بدر حسن شافعي

- أزمة قديمة جديدة
- أسباب الأزمة
- تداعيات الأزمة

"أمة واحدة وثقافات متعددة" شعار رفعه المناضل نيلسون مانديلا منذ وصوله حكم البلاد لأول مرة عام 1994، بصفته أول أسود ينتخب رئيسا لجنوب أفريقيا بعد فترة من الحكم العنصري استمرت أكثر من ثلاثة قرون.

أزمة قديمة جديدة
وقد تطلب منه منصبه الجديد تحقيق التعايش السلمي بين المجموعات الثلاث الموجودة في البلاد، وهي -وفقا لإحصاءات 2001- السود الأفارقة ويشكلون 79% من السكان، والبيض الأفريكانرز -نسبة إلى اللغة الهولندية الممزوجة ببعض المصطلحات الألمانية والفرنسية- 9.6% والهنود والآسيويون 2.5%، والملونون 8.9%.

والملون هو الذي لا ينتمي إلى أي من المجموعات الثلاث الموجودة في البلاد وهي البيض والسود والهنود، وهو وفق قانون تسجيل السكان المعدل لعام 1967 الشخص المولود لأبوين ملونين، أو لأب أبيض وآخر ملون أو بانتوي نسبة إلى المعازل التي كانت تعرف باسم البانتوستانات.

"
بعدما كان العنف العنصري في السابق موجها من البيض إلى السود والعكس، صار الآن موجها من السود المهمشين "في اتجاه معاكس" إلى الأفارقة الوافدين من بلدان عديدة خاصة دول الجوار
"
هذا الحلم اصطدم بأرض الواقع في السنوات الخمس التي قضاها مانديلا في الحكم، ثم بدأ في التآكل السريع في عهد خلفه الرئيس الحالي ثابو مبيكي.

فثقافة التسامح بين عناصر الشعب المختلفة أي بين السود والبيض لم تكن قائمة إلى حد كبير، خاصة أن نمط الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية تحديدا كان يتطلب منح الأغلبية السوداء "المحرومة" المزيد من الامتيازات، وهي امتيازات بالطبع ستكّون خصما من الأقلية البيضاء الحاكمة سابقا.

ولقد دفع ذلك إلى حدوث مصادمات بين الجانبين، خاصة مع تشكيل البيض لعصابات مسلحة أطلق عليها اسم "حركة المقاومة الأفريكانية" للحيلولة دون اقتراب السود من هذه الأراضي.

وترتب على ذلك ازدياد معدلات الجريمة بشكل غير مسبوق، وفي كلا الاتجاهين، أي البيض ضد السود والعكس وهو ما كشف عنه تقرير لجنة الحقيقة والمصارحة عام 1998.

ولجنة الحقيقة والمصارحة لجنة محايدة شكلها مانديلا في حينها لمعرفة الطرف المتسبب في تردي الأوضاع الأمنية تحديدا، خاصة بعدما وصلت أحداث العنف إلى نسبة غير مسبوقة تمثلت في وقوع 65 قتيلا يوميا، وهي نسبة تفوق مثيلاتها في الولايات المتحدة.

ولقد كان أحد أسباب انتشار هذا العنف انتشار عصابات الجريمة المنظمة التي دخلت البلاد بعد رفع العزلة عنها، وجاء أفرادها من بلدان مثل الصين وروسيا وكولومبيا ونيجيريا للعمل في مجال تهريب الماس والسلاح والمخدرات.

لعل هذه المقدمة هامة ولازمة لإثبات أن جنوب أفريقيا تعاني من أزمة اندماج وطني على الصعيد الاجتماعي والثقافي تحديدا، فضلا عن الصعيد الاقتصادي، وإن كانت الصورة على الصعيد السياسي أقل، خاصة بعد تحالف كل من الخصمين اللدودين، حزب المؤتمر الوطني الأسود والحزب الوطني الجديد الأبيض في الانتخابات الأخيرة عام 2004، مقابل تحالف حزب الحرية أنكاتا الأسود مع حزب التحالف الديمقراطي الأبيض.

ومن هنا فإن الأزمة الأخيرة لم تحمل جديدا في مضمونها، وإنما حملت جديدا في شكلها، أو بمعنى آخر في المجني عليه هذه المرة.

بعدما كان العنف العنصري في السابق موجها من البيض إلى السود، والعكس، صار الآن موجها من السود المهمشين "في اتجاه معاكس" إلى الأفارقة الوافدين من بلدان عديدة خاصة دول الجوار مثل زيمبابوي وموزمبيق ودول منطقة الجنوب والوسط الأفريقي أنغولا ومالاوي، الذين يقدر عددهم بحوالي خمسة ملايين نسمة، أي حوالي 10% من إجمالي السكان.

وبالرغم من أن هؤلاء الأفارقة ليسوا بالأساس هم السبب في تردي أحوال المواطنين السود الوطنيين، فإنهم كانوا بمثابة كبش الفداء، خاصة أنهم الطرف الأضعف في المعادلة مقارنة بالطرف الأبيض الذي لا يزال يستحوذ على أراضي هؤلاء، ولم تفلح الحكومة في انتزاعها منه، أو حتى دفع تعويضات لهؤلاء المحرومين.

"
سعي حكومة جنوب أفريقيا لتسوية الأزمة في زيمبابوي قد يساهم في تخفيف حدة الأزمة لديها
"
أسباب الأزمة
يمكن القول بأن هناك أسبابا عديدة للأزمة الأخيرة التي بدأت من ضواحي جوهانسبرغ المدينة المعروفة بأن نسبة الجريمة فيها من أعلى النسب في العالم، ثم امتدت إلى كوازولو ناتال حيث يتركز السود التابعون لحركة أنكاتا وكذلك الهنود، ثم وصلت إلى ولاية الكيب التي تعد أهم مركز سياحي وثاني أكبر مدن البلاد.

هذه الأسباب بعضها يتعلق بالوضع العام السيئ للسود في البلاد، وبعضها يتعلق بوضع هؤلاء الأفارقة الأجانب، وثالثها يتعلق بأداء النظام السياسي.

ويمكن عرض هذه الأسباب على النحو التالي:
1- تزايد أعداد الفقراء في البلاد، إذ تتجاوز نسبة من هم تحت خط الفقر 50% من السكان وفق تقديرات عام 2000، فضلا عن وجود تفاوت كبير في الدخل بين الطبقات المختلفة، مما تسبب من قبل ولا يزال في حدوث توترات داخلية، قد تؤثر بالسلب على الصعيد الداخلي.

ويتجلى التفاوت في أن أفقر 10% من المواطنين لا يحصلون إلا على 1.4% من الدخل القومي الإجمالي، في حين أن أغنى 10% من السكان يحصلون على 44.7% من الدخل وفق تقديرات عام 2000.

ولعل هذا يفسر لنا أسباب وجود بعض الاضطرابات الداخلية من قبل السود خاصة، وتلك بدورها تفسر زيادة النفقات على الأمن الداخلي التي تصل إلى 11.7% من إجمالي النفقات العامة، متجاوزة الإنفاق على الدفاع والأمن الخارجي التي تبلغ 7.7% فقط.

2- زيادة نسبة البطالة بين العمالة السوداء، وهي تصل إلى 42%، وتزداد سنويا بسبب التحاق أبناء الأفارقة السود بالجامعات وتخرجهم منها، دون أن يتم استيعابهم في سوق العمل أسوة بالأقلية البيضاء المهيمنة.

إضافة إلى ذلك أدى اعتماد نمط الإنتاج الرأسمالي في العملية الإنتاجية إلى تقليل الاعتماد على الأيدي العاملة بصفة عامة، والسوداء بصفة خاصة.

3- فشل الحكومة -وفق ما جاء في تقرير أخير لمركز التنمية والاستثمار الجنوب أفريقي بشأن إصلاح الأراضي- في تعويض السود عن الأراضي التي انتزعت منهم، وكذلك في استصلاح هذه الأراضي، ترتب عليه نزوح ساكني المناطق الريفية صوب المدن، ومن ثم حدوث توترات وأعمال عنف.

4- فشل سياسات الحكومة في منع الجريمة، يضع المسؤولية على القيادة السياسية، ثم السياسات المتبعة، ثم عملية تنفيذ هذه السياسات.

ولقد أدى ضعف سيطرة قوات الشرطة في المناطق الريفية وعدم قدرتها على أن تحل محل قيادات النظام السابق بصفة عامة، إلى استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني في هذه المناطق. ولعل هذا ما دفع الحكومة إلى الاستعانة بوحدات من الجيش لتسوية الأزمة.

5- الأزمة في زيمبابوي المجاورة، وفرار الآلاف من اللاجئين إلى البلاد، ومعظم هؤلاء أكثر تأهيلا من الناحية الفنية، فضلا عن استعدادهم للعمل بأجور أقل، ساهم في تضييق فرص العمل في وجه العمالة الوطنية.

كما أدى تزايد أسعار السلع الغذائية، فضلا عن أسعار النقل والمواصلات إلى تفاقم الأزمة، ويبدو أن الحكومة فطنت لذلك مؤخرا، ومن ثم فإن سعيها لتسوية الأزمة في زيمبابوي قد يساهم في تخفيف حدة الأزمة لديها.

6- بعض الممارسات الخاطئة التي قام بها هؤلاء الأفارقة الأجانب مثل ارتكاب جرائم العنف والاتجار في المخدرات ساهم في نشوب الأزمة.

لكن أيا ما يكن الأمر، فواضح أن هؤلاء الأجانب كانوا ضحية ممارسات النظام الخاطئة من ناحية، والاضطهاد الاجتماعي والاقتصادي الذي يعاني منه السود من ناحية ثانية.

"
رغم أن الأزمة تم احتواؤها في أقل من عشرين يوما، فإن هناك مجموعة من التداعيات السلبية التي يمكن أن تؤثر على استقرار النظام الداخلي من ناحية، وعلى المكانة الإقليمية والدولية لجنوب أفريقيا من ناحية ثانية
"
تداعيات الأزمة
بالرغم من أن الأزمة تم احتواؤها إلى حد كبير في أقل من عشرين يوما، فإن هناك مجموعة من التداعيات السلبية التي يمكن أن تؤثر على استقرار النظام الداخلي من ناحية، وعلى المكانة الإقليمية لجنوب أفريقيا من ناحية ثانية، وكذلك على مكانتها الدولية.

فبالنسبة للتداعيات الداخلية يلاحظ أن جذور الأزمة لا تزال قائمة، خاصة بعدما أعلن نظام مبيكي عن عدم وجود نية لديه لترحيل هؤلاء الأجانب الأفارقة إلى بلادهم، فضلا عن تأكيد العديد من هؤلاء الأجانب أنهم حال رجوعهم إلى المناطق التي كانوا يقطنون فيها في جنوب أفريقيا سوف يسعون للأخذ بالثأر أو الانتقام.

فإذا أضفنا إلى ذلك أن تحسين مستوى معيشة السود الوطنيين سيستغرق وقتا طويلا، ربما يتجاوز حكومة مبيكي الحالية التي تنتهي ولايتها في أبريل/نيسان القادم، يتضح لنا إذن أن البلاد تركن إلى برميل من البارود قابل للانفجار مجددا، وذلك ما أكده وزير الاستخبارات روني كاسريلز بقوله "إن عودة الهدوء لا تعني عدم وقوع أعمال عنف عفوية أو جرائم".

أما على الصعيد الإقليمي فلا شك أن مكانة جنوب أفريقيا، كأحد أقوى الأطراف الفاعلة على الصعيدين الإقليمي أو القاري، سوف تتراجع إلى حد كبير خاصة فيما يتعلق بدورها في التسوية السلمية للصراعات من خلال جهود الوساطة.

فجنوب أفريقيا كانت تحاول تقديم نفسها نموذجا يحتذى به فيما يتعلق بعملية الاندماج الوطني والتداول السلمي للسلطة، وهي المشكلة التي تعاني منها معظم الدول الأفريقية جنوب الصحراء، ولعل هذا يفسر أسباب تدخلها في عملية الوساطة في الكثير من الأزمات، كما حدث في أزمتي كينيا وزيمبابوي، ومن قبلهما الأزمة السودانية.

ومن ناحية ثانية فإن هذه الأزمة في حال تكرارها قد تؤدي إلى تدهور علاقات جنوب أفريقيا مع الدول التي ينتمي إليها هؤلاء الأجانب، وإن كان هناك مؤشر إيجابي يتمثل في سعي الرئيس مبيكي إلى تسوية الصراع في زيمبابوي بشتى الطرق، بعدما ظل لفترة طويلة ينظر إليه على أنه صراع داخلي لا ينبغي التدخل الدولي لتسويته، وهو ما أثار في حينها حنق السود الوطنيين في بلاده بسبب التداعيات السلبية لهذا الصراع عليهم.

أما على الصعيد القاري، فقد تؤدي هذه الأزمة إلى إمكانية انكفاء نظام مبيكي على شؤونه الداخلية من أجل تحسين هذه الأوضاع المتردية من ناحية، ومن ثم تراجع دور بلاده القاري خاصة في مؤسسات الاتحاد الأفريقي أو مبادرة نيباد، علاوة على إمكانية تراجع التأييد الأفريقي لها في المحافل الدولية، خاصة في ظل إمكانية طرح حصولها على مقعد دائم في مجلس الأمن عن أفريقيا حال إصلاح الأمم المتحدة.

أما على الصعيد الدولي فلا شك أن ما حدث يعد إنقاصا من مكانة جنوب أفريقيا الدولية، تلك المكانة التي رشحتها دون سائر دول القارة للفوز بتنظيم مونديال كأس العالم لكرة القدم عام 2010، وكان أحد معايير الموافقة حالة الاستقرار الأمني التي تنعم بها.

ومن ثم فإن السؤال الذي فجرته الأزمة الأخيرة هو هل يمكن أن تحرم الفيفا جنوب أفريقيا من استضافة المونديال القادم بسبب أعمال العنف؟
__________________
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة

التعليقات