براء ميكائيل

- اهتمام مفاجئ
- الثمن الذي تطلبه فرنسا

- آفاق التغيير
- كل وأجندته

مرة أخرى، يبدو وكأن الوضع السياسي في الشرق الأوسط بدأ بالتحرك. فمنذ أن أعلن رسميا عن وجود مفاوضات غير رسمية بين سوريا وإسرائيل تخص مرتفعات الجولان، لم يمض يوم دون أن نسمع عن التكهن حول جدية الإسرائيليين في ما عرف عنه بطرح من قبلهم، أو استعداد السوريين في الدخول في هذا السياق الحساس، ناهيك عن التساؤلات العديدة حول مدى تأقلم هذا السياق واستقرار الشرق الأوسط على المدى المتوسط والبعيد.

"
المحور الإستراتيجي الفعلي القائم حاليا بين حزب الله وأمل من جهة وبين كل من إيران وسوريا من جهة أخرى، لا يعني بتاتا أن هناك خضوعا كليا من قبل السيدين حسن نصر الله ونبيه بري لما قد تتمناه طهران ودمشق
"
اهتمام مفاجئ
إذ يبدو من البديهي أن هذا الاعتبار المفاجئ الذي تناله سوريا حاليا سبقه العديد من الأحداث والتصريحات الرسمية الغربية والعربية التي أوصلت البعض إلى التشكيك في قدرة النظام السوري على تحمل ثقل الضغوط التي مورست عليه.

غير أن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أعرب عن نواياه الحسنة تجاه دمشق في الآونة الأخيرة، إذ أشار إلى إمكانية تطبيع العلاقات السياسية بين البلدين، علما بأنه كان قد أعلن قبل ستة أشهر فقط عن قطع رسمي لهذه العلاقات.

ويبقى السؤال مطروحا: ما هو الثمن الذي تطالب به فرنسا مقابل هذا السيناريو التفاؤلي؟ وهنا يكمن الجزء الأكبر من اللغز.
من الواضح أن فرنسا، بيدها الممدودة إلى سوريا، كانت تبحث عن طريقة رسمية تكافئ بها النظام السوري على ما اعتبرته جهودا فعالة قام بها في ما يتعلق بالمعضلة الرئاسية اللبنانية.

غير أن التساؤلات تبقى قائمة حول الدور الفعلي الذي مارسته دمشق في إطار المفاوضات التي أدت إلى تعيين العماد ميشال سليمان على رأس الدولة اللبنانية.

فهل سوريا قادرة بالفعل على التأثير بهذا الشكل على مجرى الأمور في لبنان؟ وهل احتفظت بعد ثلاثة أعوام من خروجها من لبنان بهذا القدر من وسائل الضغط التي تسمح لها بالتأثير الكلي على كافة أحزاب المعارضة اللبنانية؟

من الصعب الاقتناع بهذا الافتراض بالطبع. فسوريا ما زالت محتفظة بعلاقات متينة مع حزب الله وحزب أمل اللبنانيين وهذا ما تؤكده طبيعة الأمور وكذلك التصريحات الرسمية السورية. غير أن الشك في مدى وجود علاقات طيبة كهذه يبقى مشروعا ومطروحا في ما يخص وضع التيار الوطني الحر الذي يترأسه العماد ميشال عون.

فميشال عون لم يدل إلى حد الآن بأي تصريح يعبر عن تقارب الرؤى بينه وبين النظام السوري، ناهيك عن أن مفاوضات الدوحة التي سمحت مؤخرا بفك المعضلة الرئاسية اللبنانية جرت في إطار رسمي وبعيد كل البعد عن أي قدرة لجهات خارجية، عربية كانت أم غربية، على التأثير المباشر على المتفاوضين اللبنانيين الذين اجتمعوا في قاعة واحدة.

وزد على ذلك أخيرا أن المحور الإستراتيجي الفعلي القائم حاليا بين حزب الله وأمل من جهة، وبين كل من إيران وسوريا من جهة أخرى، لا يعني بتاتا أن هناك خضوعا كليا من قبل السيدين حسن نصر الله ونبيه بري لما قد تتمناه طهران ودمشق.

ومن هنا، نفهم أن محاولة سوريا التأثير على المفاوضات اللبنانية يبقى مستحبا من قبلها بالطبع، ولكن هذا لا يعني أنه قائم بشكل فعلي.

هذه التفاصيل بدت لنا مهمة في ظل التطورات الحساسة التي تمر بها الساحة في الشرق الأوسط في الوقت الراهن، ولذا بدا لنا من المهم الإشارة إليه.

غير أن كل هذه النقاط لا تبدو دوما بديهية في أعين الكثير من المراقبين القريبين من الحقائق الإقليمية، فماذا إذا عن الرئيس الفرنسي الذي لم يعرف عنه أي ميل خاص أو أي تمسك من قبله بتحليل حقائق الشرق الأوسط عن قرب؟

الثمن الذي تطلبه فرنسا
مما لا شك فيه أن نيكولا ساركوزي اعتاد الاعتماد على استقراءاته الذاتية للأمور بشكل عام أكثر من لجوئه إلى نصائح مستشاريه مثلا.

ومن النتائج التي شاهدناها في هذا السياق، وعلى سبيل المثال، إعلانه في شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي من القاهرة عن قراره بقطع العلاقات السياسية بين بلده ودمشق.

فقد أتى هذا القرار مفاجئا كما بدا متناقضا مع النهج السياسي الذي كان قد أبداه ساركوزي باستقباله الكبير للقائد الليبي معمر القذافي في باريس مثلا، ولكن لكل حادث حديث ويبدو أن الرئيس الفرنسي لديه اليوم استقراءات جديدة للأحداث الحالية.

فها نحن نجد أنفسنا أمام تمسك فرنسي فعلي بتعديل أسس العلاقة القائمة حاليا بين البلدين، وها هي سوريا أمام فرصة جادة لتحسين علاقاتها مع فرنسا والعودة إلى الساحة الدولية. إلا أن هذا له ما يقابله بالطبع.

علينا أن نكون واضحين إزاء التوقعات الفرنسية أولا. فما هي المتطلبات والمكاسب التي يسعى ساركوزي إلى تحقيقها هنا؟

"
الرئيس الفرنسي متمسك بإنجاح القمة من أجل المتوسط، وحضور الرئيس السوري فيها مهم جدا، لأنه إطار توحي عبره فرنسا بأن لها دورا لا غنى عنه في ما يتعلق بترسيخ أسس متينة للعلاقات الأورومتوسطية
"
مما لا شك فيه أن الرئيس الفرنسي متمسك بإنجاح القمة من أجل المتوسط التي ستقام في باريس في منتصف شهر يوليو/تموز المقبل، والتي من المتوقع أن تجمع في العاصمة الفرنسية جميع رؤساء دول حوض المتوسط.

ويبدو حضور الرئيس السوري في هذا الملتقى مهما جدا، إذ إنه سيعبر عن قدرة ساركوزي على جمع مسؤولين عرب وغير عرب، شرقيين وغربيين على حد سواء، في عاصمة بلاده، بل وفي قاعة واحدة.

ويأتي كل هذا طبعا في إطار عام توحي عبره فرنسا بأن لها دورا لا غنى عنه في ما يتعلق بترسيخ أسس متينة للعلاقات الأورومتوسطية وأنها تريد إيجاد مستقبل عامر لمنطقة الشرق الأوسط.

قد يكون الرئيس الفرنسي شديد التفاؤل بتوقعه إجماع الحضور على مشروعه المتوسطي والمضي قدما نحو أفق يكون قد حدده هو شخصيا.

وسوريا تسعى من دون شك إلى إيجاد فرص التقارب الفعالة بينها وبين فرنسا ولذا يبدو وكأنها تبدي اهتماما باليد الفرنسية الممدودة هذه، غير أن هذه الحقيقة لا تكفي لحل معضلتين أساسيتين ما زالتا قائمتين إقليميا وهما: اتفاق الحكام العرب الدائم على عدم الاتفاق فيما بينهم، وهذا ما نراه بشكل متواصل كلما اجتمعت جامعة الدول العربية وكلما نطقت ببياناتها الرسمية الجوفاء أو التي تنقصها الفعالية، وكذلك الاستبعاد الشديد في الوقت الراهن لأي تعديل من قبل سوريا في ما يتعلق باتجاهاتها الإستراتيجية الأساسية.

فسوريا ما زالت تبحث عن ضمانات فيما يتعلق بأمنها وباستقرارها بشكل عام، وقد طورت لهذه الغاية المحددة أربعة محاور إستراتيجية أساسية وهي: الحفاظ على تحالفها مع إيران، ودعم حزب الله اللبناني، ودعم مجموعة حماس الفلسطينية، ورفضها من حيث المبدأ للخضوع لأي من الشروط التي قد تمليها عليها الدول الغربية التي طالما انحازت من وجهة نظرها إلى صالح إسرائيل والولايات المتحدة على حد سواء.

والواقع أن هذه النقطة الأخيرة، المتعلقة بانحياز أغلب الدول الغربية الفعلي لرؤى واشنطن وتل أبيب في ما يتعلق بالتطورات الإقليمية، قد تكون دمشق محقة ومصيبة حينما تصر عليها.

وأضف إلى ذلك أن هذه النقطة بالتحديد هي التي طالما وقفت في وجه أي إمكانية لتقارب وجهات النظر بين باريس ودمشق في السنوات الأخيرة.

وسوريا تدرك تماما أن الثمن المطلوب منها في مقابل استرجاعها علاقات متينة مع الولايات المتحدة وحلفائها باهظ جدا إذ إنه يكمن في قطعها علاقاتها مع كل حلفائها الإقليميين.

لذا فمن غير المبالغ فيه اعتبار أن سوريا لن تعدل مواقفها الإقليمية إلا في حال توفر ثلاثة شروط أساسية وهي: استعادتها كامل أراضي الجولان التي احتلتها إسرائيل عام 1967، وعدم إجبارها على دفع المقابل بالتوقيع على اتفاق سلام مع الإسرائيليين يتعارض مضمونه ورؤية سوريا لدواعي سيادتها الوطنية، وتقديم الدول الغربية أكبر قدر من الضمانات لها فيما يتعلق بمستقبل النظام السياسي وكذلك بشروط استقرار البلاد على المنظور البعيد.

لهذه الأسباب قد يطول الطريق قبل أن تقبل سوريا بالشروط الفرنسية، خاصة أن الأهداف الفرنسية الفعلية هي مشاهدة سوريا وهي تخفض علاقاتها مع إيران وقبولها بالمضي في عقد سلام مع إسرائيل، وهي آمال متناقضة تماما مع الرؤى الإستراتيجية التي لا يبدو أن سوريا مستعدة بعد للعدول عنها.

آفاق التغيير
ومن هنا، فما هي الافتراضات التي يمكننا أن نتوقعها في الأشهر المقبلة؟ مما لا شك فيه أن الرئيس السوري يبدي اهتماما بعودة العلاقات السياسية الجيدة مع فرنسا التي ما زالت عنصرا أساسيا على صعيد العلاقات الدولية.

ومن هذا الأساس، ورغم صعوبة التكهن بمجرى التطورات التي سنشاهدها في الأسابيع القادمة، فإن قدوم الرئيس السوري إلى باريس في شهر يوليو/تموز المقبل للمشاركة في مؤتمر الوحدة من أجل المتوسط غير مستبعد أبدا.

"
قد يكون اعتبار الحديث الحالي المبالغ فيه عن تطورات مهمة قادمة في المنطقة ما هو إلا عبارة عن رغبات يتمنى الكثيرون تحقيقها، غير أنها لن تتحقق
"
ومن المؤشرات على ذلك وجود مفاوضات حاليا بين سوريا وإسرائيل عبر وسيطهما التركي، وهي مفاوضات تعبر إلى حد ما عن حرص دمشق على عدم إغلاق المجال السياسي والتفاوضي كليا بينها وبين أشد أعدائها الإقليميين، وهو وضع ستكون باريس حريصة على أخذه بعين الاعتبار.

غير أن هذا لا يوحي بتاتا بأي سلاسة أو أي مرونة في ما يتعلق بتسلسل الأحداث القادم، ومن ضمن المؤشرات على ذلك موقف إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش من الخطوات ومن مبادرات حسن النية الفرنسية تجاه سوريا.

فالإدارة الأميركية الحالية رغم ضعفها النسبي على ساحة الشرق الأوسط لا تبدو محبذة لأي سيناريو قد يصب في مصلحة حلفاء إيران الإقليميين، وهي من هذا المبدأ بسبب أنها لا توافق على النهج المتبع حاليا من قبل الرئيس الفرنسي، أصرت على ضرورة تغيير سوريا نهجها المتبع حاليا إذا أرادت أن تنال المباركة من قبل واشنطن وحلفائها.

أما سوريا فكانت قد استبقت الأمر حين أعلنت قبل بضعة أسابيع أن أي مفاوضات جادة بينها وبين إسرائيل لا يمكن أن تتم إلا ضمن وساطة أميركية لا تكون إدارة بوش معنية بها.

وقد أكدت سوريا أنها ما زالت متمسكة بأخذ المقترحات الأميركية بعين الاعتبار والتفاعل معها، غير أن تجاوبها الجاد لن يتم قبل سنة 2009، أي قبل أن تكون الآفاق السياسية الأميركية قد أتت بقواعد جديدة.

كل وأجندته
من هنا تظهر لنا صورة واضحة المعالم فيما يتعلق ببعض التطورات المنتظرة في الأشهر القليلة القادمة، والواقع أن الأمور لا يبدو أنها ستقود إلى تحولات جذرية في المنظور القريب، إذ لا يبدو أن سوريا ستعيش مرحلة مميزة ستقودها إلى نيل ثقة واعتبار أغلب نظرائها من المجتمع الدولي.

فالجميع يبدون منهمكين بأجنداتهم الخاصة، بدءا بساركوزي المنهمك في تحضيرات مؤتمر الوحدة من أجل المتوسط والمتمسك بنجاحها الكلي، مرورا بجورج بوش الذي يسعى إلى إيجاد كافة الطرق التي تضمن له خروجا مشرفا من وظيفته الرئاسية دون أن يكون قد تخلى عن مبادئه المعلن عنها رسميا، ووصولا إلى السوريين الذين يراهنون مرة أخرى على قدرتهم على الاحتفاظ بنهجهم وسلوكهم السياسي إلى أن تكون الأوضاع السياسية قد تحولت في الولايات المتحدة وفي إسرائيل إلى ما هو أفضل أو أسوأ، وذلك دون أن ننسى وضع حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت طبعا، إذ إن الظروف السياسية القائمة حاليا على الصعيد الداخلي الإسرائيلي لا بد أن يكون تأثيرها سلبيا على إمكانية تطور الوضع الإقليمي نحو الأفضل في الأشهر القليلة المقبلة.

من هذه المنطلقات جميعها ومع الأسف، قد يكون اعتبار الحديث الحالي المبالغ فيه عن تطورات مهمة قادمة في المنطقة ما هو إلا عبارة عن رغبات يتمنى الكثيرون تحقيقها، غير أنها لن تتحقق.

وعلى كل حال، يبقى هذا الوضع لا بأس به إذا استطعنا، على الأقل، تفادي كوارث كتلك التي اعتدنا أن نراها متراكمة على المنطقة في السنوات الأخيرة، سواء من فعل إستراتيجيات أجنبية أو بسبب السياسات المعوجة التي اعتاد بعض الحكام الإقليميين اعتمادها.
__________________
باحث فرنسي

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك