محمد شريف محمود

تم التوقيع في التاسع من يونيو/حزيران الجاري في جيبوتي على اتفاقية بين التحالف لإعادة تحرير الصومال من جهة والحكومة المؤقتة من جهة أخرى تحت رعاية الأمم المتحدة والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، أهم بنودها وقف المواجهات المسلحة بين الطرفين بعد انقضاء ثلاثين يوما منذ التوقيع على الاتفاقية، وانسحاب القوات الإثيوبية بعد أربعة أشهر.

ولأول مرة منذ أفول الدولة الصومالية يعترف المجتمع الدولي بتنظيم سياسي صومالي يمتلك الشرعية لتمثيل الشعب الصومالي ويحاوره ويتوصل معه إلى تفاهمات يؤمل أن تفضي إلى إنهاء الاحتلال وإعادة السيادة ووحدة التراب الوطني.

ورغم أن أمامنا طريقا طويلا محفوفا بالأشواك، وفترة مديدة من المعاناة والدماء والعرق والدموع حتى يتحقق النصر، فإنه يجب التحلي بالصبر والاستعداد لمواجهة الحرب الدبلوماسية بنفس الشراسة التي واجهنا بها المحتل بالمقاومة المسلحة.

"
حضور مجلس الأمن إلى جيبوتى للاستماع إلى وجهة نظر التحالف من أجل إعادة التحرير يدل على الفشل التام للمشروع الإثيوبي الأميركي، وأن المجتمع الدولي يبحث عن مخرج سياسي للمأزق الذي وقع فيه الاحتلال الإثيوبي وحلفاؤه
"
ويدل حضور مجلس الأمن إلى جيبوتى للاستماع إلى وجهة نظر التحالف من أجل إعادة التحرير على الفشل التام للمشروع الإثيوبي الأميركي، وأن المجتمع الدولي يبحث عن مخرج سياسي للمأزق الذي وقع فيه الاحتلال الإثيوبي وحلفاؤه المحليون وأوصياؤهم الدوليون والإقليميون. وفي هذا الصدد أشير إلى الشهادات والبيانات التي تؤيد ما أقول.

- لقد جاء في تقرير منظمة العفو الدولية بتاريخ 6 مايو/أيار 2008 أن الاحتلال الإثيوبي سبب "في نزوح مليون صومالي داخل البلاد وتشريد مئات الآلاف من اللاجئين، وقتل ستة آلاف شخص، وتعرض المدنيين لصدمات الحرب والقصف والدمار وجرائم الحرب والانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان".

- تضمن تقرير مجموعة رصد حظر الأسلحة طبقا لقرار مجلس الأمن رقم 1766 لعام 2007 ما يلي: "لاحظت مجموعة الرصد خلال فترة التكليف من أكتوبر 2007 إلى أبريل 2008، استمرار التسلح وتصاعد الأعمال الحربية بين المجموعات المعارضة وقوات الحكومة الفدرالية المؤقتة. إن المجموعات المعارضة، ولاسيما الشباب، تمكنت من السيطرة على معظم القطر، وقيدت نطاق استخدام قوات الحكومة الفدرالية المؤقتة والقوات الإثيوبية التي تساندها. وإن القوتين الأخيرتين تتراجعان وتنهزمان. إن المجموعات المسلحة قد أنشأت قواعد في كل أنحاء الصومال، وتستخدم أماكن متفرقة لاستقبال شحنات من السلاح بانتظام، وإن تعاظم قوتها العسكرية وانتصاراتها قد ساهم في تفكيك قوات أمن الحكومة الفدرالية المؤقتة التي بدأ قادتها بتعزيزها بمليشياتهم الخاصة من داخل وخارج هيكل القطاع الأمني الحكومي".

- وفي تصريح رسمي أدلى به رئيس البرلمان آدم محمد نور (مودوبي) في جلسة برلمانية يوم 4 يونيو/حزيران 2008 بعد مشاورات مع الكولونيل عبد الله يوسف رئيس الحكومة المؤقتة ورئيس وزرائه حسين نور عدة قال "إن الحكومة لا تسيطر على الأمن، وإن الوضع الأمني يزداد تفاقما ويفلت من اليد يوما بعد آخر".

- أما تقرير مجموعة سياسة الأمن والتنمية (لندن مايو/أيار 2008) بعنوان "الفشل المزمن في الحرب ضد الإرهاب من أفغانستان إلى الصومال"، فقد استخلص ما يلي "إن الاعتماد المفرط على القوة الصلبة "التقليدية" كوسيلة فظة لاستئصال الإرهاب قد فشل في أفغانستان والعراق، وهو أيضا يفشل في الصومال. وإن ضرب أهداف إرهابية (عالية القيمة) في جنوب الصومال، تبين أن الولايات المتحدة عليها أن تذهب بعيدا قبل أن يختفي الافتنان بالعمليات العسكرية".

من هذه الشهادات والبيانات من المراجع والمصادر ذات الثقة وجهات الاختصاص يتبين بوضوح أن المشروع الأميركي الإثيوبي قد فشل فشلا ذريعا بشهادة شاهد من أهلها، وأنه لا يمكن إطلاقا كسر مقاومة الشعب الصومالي إلا بثمن باهظ ألا وهو إفناؤه عن آخره، لأن كل السياسة التي اتبعت لمدة 18 عاما لم تحقق شيئا رغم استغلالها لنقاط الضعف في المجتمع الصومالي بضربه من الداخل باستخدام أمراء الحرب لإدارة حرب أهلية لحساب إثيوبيا، ورغم تهجير ثلاثة ملايين صومالي إلى الشتات.

"
توجيه الدعوة للتحالف من أجل التفاوض ليس ناجما عن موقف قوة بقدر ما هو نابع من موقف ضعف أمام العجز والشلل الكامل من تحقيق أي هدف سياسي للاحتلال. وكان طبيعيا انتهاز الفرصة السانحة للخروج من نفق الحرب والبحث عن مخرج سلمى للنزاع
"
إذن  فاِن توجيه الدعوة للتحالف من أجل التفاوض ليس ناجما عن موقف قوة بقدر ما هو نابع من موقف ضعف أمام العجز والشلل الكامل من تحقيق أي هدف سياسي للاحتلال. وكان طبيعيا انتهاز الفرصة السانحة للخروج من نفق الحرب والبحث عن مخرج سلمى للنزاع.

وتتضمن الاتفاقية النص على مدة زمنية يتم خلالها انسحاب القوات الإثيوبية من الصومال، وهو الهدف الرئيسي للمقاومة الصومالية. وبذلك يكون التحالف قد أنجز نصرا كبيرا بكل معنى الكلمة.

وقد صدرت تنديدات صاخبة من بعض قيادات المقاومة تستنكر الاتفاقية وتعتبرها نكوصا عن أهداف النضال حتى التحرير، وفي تقديرى أن أي نضال يجب أن ينتهي إلى تسوية سياسية بالتفاوض، والضمان الوحيد لنجاح هذه التسوية هو وحدة القوى المشاركة في المقاومة في الرؤية والمصير، في الإستراتيجية والتكتيك، في النضال والتفاوض.

ورد الفعل السلبي الذي برز فجأة يعكس عدم القدرة على الاتصال والتشاور مع كل الذين يعنيهم الأمر بسبب الحرب والسرية وربما أيضا أن البلد المضيف للتحالف لا يوفر له حرية العمل السياسي، الأمر الذي أدى إلى مزيد من الحذر واليقظة لضمان استقلالية القرار السياسي الصومالي.

لذلك فاِننى أعتقد أنه من المصلحة إتاحة الفرصة لإنجاح هذه الاتفاقية بإجراء مناقشة عامة وشاملة وصريحة لكل الأطراف المشاركة في المقاومة المسلحة.

إن وحدة وتضامن كل القوى الوطنية بكل فصائلها المختلفة هي الضمان الوحيد للنجاح في العملية التفاوضية، وهى عملية طويلة ومرهقة، وتتجاوز مجرد انسحاب القوات الإثيوبية، وتسعى إلى إعادة بناء الدولة والمؤسسات والبنية التحتية للاقتصاد الوطني والمرافق العامة، ولن يتحقق ذلك إلا بوحدة المؤسسة السياسية التي تقود النضال الوطني.

ويجب أن يكون في الأذهان، أن العدو ليس مضمونا أنه سينفذ الاتفاقية بحسن نية، لاسيما وأن له حلفاء محليين من خلالهم يمرر ما يريد، وأنه سيحاول دائما تحقيق مآربه بضرب الجبهة الوطنية العريضة من خلال استغلال الخلافات والتناقضات الثانوية.

إن لكل حرب هدفا سياسيا، ولذلك فاِن المتحاربين لا بد في فترة ما عندما يتحقق التوازن في القوى -وقد تحقق ذلك باعتراف كل المطلعين والمختصين والدراسات التي صدرت والتي أشرنا إليها آنفا- أِن يكون الجلوس إلى مائدة المفاوضات أمرا طبيعيا.

ويجب فهم قواعد اللعب في العلاقات الدولية، والعمل طبقا لمقتضياتها والتحرك في إطار الشرعية الدولية التي توفرها في حالتنا الراهنة رعاية مجلس الأمن بانتقالها إلى جيبوتى لإيجاد حل للمشكلة الصومالية، وأي تصرفات غير محسوبة العواقب تفقدنا عطف وتضامن المجتمع الدولي الذي بدأ يتفهم قضيتنا في هذه الفترة الأخيرة، وقد كان عدم الفهم لطبيعة التعامل مع المجتمع الدولي هو الذي أدى إلى تسهيل استعداء إثيوبيا للعالم على الصومال خلال فترة سيطرة المحاكم على زمام الأمور في البلاد.

"
تقف إثيوبيا وحلفاؤها المحليون مسنودة من قبل قوى إقليمية ودولية وتمدها بالمال والعتاد وبالتغطية الدولية لمواصلة عدوانها، ومن جهة أخرى يقف الشعب الصومالي وحيدا في معركة الدفاع عن النفس ولم يجد نصيرا من أحد، حتى في المحافل الدولية
"
ويجب الاحتفاظ بسلاح المقاومة وعدم نزعه إلى حين الانسحاب الكامل للقوات الإثيوبية، وتكوين الجيش الوطني الصومالي.

كما أنه يجب أن تظل المناطق الخاضعة لسيطرة المقاومة تحت ولايتها إلى حين التسوية النهائية للقضايا الدستورية المتعلقة بمشكلة الحكم.

إن السياسة هي فن الممكن، بمعنى أنه يجوز قبول ما هو متاح في إطار توازن القوى وتوازن المصالح، وليس معنى ذلك أن الصراع انتهى، وإنما هو يستمر بوسائل أخرى.

وفي الحالة الصومالية الراهنة، إن الصراع متشابك الأطراف، فمن جهة تقف إثيوبيا وحلفاؤها المحليون مسنودة من قبل قوى إقليمية ودولية وتمدها بالمال والعتاد وبالتغطية الدولية لمواصلة عدوانها، ومن جهة أخرى يقف الشعب الصومالي وحيدا في معركة الدفاع عن النفس، وقدم تضحيات جسيمة، قلّ أن يكون لها نظير في العصر الحاضر، ولم يجد نصيرا من أحد، حتى في المحافل الدولية كالجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي المحسوبتين على الصومال وقفتا متفرجة أمام المحنة الصومالية، دون أن تدافع حتى عن قواعد القانون الدولي التي تحكم العلاقات بين الدول عندما انتهكت القوا ت الإثيوبية سيادة الصومال واستقلاله الوطني واحتلته.

لذلك، أمامنا مسؤولية إزاء شعبنا في أن نجنبه مزيدا من الدمار والخراب والموت والجوع، لاسيما وأن الاحتلال يعتمد على إهدار مقومات الحياة والقاعدة الاقتصادية للوجود والاِبادة الجماعية بالتجويع كسلاح فعال في حربه التوسعية، وهو سلاح معروف تمارسه الجيوش الغازية لفرض سيطرتها بقطع مصادر المياه والرزق والمعيشة لفرض الاستسلام والخنوع على الشعب المحتل، من هذا المنظور يجب أن تقرأ عمليات الانتقام المروعة التي تمارسها القوات الإثيوبية.

ثم إنه ليس معنى ذلك أن إثيوبيا -أو أوصياءها أو حلفاءها- ستتخلى عن إستراتيجياتها وأهدافها وسياساتها، بل ستحاول أن تمارس نفس السياسة بوسائل جديدة، كما كانت تفعل طيلة الأعوام الثمانية عشر الماضية، إذ سعت إلى تدمير الدولة الصومالية بوسائل سياسية محضة بتحريك حلفائها المحليين بأجندات قبلية، ثم توجههم بالريموت كونترول في مسلسل الصراعات حول أهداف وهمية لا تخدم إلا مصالح إثيوبيا التي تبلورت بمؤتمر مباجاتا بكينيا، ونجحت في تنصيب حلفائها قادة في مسرحية مضحكة اختارتهم للقيام باستضافتها لاحتلال الصومال.

إذن، علينا أن نفترض أن الطرف الآخر يملك كل النوايا السيئة، وسيحاول أن ينفذ بالسياسة والإغراء والمال واستغلال التناقضات الداخلية ما فشل في تحقيقه بالحرب.

ومن ناحية أخرى فاِن هذه الاتفاقية فرصة لتحقيق أهدافنا بالوسائل السياسية طالما كان ذلك ممكنا، لا لفرض الانسحاب الإثيوبي فحسب، بل لإعادة تعمير ما دمرته الحرب وبناء الدولة والمؤسسات.

بهذه الاتفاقية يدخل التحالف مرحلة جديدة من النضال، ربما أكثر تعقيدا من المرحلة السابقة، فهي تتطلب مهارات أكبر ونفسا أطول وصراعا دبلوماسيا في جبهات متعددة وكسب مواقع بالتدريج وبالنقط.

"
ما لم تكن أمامنا خطة إستراتيجية مفصلة عن المشروع الوطني الذي نريد أن نبنيه، وبدون الكوادر المؤهلة والمثقفة التي تتولى تنفيذها، لن ننجح في تحقيق تطلعاتنا, وما حققناه بالسلاح قد نخسره في مجال الصراع السلمي
"
ومن الآن فصاعدا يأتي الدور في إعداد التحالف لتولي مهام المرحلة الجديدة من النضال بتهيئة المؤسسات والأطر لتحمل الأعباء الجديدة بتأهيله بالهياكل التنظيمية والكوادر اللازمة لإدارتها والتخطيط لتولي مسؤوليات الحكم وحل المشاكل المترتبة على الاحتلال ومنها المعاناة الإنسانية وطرح المخططات الدستورية والقانونية لدحض المخططات الإثيوبية المتجسدة في الوثائق الصادرة عن مؤتمر مباجاتا.

وما لم تكن أمامنا خطة إستراتيجية مفصلة عن المشروع الوطني الذي نريد أن نبنيه، وبدون الكوادر المؤهلة والمثقفة التي تتولى تنفيذها، لن ننجح في تحقيق تطلعاتنا. يجب أن يكون تصورنا للمستقبل الذي نريد أن نحققه واضحا لكل الفئات المنخرطة في النضال التحريري، بل للشعب الصومالي برمته.

إن السلطة لا تتحقق بالسلاح فحسب، بل بالعلم والمعرفة والتنظيم العصري واستئصال الأساطير الموروثة عن المجتمع البدوي التي ترتكز على الولاء للقبيلة على حساب الولاء للوطن والدولة التي تنخر كالسوس في جسد الأمة.

وما حققناه بالسلاح قد نخسره في مجال الصراع السلمي، إذا لم نرتفع إلى مستوى الأحداث، وإذا لم نفهم العالم الذي نعيش فيه ولم نستطع أن نتفاعل معه وننتزع حقنا في الكرامة الوطنية التي تتجسد فقط في السيادة والدولة الصومالية الموحدة.
ــــــــــــ
كاتب صومالي

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك