فاضل الربيعي

فاضل الربيعي

- ولد في بغداد عام 1952 - عمل في سنوات شبابه في الصحافة العراقية والعربية - يعمل اليوم باحثا ً متفرغا ً في المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية بعمان وخبيرا ً في مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت


بخلاف ما يشيعه الأميركيون من صور زائفة عن العراق، فإن هذا البلد يعيش في قلب صراع محتدم ومرير "ضد الماضي" ورموزه وتعبيراته، بأكثر مما يعيش في قلب "معركة من أجل المستقبل".

لقد أورث الأميركيون ساسة هذا البلد التعيس واحدة من أكثر المشكلات استعصاء على الحل، وذلك حين أوهموهم بأن مستقبل بلدهم لن يقوم إلا على أنقاض ماضيه.

"
قرار حلّ اللجنة الأولمبية هو في صميم المهمة التي حددها صانع الغزو الأميركي ومهندسه دونالد رمسفيلد، أي مواصلة عملية "محو الرموز" في العراق سبيلا إلى محو الماضي برمته
"
ولذلك، يبدو العراق للمراقب المحايد كما لو أنه يعيش "عقدة التخلص من الماضي" ويغوص في أوحالها، وأنه لا يتقدم في أي اتجاه إلا بضع خطوات.

لم يكن العراقيون طوال تاريخهم السياسي الحديث يعيشون أو يعرفون هذا النمط من العقد السياسية حتى مع تغير الأنظمة والحكام بانقلابات دموية.

لقد ولدت "عقدة التخلص من الماضي" من رحم الاحتلال ومشروعه القائم على فلسفة "تنظيف العراق" من قيم الوطنية والقومية والتحرر، فبعد أيام قليلة فقط من احتلال بغداد وقف وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رمسفيلد ليقول للعراقيين وبقدر مفرط من الوقاحة "إن مهمتكم الآن هي محو رموز الماضي والتخلص منها". اليوم، وبعد أكثر من خمس سنوات على دعوة رمسفيلد هذه لا تزال المهمة نفسها شاخصة أمام أبصار السياسيين العراقيين.

في الواقع، وبعد ثلاث حكومات متعاقبة، لا يبدو أن الطبقة السياسية قد تمكنت بأي شكل من الأشكال من إنجاز المهمة الموكلة إليها، فأشباح الماضي لا تزال تحوم في كل مكان، حتى مع تلاشي الرموز الكبرى مثل الحزب الجماهيري والجيش العقائدي ووسائل الإعلام الرسمية.

لقد كشفت المعركة الرياضية التي خاضها رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي حديثا ضد اللجنة الأولمبية، وردود الفعل الصاخبة التي رافقتها، وتعدت نطاق الجمهور الرياضي، أن فلسفة النظام السياسي في العراق تقوم بالفعل على أساس التخلص من كل الماضي، وليس الاكتفاء بمحو رموزه الكبرى.

ولأن اللجنة الأولمبية العراقية التي تعترف بشرعيتها اللجنة الأولمبية الدولية وسائر الاتحادات الرياضية العربية، هي آخر مظهر من مظاهر هذا الماضي، فقد قرر رئيس الوزراء خوض آخر معاركه.

إن التأمل في مغزى القرار وأبعاده سوف يكشف عن الأهداف الحقيقية المرجوة من المعركة الرياضية الدائرة، بل ويكشف عن طبيعتها السياسية الصارخة التي سعى الإعلام الرسمي عبثا إلى طمس معاملها، لتصويرها معركة رياضية صغيرة تتعلق بما يدعى "تثبيت الشرعية"، وكأن كل شيء في العراق أصبح شرعيا وقانونيا باستثناء وجود المكتب التنفيذي للأولمبية.

ومعلوم أن هذا المكتب كُلف بمهام مؤقتة بعد حادث الاختطاف الغامض الذي وقع لرئيس الأولمبية العراقية وأعضائها، كما أن موعد الانتخابات بات على الأبواب، فبعد ثلاثة أشهر فقط سوف يتسنى للرياضيين العراقيين انتخاب مكتب جديد يحل محل المكتب المؤقت.

غير أن أكثر ما يكشف عن طبيعة المعركة السياسية ومراميها وأبعادها إنما هو الإطار العام لعقيدة التخلص من الماضي، الذي تجري فيه -منذ التاسع من أبريل/ نيسان 2003 وحتى الآن- عمليات منهجية منتظمة للتخلص من كل الرموز السياسية والإعلامية والاجتماعية.

وبالفعل ثمة دلائل ومؤشرات كثيرة على أن المسألة تتعدى نطاق الصدام مع مجموعة صغيرة داخل اللجنة الأولمبية "لا تروق كثيرا لرئيس الوزراء" أو ضد مكتب تنفيذي بعينه في اتحاد رياضي محلي أوكلت إليه مهمة مؤقتة بسبب الظروف الأمنية.

والأدق، أن قرار حلّ اللجنة الأولمبية هو في صميم المهمة التي حددها صانع الغزو الأميركي ومهندسه رمسفيلد، أي مواصلة عملية "محو الرموز" في العراق سبيلا إلى محو الماضي برمته.

لقد بات النظام السياسي الجديد يرهن مصيره كليا، لا بتحقيق تقدم في العملية السياسية أو معالجة الأوضاع المتردية والمأسوية للسكان تحت الاحتلال، بل بمقدار نجاحه في "تنظيف العراق من الماضي"، وهذه هي كل مواصفات "العقدة" التي يعاني منها النظام.

ولذلك، إذا ما وضع هذا القرار في سياق سلسلة القرارات المشابهة، مثل حلّ الجيش وحل وزارة الإعلام وضرب المراكز التجارية التقليدية، فإن حل اللجنة الأولمبية يأتي منسجما تماما مع قواعد وأسس فلسفة "المحو" هذه.

ومن أجل رسم صورة دقيقة عن أبعاد هذا القرار وصلته بقرارات مشابهة أخرى صدرت أيام الحاكم المدني الأميركي بول بريمر، سوف نعيد التذكير بالحقائق التالية:

"
حلّ الجيش العراقي أدى إلى ظهور جيش جديد لا يزال عاجزا حتى عن استلام ما يسمى "الملف الأمني"، كما أدى إلى ظهور جيش من المليشيات المنافسة والمزاحمة لسلطة الجيش الجديد، فصنع بذلك ما يمكن تسميته بالحاجة إلى "قوة خارجية" ضابطة وضامنة لأمن النظام
"
أولا
، أن قرار حل الجيش العراقي الذي جرى تصويره تاليا كما لو أنه مجرد خطأ أو سوء تقدير وقع فيه بول بريمر، أدى إلى ظهور جيش جديد لا يزال عاجزا حتى عن استلام ما يسمى "الملف الأمني"، كما أدى إلى ظهور جيش من المليشيات المنافسة والمزاحمة لسلطة الجيش الجديد على الأرض.

لقد صنع هذا الوضع تلقائيا، وبصورة مستمرة، ما يمكن تسميته بالحاجة إلى "قوة خارجية" ضابطة وضامنة لأمن النظام، ومن دونها يصبح هذا النظام في خطر.

وهذا وضع مثالي ونموذجي بالنسبة لقوات الاحتلال التي يمكنها أن تعيد صياغة المعادلات الأمنية والسياسية على أساس "حاجة النظام " إلى حماية طويلة الأمد.

ولذلك، لا يبدو قرار حل الجيش العراقي مجرد خطأ إداري أو سياسي، بل كخطأ مقصود ومصمم من أجل وضع النظام الجديد تحت مظلة الحاجة المستمرة لحماية خارجية.

وبهذا المعنى يصبح "محو" الجيش استطرادا في عملية صنع وتصنيع جيش جديد تقوم عقيدته العسكرية على أساس حاجته لقوات أجنبية داعمة وحامية.

ثانيا، أن حل وزارة الإعلام و"تفكيك" النظام الثقافي القديم، وبصرف النظر عن رأينا بالدور الذي كانت تلعبه على صعيد دعم توجهات النظام الشمولي السابق، أدى تلقائيا كذلك إلى بروز نخبة ثقافية جديدة اكتشفت "هويتها" من داخل ارتباطها بالقوى الممسكة بالسلطة، وليس من داخل علاقتها بالمجتمع والثقافة.

وفي ظل حاجة الأميركيين إلى جماعات ثقافية موالية ومستعدة للدفاع عن مشروع الغزو وتبريره، وجدت هذه النخبة أن مهمتها الحقيقية هي في الاندماج كليا في مشروع الاحتلال وليس في مشروع معارضته، وفي التماهي معه وليس بالانفصال عنه.

وبالتالي، أدت عملية صنع جيش جديد من الإعلاميين -ومعظمهم من أنصاف المتعلمين وأشباه الأميين الذين يسطرون اليوم على الفضائيات والصحف وشبكات الإنترنت- إلى صعود أدوار "طبقة إعلامية" شرسة، مفرغة ومعقمة تماما من قيم الوطنية، وهي تبدي في سلوكها الثقافي نوعا فريدا من "العداء للماضي" لا على أساس أنها نخبة حاملة لقيم جديدة، بل على أساس أن هذا الماضي هو موضوعها الصراعي الوحيد، أو أنه الموضوع الأكثر إغراء لخوض الصراع ضد "كل قيم الماضي".

وبالفعل، فإن تحليل خطاب هذه النخبة سوف يبين بجلاء، كيف أنه يتأسس على قاعدة تقول إن "معركة العراقيين هي مع ماضيهم" وحسب.

وبطبيعة الحال، فهذا الماضي لا يعني حقبة البعث الفكرية أو سنوات حكمه، وإنما يعني كذلك التاريخ السياسي والاجتماعي التحرري في العراق الحديث بأسره، وبكل ما يتضمنه هذا التاريخ من قيمٍ تحررية ومعارك بطولية ضد الاستعمار، وفي سبيل وحدة العرب.

وفي هذا السياق يُنسب الفضل لقادة هذه النخبة في اختراع مصطلح "القومجية" -من كلمة قومي- الشائع هذه الأيام في وسائل الإعلام العراقية الرسمية، وذلك في معرض توصيف كل من ينادي بالتحرر أو مقاومة مشاريع الغرب الاستعماري، وهو كما يُلاحظ وصف تحقيري يراد منه التشنيع على كل معارض للاحتلال.

وبالطبع فإن الماضي الذي يُطلب من هذه الطبقة العمل على محوه أو تحطيمه في عقول العراقيين، يتخطى نطاق عهد البعث ورموزه السياسية والعقائدية، ليشمل كل التراث الوطني التحرري.

ولذلك، بدا أن النخبة الإعلامية الجديدة تعطي الانطباع عن نفسها، لا بوصفها خلاصة الجدل الثقافي الحقيقي مع تراث الاستبداد والدكتاتورية، بل بوصفها خلاصة التبدل المثير في قيم المجتمع العراقي نفسه بعد خمس سنوات من الاحتلال، حين تصبح الشهوة شبه المرضية للمال والجاه والنفوذ أكثر قوة من قيم الوطنية أو الديمقراطية أو التغيير.

"
شبكة الإعلام العراقية هي الماكينة الغوغائية الرسمية الأكثر نفوذا في العراق التي يجري فيها إنتاج خطاب "تفكيك ماضي القيم الوطنية" لا ماضي الاستبداد والدكتاتورية
"
والمثير للاهتمام أن عمليات خلق وتصنيع النخبة الثقافية الجديدة، كان يترافق مع عمليات قتل متواصلة للصحفيين والإعلاميين القدامى.

لم يكن هذا الوضع ليعني شيئا أكثر من أن الأميركيين نجحوا في "محو" الرموز الثقافية القديمة، وفي إحلال رموز جديدة محلها، وأن النظام السياسي بات يرتكز في خطابه على "المنتجات الدعائية" لهذه النخبة أكثر مما يرتكز على أفكار ومنطلقات رموزه الدينية والسياسية.

إن واصف الحالة الراهنة للنظام السياسي في العراق وصفا أمينا ونزيها سوف يُلاحظ دون كثير عناء أن هذا النظام يعيد تسويق منتجات النخبة الثقافية والإعلامية بوصفها منتجاته هو.

وذلك واضح كل الوضوح من خلال تبني النظام لما يعرف بشبكة الإعلام العراقية التي أسسها بول بريمر، وهي شبكة تدرب معظم قادتها في دورات خاصة أقامها الأميركيون في لندن وأمستردام، لتأهيل "قادة إعلاميين عراقيين" قبل سنتين من الاحتلال، وهي تتألف من خليط من اليساريين العراقيين والليبراليين وأعضاء الأحزاب الدينية.

وبهذا المعنى وحده، فقد أصبح لدى النظام السياسي العراقي ومنذ اليوم الأول لولادته "جهاز إعلامي" مهمته إنتاج السياسة وليس الدفاع عنها وتبريرها.

لقد أصبحت شبكة الإعلام العراقية منذ التاسع من إبريل/ نيسان 2003 وحتى اللحظة هي الماكينة الغوغائية الرسمية الأكثر نفوذا في العراق التي يجري فيها إنتاج خطاب "تفكيك ماضي القيم الوطنية" لا ماضي الاستبداد والدكتاتورية.

وبهذا المعنى أيضا، يكون الأميركيون قد استبدلوا وزارة الإعلام (الرسمية السابقة) بجهاز إعلامي رسمي جديد أكثر شراسة وعدوانية حيال المجتمع والثقافة.

ثالثا، في هذا السياق يأتي قرار "حل اللجنة الأولمبية العراقية". وإذا شئنا تحديد الوقت الحقيقي الذي اتخذ فيه القرار، فمن المؤكد أن اختطاف رئيس اللجنة الأولمبية العراقية السابق أحمد الحجية وعدد من زملائه، في حادث غامض وقع قبل أكثر من سنتين، ولا تزال تثور الكثير من الشبهات حول دور "جهات حكومية وأميركية" في تدبيره والمسؤولية عن نتائجه، هو "طلقة البداية" في قرار تفكيك المؤسسة الرياضية العراقية التي أعقبتها مباشرة عمليات قتل متسلسل وقعت لرياضيين عراقيين، كانت آخر حلقاتها قد وقعت مطلع العام الحالي في الأردن، حين جرى" تدبير عملية تسميم جماعي" لرياضيين شباب مع عائلاتهم بواسطة قالب حلوى أدى إلى "موت غامض" لعدد كبير منهم.

ولذلك من المتوقع أن يؤدي تفكيك المؤسسة الرياضية القديمة إلى خصخصة قطاع الرياضة وتسليمه لمستثمرين أجانب، كما هو حال النفط والإعلام، بل وفتح الأبواب أمام بيع الرياضيين العراقيين وصنع وتصنيع آخرين أكثر استعدادا للتماهي مع مشروع الاحتلال.

قتل الرياضيين وتدمير مؤسساتهم الشرعية لا علاقة له بمعركة المستقبل، بل "بمعركة دونكيشوتية" ضد أشباح الماضي التي لا تزال تسهر عند مهد النظام وتقض مضاجع حراسه.

المصدر : الجزيرة

التعليقات