإستراتيجية لخطر كبير.

كما أن إسرائيل تركز على نيجيريا باعتبارها دولة إسلامية كبرى في أفريقيا، وقد أسهم الضغط الأميركي في فتح الأبواب النيجيرية للشركات الإسرائيلية.

وقد أبدى الإسرائيليون مخاوفهم من تزايد انتشار الإسلام في أفريقيا، ما يلحق أذى كبيرا بالمصالح الإسرائيلية، ويقول تسفي مزال نائب المدير العام لشؤون أفريقيا في وزارة الخارجية الإسرائيلية "إن العالم صغير ومغلق، وإن ما يحدث في أي مكان يؤثر على المكان الآخر، وخاصة بالنسبة لما يحدث في أفريقيا التي نعتبرها جارة لإسرائيل من الناحية الجغرافية، وإذا ما تفشى الإسلام هناك فإن إسرائيل ستتضرر كثيرا".

وتقوم جماعات تبشيرية يهودية، من بينها "شهود يهوه" التي استطاعت أن تؤثر في فئات مسيحية ومسلمة لاعتناق ما تدعو إليه عن طريق الإغراءات وتقديم المساعدات.

مدخل المجتمع المدني والتنمية
اتخذت إسرائيل دعم كل من المجتمع المدني والديمقراطية في أفريقيا مدخلا للنفاذ والتغلغل داخل نسيج المجتمع الأفريقي، بالإضافة إلى تحركاتها لمكافحة الإيدز في القارة عبر إقامة مراكز طبية في الأماكن الصحراوية لهذا الغرض في بتسوانا وغيرها من الدول الأفريقية.

ويعد هذا المدخل من أهم وأكثر المداخل فعالية لكسب قلوب وعقول الشعوب الأفريقية في هذه الآونة.

من جهة ثانية تستغل إسرائيل حقيقة كون قارة أفريقيا ترزح تحت وطأة الفقر والتخلف، فترفع شعار الدولة "الصديقة" ذات السمات الخاصة التي مكنتها من الانعتاق من الاضطهاد وتحقيق التنمية بما يؤهلها لقيادة "نموذج" يصلح الاقتداء به للدول الأفريقية التي تشارك إسرائيل في كونها دولا نامية تعاني "القهر والاضطهاد".

كما ساهم تلويح إسرائيل باستعدادها لتقديم "المساعدة الفنية البحتة" الخالصة من أية "مطامع أو مطامح" في خلق صداقات بينها وبين زعماء القارة وتبادل العلاقات الدبلوماسية وعقد الاتفاقيات الاقتصادية.

وقد أنشأت إسرائيل العديد من المراكز التدريبية الخاصة بأفريقيا، كما تقوم على الدوام بإعادة تقويم هذه المراكز وتطويرها ومنها:
- مركز "جبل كارمن" في مدينة حيفا الذي ينظم حلقات دراسية للمرأة الأفريقية في ميدان التنمية.
- مركز "دراسة الاستيطان" الذي يوفر تدريبات في البحوث الزراعية والتخطيط الإقليمي.
- المركز الزراعي الذي يوفر الخبراء والمساعدات الفنية لتعظيم استخدام الموارد المتاحة.
- قسم "التدريب الأجنبي" الذي يهتم بقضايا التنمية الأفريقية.
- المعهد الأفروآسيوي" للهستدروت الذي يهتم بأنشطة الاتحادات العمالية.

"
سعي إسرائيل للخروج من عزلتها والحصول على مزيد من الشرعية الدولية، وإقامة علاقات دبلوماسية مع أكبر عدد ممكن من الدول الأفريقية، يشكل مدخلا للقيام بنشاطات أخرى اقتصادية وأمنية، ونفيا للصورة العنصرية للكيان الصهيوني
"
المدخل الأمني
تمتلك إسرائيل مصداقية كبيرة لدى الدول الأفريقية في ميادين الاستخبارات والتدريب العسكري، وقد ركزت في تفاعلاتها الأفريقية منذ البداية على هذه المسائل التي تمت ترجمتها على شكل شركات أمنية.

ويمكن التمييز في هذا الإطار بين نوعين من الشركات:
- شركات المرتزقة، ومن أبرزها شركة "ليف دان" وشركة "الشبح الفضي" التي تتولى تدريب وتسليح مليشيات قبلية لحماية الرؤساء والشخصيات السياسية المهمة.

- شركات تتولى تنفيذ المخططات الإسرائيلية في أفريقيا، وأهمها شركة "يول باريلي" للأسرار، وشركة "أباك" وهما شركتان فرنسيتان مملوكتان لعناصر يهودية.

وتتبنى إسرائيل سياسة تهدف إلى إشعال وتصعيد الصراعات في أفريقيا بهدف إسقاط أنظمة تسعى للتقارب مع الدول العربية، ولإحكام السيطرة السياسية والاقتصادية الإسرائيلية.

في الجانب السياسي تقوم إسرائيل بدعم أنظمة الحكم المتعاونة معها والموالية لها في القارة الأفريقية، وبتوسيع دور حركات المعارضة في الدول غير الموالية لإسرائيل لنشر حالة من عدم الاستقرار السياسي.

وتفيد الخبرة التاريخية في هذا المجال أن إسرائيل تتعامل مع الأشخاص الأفارقة وذوي النفوذ الذين لهم مستقبل سياسي فاعل في بلدانهم.

الأهداف الإسرائيلية في أفريقيا
لإسرائيل أهداف كبيرة من وراء تغلغلها في القارة الأفريقية وهي:

أهداف إستراتيجية:
تشكل أفريقيا بالمنظور الإسرائيلي أهمية إستراتيجية كبيرة، لعدة أسباب:
أ) امتلاك أفريقيا لممرات حيوية للتجارة الدولية ولمنافذ وموانئ بحرية هامة على المحيطين الهندي والأطلسي.
ب) امتلاك أفريقيا لإمكانات نفطية إذ قدر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) مجمل الاحتياطي النفطي لأفريقيا بنحو 80 مليار برميل.
ج) تشكل أفريقيا حاليا ممرا هاما للتجارة البحرية الإسرائيلية حيث يمر 20% من هذه التجارة أمام سواحل القرن الأفريقي وفي مضيق باب المندب، كما أن رحلات "شركة العال" إلى الشرق الأوسط تمر في سماء إريتريا ومن هناك تتجه شرقا.

أهداف سياسية:
وتشمل سعي إسرائيل للخروج من عزلتها والحصول على المزيد من الشرعية الدولية، وإقامة علاقات دبلوماسية مع أكبر عدد ممكن من الدول الأفريقية كمدخل للقيام بنشاطات أخرى اقتصادية وأمنية، وكوسيلة لنفي الصورة العنصرية للكيان الصهيوني، من خلال القيام بنشاطات إعلامية وثقافية وتقديم مساعدات متنوعة، بالإضافة إلى السعي لكسب ودعم السود في أميركا وللمواقف والمطالب الإسرائيلية على الساحة الأميركية.

ويشكل البحر الأحمر أهمية كبيرة بالنسبة للمصالح الإسرائيلية التجارية والإستراتيجية لأنها تعتمد عليه في تجارتها مع أفريقيا وآسيا وأستراليا، ونظرا لغياب قواعد عربية واضحة تحكم أمن البحر الأحمر، ومع استقلال إريتريا عام 1993 وابتعادها عن النظام العربي، تحاول إسرائيل ضمان تلبية مطالبها الأمنية الخاصة بالبحر الأحمر.

أهداف اقتصادية:
يحتل الجانب الاقتصادي في إستراتيجية إسرائيل للتغلغل في أفريقيا أهمية كبيرة، ذلك أنه يحقق للدولة العبرية مجموعة من الأهداف:
1- فتح أسواق للمنتجات الإسرائيلية.
2- الحصول على المواد الأولية اللازمة للصناعة الإسرائيلية.
3- تشغيل فائض العمالة لديها من خبراء وفنيين في دول القارة.

"
عدم قدرة العرب على تطوير إستراتيجيات جديدة في علاقاتهم مع القارة الأفريقية من شأنه أن يبقي فرص تلاعب إسرائيل بأمنهم ومصيرهم قائمة
"
وقد تبنت إسرائيل في إستراتيجيتها هذه مجموعة من الآليات:
1- الحصول على امتيازات للبحث عن البترول في أفريقيا، وتأسيس عدة شركات على أنها أفريقية.
2- تحويل مبالغ كبيرة من المال تحت أسماء تجار يهود يحملون جنسيات تلك الدول.
3- من خلال وجود خبراء يحملون جنسيات دول أوروبية ويدينون لإسرائيل بالولاء.
4- احتكار تجارة بعض المحصولات والأسواق، استهلاك العديد من السلع، كاحتكار أسواق المنتجات الغذائية وعصير الفاكهة في إثيوبيا، ومحصول البن في أوغندا، ومحاصيل السمسم والفول السوداني وغيرها في عموم دول شرق أفريقيا.
5- اتباع سياسة إغراقية في تجارتها بغية كسب الأسواق، مثلما حدث مع كينيا وإثيوبيا حينما أغرقت أسواقهما بمختلف البضائع والسلع وكانت جميعها تستوردها بأسعار منخفضة من بلدان أخرى، وذلك بهدف سد الطريق أمام التعامل الأفريقي الأفريقي، والأفريقي العربي.

وتستهدف إسرائيل السيطرة على قطاع الصناعة الاستخراجية في القارة الأفريقية، مركزة في هذا المجال على استغلال الثروات الطبيعية كالماس في كلٍّ من الكونغو الديمقراطية وسيراليون وغانا وأفريقيا الوسطى، واليورانيوم في النيجر.

ويملك الإسرائيليون اليوم كبرى الشركات التي تتحكم في الاقتصاد الأفريقي كشركة "أغريد أب" للتطوير الزراعي التي تقوم باستصلاح الأراضي وإقامة المزارع و"شركة ألرا" و"موتورولا" و"كون" التجارية و"سوليل ونيه" الفرع الخارجي، وكذلك شركة فنادق أفريقيا وغيرها.

المخاطر على العالم العربي
توجه إسرائيل نحو دول أفريقيا ظل دائما يشكل جزءا من الصراع العربي الإسرائيلي، وجزءا من نظرية الأمن الإسرائيلية القائمة على التفوق العسكري واكتساب الشرعية والهيمنة والتحكم في المنطقة وتطويق الدول العربية -خاصة مصر- وحرمانها من أي نفوذ داخل القارة الأفريقية.

وكذلك تحاول إسرائيل دائما استغلال وتعميق الخلافات العربية مع بعض الدول الأفريقية، وتهديد أمن الدول العربية المعتمدة على نهر النيل بمحاولة زيادة نفوذها في الدول المتحكمة في مياه النيل من منابعه، مع التركيز على إقامة مشروعات زراعية تعتمد على سحب المياه من بحيرة فكتوريا.

وهي تستغل في ذلك العداء التاريخي بين إثيوبيا والعرب وإمكاناتها في التأثير في السياسة الأوغندية، إلى جانب قيامها بتشجيع الحركات الانفصالية في جنوب السودان، كما تسعى إلى خلق تيار مناهض للعرب وخاصة في المناطق المطلة على الساحل الشرقي في أفريقيا.

الخاتمة
بقدر ما تكون أفريقيا عمقا إستراتيجيا وحيويا مهما للعالم العربي، لوجود روابط تاريخية وثقافية وعلاقات اقتصادية مهمة، فإنها تشكل خطرا كامنا على أمن واستقرار عالمنا العربي بدءا من حركة المرور في البحر الأحمر، وضمان تدفق مياه نهر النيل، والعلاقات الحدودية مع شمال أفريقيا العربية، بسبب التداخل الكبير في هذه القضايا بين العالم العربي وأفريقيا.

ولاشك أن إسرائيل في إطار سعيها لمحاصرة العالم العربي وإضعافه لن توفر فرصة ثمينة كتلك التي توفرها القارة الأفريقية، وبالتالي فإن عدم قدرة العرب على تطوير إستراتيجيات جديدة في علاقاتهم مع القارة الأفريقية من شأنه أن يبقي فرص تلاعب إسرائيل بأمنهم ومصيرهم قائمة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك