نبيل الفولي

نبيل الفولي

كاتب وباحث مصري


- ثعلب آسيا
- شخصية المهندس
- مستقبل النووي الباكستاني

نال العالم الباكستاني الدكتور عبد القدير خان شهرة استثنائية قل ما حصل عليها أحد من علماء الشرق والغرب في مجال تخصصه، ليس لأنه أول مسلم يصنع قنبلة نووية، فقد سبقه إلى ذلك أبو المشروع النووي الهندي أبو بكر زين العابدين أبو الكلام آزاد، وإنما لأنه الشريك الأكبر في إنتاج أول سلاح نووي تمتلكه دولة إسلامية على الإطلاق، وذلك ضمن المشروع النووي الباكستاني، إضافة إلى الضجة التي أثيرت حول الرجل منذ بضعة أعوام عن قيادته لشبكة دولية للتجارة بالسلاح النووي.

"
باكستان وظفت حقها في تحقيق التوازن النووي مع عدوها اللدود في أجواء دولية مواتية، وأنشأت مشروعا نوويا محاطا بالسرية التامة خلال فترة قياسية لم يتوقعها أحد حتى الصديق الأميركي
"
ثعلب آسيا
وقد كانت رحلة عبد القدير خان مع مشروع بلاده النووي في فصولها المختلفة مثيرة للغاية، ويمكن فهمها جيدا من خلال فهم طبيعة السياسة الباكستانية التي رفعت عالِمها الكبير إلى أجواز الفضاء كبطل قومي أسطوري في مرحلة، ثم حولته إلى تاجر يقود عصابة دولية لبيع المواد النووية في مرحلة أخرى.

والحق أن باكستان "ثعلب آسيا" قد عكست سلوكا سياسيا عاما يدرك المواقف الدولية والإقليمية من منظار براغماتي خالص، ويتعامل معها بدهاء واضح، سواء اعتبرنا ما تسعى إليه إسلام آباد خلال ذلك حقا لها أو ليس حقا.

فهذا البلد ذو النشأة الحديثة مر طوال ستة عقود من الزمن -هي كل عمره إلى الآن- بتقلبات وتحولات سياسية عميقة وواسعة، مع تهديدات مستمرة من بعض الجيران، إلا أنه لم يفقد قدرته على المناورة وتوظيف الأجواء الإقليمية والعالمية التي تجري من حوله بما يخدم مصالحه.

ولا يمثل الدور الباكستاني الشهير في مساندة الجهاد الأفغاني ضد السوفيات حالة وحيدة في هذا المضمار، فالمشروع النووي الباكستاني يبدو أكثر حضورا فيه، إذ فجرت الهند قنبلتها النووية عام 1974، فوظفت باكستان حقها في تحقيق التوازن النووي مع عدوها اللدود في أجواء دولية مواتية، وأنشأت مشروعا نوويا محاطا بالسرية التامة خلال فترة قياسية لم يتوقعها أحد، حتى الصديق الأميركي الذي غض الطرف عن بعض أفعال حليفه الإستراتيجي لأسباب سنشير إليها فيما بعد.

قام مشروع إسلام آباد النووي على خبرة شاب باكستاني ذي أصول هندية، قدم من هولندا غيرة على بلاده التي باتت مهددة بخطر ماحق من قبل جارتها النووية الهند، وهذا الشاب هو الدكتور عبد القدير خان المولود في عام 1936.

وقد بادر خان بنفسه إلى مراسلة رئيس الوزراء الباكستاني الراحل ذو الفقار علي بوتو من أمستردام عقب المفاجأة الهندية، يعرض عليه فكرة مشروع نووي باكستاني.

فاحتضنت الدولة المشروع منذ هذه اللحظة على أنه مشروع وجود لها، إلى أن انفجرت المفاجأة التي أذهلت العالم بإجراء باكستان أولى تجاربها النووية في مايو عام 1998.

وقد استخدمت إسلام آباد مشروعها النووي حتى قبل هذا كوسيلة ردع ضد جارتها بذكاء شديد، وذلك حين حشدت الهند قواتها على الحدود مع باكستان عام 1986، فأوعزت السلطات الباكستانية إلى شخصية اجتماعية بارزة فيها بأن يشير في الصحافة إلى امتلاك بلاده لقدرات نووية فائقة وقابلة للاستخدام العسكري، ثم عقدت له محاكمة صورية علنية متهمة إياه بتسريب أسرار عسكرية خطيرة.

ووصلت الرسالة إلى نيودلهي واضحة تماما بأن جارتها قد امتلكت أنيابا رادعة، ولم تعد ذاك الحمَل الوديع.

كما طبق الرئيس الباكستاني الراحل محمد ضياء الحق في هذا الوقت ما سُمِّي "بدبلوماسية الكريكيت"، فانتهز إقامة مباراة في هذه اللعبة الذائعة الصيت بين المنتخبين الهندي والباكستاني في نيودلهي، وفاجأ جارته بحضور المباراة، وصارح قادة الهند بأن أي محاولة لغزو بلاده لن تُقابل إلا بالقنبلة النووية، وأن الكف عن التحرش بباكستان لن يقابَل إلا بالمسالمة.

ولم يقف تطبيق الحكومات الباكستانية المتتابعة لهذا السلوك السياسي على القضايا الخارجية، بل طبقته حتى مع خصوم الدولة في الداخل، وهو أمر برز بقوة في عهد الرئيس مشرف خلال مواقفه من خصومه بمختلف أطيافهم، وعبد القدير خان أحدهم.

"
بدا واضحا أن عبد القدير خان تصور بحسه الوطني والديني أنه يمكن أن يحمي بلاده من الضغوط الدولية لو قدم نفسه كبش فداء، فإما أن يتهم هو بالضلوع في التجارة النووية أو تتهم بلاده، إلا أن شركاءه الذين اتفقوا معه على هذا لم يكونوا على مستواه من الوفاء
"
شخصية المهندس
من جهة أخرى تساعدنا المعرفة بشخصية الدكتور عبد القدير خان على الإجابة عن السؤال الأساس الذي يطرحه هذا المقال، فالدكتور خان يبدو كتلة من العقل والعواطف والحماسة الوطنية الدينية.

فقد تربى في أجواء منزلية حرة تغلب عليها النزعة الدينية، ونجح في دراسته بدرجات عادية، إلا أنه تمتع بسلامة نفسية وخلقية نظرا لعدم تعرضه لأي ضغوط منزلية في جوه الأسري المتدين.

وقد بدا أثر ذلك كله في حياة الرجل الذي رفض في شبابه أن يحصل على وظيفة حكومية في بلاده مقابل دعوة مدير العمل الجديد على الطعام، وهاجر عبد القدير إلى الخارج ليدرس الماجستير والدكتوراه في ألمانيا وبلجيكا على الترتيب.

وساقه الحب إلى هولندا حيث تزوج من فتاة هولندية التقى بها من قبل في ألمانيا، وفي أمستردام حصل على عمل ممتاز وخبرة نووية أهلته فيما بعد للانطلاق بمشروع بلاده النووي.

ومرة أخرى ساقته غيرته الدينية والوطنية إلى مغادرة أوروبا وقيادة المغامرة الكبيرة لإنتاج القنبلة النووية في بلد متخلف تقنيا واقتصاديا، ولا يملك من الخبرة البشرية التي يحتاجها هذا الأمر شيئا تقريبا.

ومع ظهور ثمرات المشروع النووي الباكستاني بالفعل وسط هذه الصعوبات الجمة، ارتفعت أسهم مهندسه الأكبر في عيون الشعب الباكستاني قاطبة، حتى صار الدكتور عبد القدير خان في عيون شعبه واحدا من أهم الشخصيات الوطنية الباكستانية.

واعتبروه شخصية قومية فوق العادة، بل صار أسطورة في نظرهم، حيث وضعوه في مصاف الشاعر الكبير محمد إقبال صاحب فكرة إنشاء باكستان ومحمد علي جناح قائد مشروع إنشاء الدولة.

ولم تغير الشهرة الطاغية ولا العمل الخطير والحساس من طبيعة الرجل –كما يرويها الناس في بلده- فاحتفظ بهدوء الشخصية والتواضع الجم والوطنية المتوقدة، وأسهم في بناء عدد كبير من المساجد في أنحاء بلاده، كما تبرع بما لا يحصيه الباكستانيون أنفسهم من المال للمشاريع الخيرية.

وقد ظل الدكتور عبد القدير هكذا واحدا من الشخصيات القليلة التي يكاد يتفق الباكستانيون بمختلف أطيافهم على احترامها، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، إلى أن جاء شهر أكتوبر/تشرين الأول عام 2003، فأُعلن عن ضبط خفر السواحل الإيطالي سفينة شحن متجهة إلى ليبيا، تحوي معدات لا تستعمل إلا في صنع سلاح نووي، وأن وراء ذلك شبكة دولية تتحرك في محاور معينة عبر العالَم، ويقودها العالِم النووي عبد القدير خان.

وكانت لحظة عجيبة تلاقت فيها مجموعة من المقادير، وتجمعت ضد الرجل الأسطورة، أولها العلاقة الشخصية المتوترة بينه وبين الجنرال مشرف بسبب اختلافهما سابقا في بعض المواقف وإصرار عبد القدير خان على رأيه فيها.

وثانيها تورط بعض جنرالات الجيش في أعمال تمس التجارة بالسلاح النووي.

وثالثها الضيق الأميركي من الرجل الذي وقف خلف المعجزة النووية الباكستانية، تلك التي غضت عنها واشنطن الطرف مؤقتا، حفاظا على الحليف الإستراتيجي ضد السوفيات ثم ضد الإرهاب، وظنا من الأميركيين أن باكستان بإمكاناتها القليلة لن تنجح في إنتاج قنبلة نووية إلا خلال أجيال، وهذا ما يتيح للأميركيين تأجيل محاسبة باكستان إلى فرصة أخرى أكثر مناسبة.

وفوجئ العالم بالدكتور خان في فبراير/شباط عام 2004 يصرح في مقابلة تلفزيونية بأنه أدار طوال 15 سنة شبكة لنقل التقنية والمعدات النووية إلى كوريا الشمالية وإيران وليبيا، وظهر وكأنه يطلب العفو عن خطئه.

"
قد يكون مستقبل المشروع النووي الباكستاني مرتبطا بطبيعة النظام الحاكم في إسلام آباد وعلاقته بالغرب سلبا وإيجابا، إلا أن الإجماع الباكستاني على قضية السلاح النووي والسياسة التي ينتهجها "ثعلب آسيا" لا يجعلان الإقدام على عمل سلبي ضد النووي الباكستاني أمرا سهلا
"
وتساءلت الصحافة الباكستانية المعارضة حينئذ وفيما بعد عن حقيقة هذه التصريحات، وهل نتجت عن ضغوط تعرض لها الرجل، أم أن لها ولو ظلالا من الحقيقة؟ وإذا كان متهما، فلماذا لم يقدَّم إلى المحاكمة؟

إلى أن فاجأ الدكتور خان الجميع من جديد في الخامس من هذا الشهر بنفي تسريبه أي معلومات نووية إلى إيران وليبيا، مكتفيا بالإشارة إلى أنه أرشد هذه الدول إلى الشركات الأوروبية التي يمكن أن تمدهم بالتكنولوجيا اللازمة للمشاريع النووية، وأنه تعرض في 2004 لضغوط دفعته إلى الاعتراف بما لم يقترفه.

بدا واضحا أن الدكتور عبد القدير خان تصور بحسه الوطني والديني أنه يمكن أن يحمي بلاده من الضغوط الدولية لو قدم نفسه كبش فداء، فإما أن يتهم هو بالضلوع في التجارة النووية، أو تتهم بلاده، إلا أن شركاءه الذين اتفقوا معه على هذا لم يكونوا على مستواه من الوفاء، فراحوا يكيلون له الاتهامات، ويشوهون صورته وهو في عزلته وإقامته الإجبارية شيخا قد ذهبت قوته.

ولا ينفي هذا وجود تعاون عسكري على مستوى الدولة بين باكستان وكوريا الشمالية، شارك فيه الدكتور خان ممثلا لدولته، لا بصفته الشخصية، وتمت مبادلة خبرات صاروخية كورية بخبرات نووية باكستانية، وهي تجارة مارستها فرنسا مع العراق وإسرائيل، وفعلتها الصين مع كوريا، وروسيا مع إيران.

مستقبل النووي الباكستاني
لقد بقي المشروع النووي الباكستاني الذي قاده عبد القدير خان تحت النظر الأميركي منذ البدء، وقد ابتلعت واشنطن طُعمه بشيء من العمد والاضطرار إلى الآن، إلا أن قضية الدكتور خان لم تعد ذات تأثير عليه، خاصة أن الرجل قد بات في شيخوخته ومرضه بعيدا عن ممارسة أي عمل، بعد أن ترك وراءه حوالي ستة آلاف خبير نووي يمتلك كثير منهم القدرة على تكرار الإنجاز الباكستاني الكبير وحده.

وأخطر ما تلوح به واشنطن في وجه المشروع النووي الباكستاني هو إمكانية أن يتسرب السلاح النووي من هناك إلى يد القاعدة أو طالبان، خاصة أن ما تصفه واشنطن بالتطرف الديني شائع ومنتشر في مختلف طبقات الشعب الباكستاني، مما يدعو إلى إحكام السيطرة على هذا السلاح الخطير بكل الوسائل.

وقد نشرت صحيفة غارديان البريطانية منذ بضعة أشهر تقريرا مطولا عن خطة أميركية بريطانية للسيطرة على السلاح النووي في باكستان تحسبا لاستيلاء قوة مناوئة للغرب عليه.

ومهما يكن، فقد يكون مستقبل المشروع النووي الباكستاني مرتبطا بطبيعة النظام الحاكم في إسلام آباد وعلاقته بالغرب سلبا وإيجابا، إلا أن الإجماع الباكستاني على قضية السلاح النووي واعتباره قضية مصير من جهة، وطبيعة السياسة التي ينتهجها "ثعلب آسيا" من جهة أخرى، لا يجعلان الإقدام على عمل سلبي ضد النووي الباكستاني أمرا سهلا على كل حال.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك