صالح السنوسي

صالح السنوسي

أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بنغازي

لا شك أنه في حالة انتخاب باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة الأميركية، فإن ذلك سيكون سابقة تاريخية ليس في التاريخ الأميركي بل في تاريخ العالم، لأنها ستكون المرة الأولى التي يترأس فيها رجل أسود أقوى مجتمع للرجال البيض على الأرض.

وهذا ما يميزه عن أية حالة أخرى وقعت هنا أوهناك على غرار حالة نيلسون مانديلا، لأن هذا الأخير حكم بلدا أفريقيا يتكون من غالبية ساحقة من السود وأقلية بيضاء، هذا إلى جانب أن جنوب أفريقيا ليست أقوى إمبراطورية كونية عرفها التاريخ.

"
معظم التداعيات الإيجابية في حالة فوز أوباما ستصب في قناة القيم والمبادئ التي تتبناها الولايات المتحدة حججا ظاهرية لتبرير ما تنتهجه من سياسات بصفتها إمبراطورية كونية تطمح إلى السيطرة الكلية على شعوب الأرض
"
إن معظم التداعيات الايجابية لهذه السابقة في حالة وقوعها ستصب في قناة القيم والمبادئ التي تتبناها الولايات المتحدة حججا ظاهرية لتبرير ما تنتهجه من سياسات بصفتها إمبراطورية كونية تطمح إلى السيطرة الكلية على شعوب الأرض.

من المعروف أن هذه المبادئ -الحجج- تضررت وأصابها العطب وفقدت مصداقيتها في نظر أقرب حلفاء الولايات المتحدة في عهد الرئيس الجمهوري جورج بوش الابن أكثر من تضررها في عهد أي رئيس سابق ومع ذلك فإن الرئيس بوش لم يختلف عمن سبقه من الرؤساء الأميركيين في النظرة إلى ما يعرف بثوابت الإستراتيجية الأميركية.

فلم يكن اللوم الموجه إليه من داخل الولايات المتحدة بسبب محاولته الدفاع عن هذه الثوابت، بل بسبب الطريقة والوسائل التي لم يكن مضطرا لاستخدامها، والتي أنتجت كثيرا من الضرر يفوق حتى الآن ما حققته من نجاح.

من هنا فإن وصول أوباما -في حالة تحققه- إلى البيت الأبيض لن يغير مما يعرف بثوابت هذه الإستراتيجية في مواجهة العالم، وخصوصا الشرق الأوسط. لأن هذه الثوابت ترتبط أساسا بحسابات القدرة على إنجاز فعلي في البيئة الدولية يستطيع أن يغير ويبقي الأوضاع على الحالة التي يراها الفاعل تخدم مصلحته.

ولذا فإن تغيير ما يسمى بهذه الثوابت وتعديلها لا يتوقف على وصول رئيس أسود أو أبيض إلى البيت الأبيض، بل يتوقف على ردة أفعال الأطراف المستهدفة.

في حالة وصول السيناتور أوباما إلى البيت الأبيض عليه أن يدرك جملة من الحقائق بالمفهوم الأميركي، وهو قطعا يدركها منذ الآن، فمهما بلغت حكمته وعقلانية نظرته إلى أمور العالم، فإنه ينبغي عليه أن يسلم بهذه الحقائق ويتعامل معها، بل إن الحكمة والعقلانية عينها في المنظور الأميركي تقتضي ضرورة التسليم بها والتصرف على ضوئها.

لعل إحدى هذه الحقائق ما يتعلق بقرار الذهاب إلى الحرب في السياسة الأميركية، فمن المعروف أن الولايات المتحدة قد اشتطت كثيرا في ارتداء خوذة الحرب في عهد الرئيس بوش الابن، ولذا فإن العالم يأمل وينتظر أن تكون الولايات المتحدة في ظل إدارة "الرئيس" أوباما الديمقراطي أقل نزوعا إلى الحرب وأقل ميلا إلى استخدام القوة في حل ما تعتبره مشاكلها مع العالم.

ولكن الميل إلى استخدام القوة واختيار الحرب وسيلة من وسائل السياسة الأميركية لا يرتبط بشخصية الرئيس أو الحزب بل يرتبط بجملة من الاعتبارات والحقائق التي من أهمها:

"
التنشئة الثقافية الأميركية ليست معادية للحرب، فهي تقوم على تمجيد العنف والبطولات التي يصنعها رجال بيض خارقو القوة والذكاء ضد أجناس من الهمج والأشرار الذين لا فكاك منهم إلا بقتلهم
"
1-أن التنشئة الثقافية الأميركية ليست معادية للحرب، فهي تقوم على تمجيد العنف والبطولات التي يصنعها رجال بيض خارقو القوة والذكاء ضد أجناس من الهمج والأشرار الذين لا فكاك منهم إلا بقتلهم سواء أكانوا من الهنود الحمر في القرن الخامس عشر أو من الفيتناميين في القرن العشرين أو من المقاومة العراقية أو من طالبان في الألفية الثالثة.

2-الشعب الأميركي على عكس شعوب أوروبا لم يسبق له أن عاش حقيقة الحرب في مدنه وسهوله وقراه، فالحرب بالنسبة للأميركي لا تعني إمكانية أن تسقط العمارة التي يسكنها على أسرته وجيرانه، أو أن المدينة المتلألئة والمليئة بالأعاجيب يمكن أن تتحول في أيام إلى أنقاض ترتادها القطط والكلاب وعصابات السرقة على غرار تلك المدن التي يشاهدها في الصور بعد أن دكتها تكنولوجيا الحرب الأميركية، ولذا فإن إدراك الأميركي بشكل عام للحرب مستمد من ثقافة الصور وليس من تجربة المعايشة.

هذا يعنى بالنسبة إليه أن الحرب السيئة والخاسرة هي تلك التي يموت فيها نسبة عالية من الجنود المقاتلين، وتهدر فيها كثير من الأموال وهذا لا شك يجعل الناس يدركون مساوئ الحرب ويزيد من حدة إدراكهم لها، ولكنها مع ذلك تختلف في مفهوم سيكولوجيا الحرب لدى الأفراد عن معنى الحرب عندما تصل إلى الحجرة التي ينامون فيها أو الشارع الذي يسيرون فيه.

3-مفهوم المصلحة الوطنية الأميركية يجعل الغالبية الساحقة من الشعب الأميركي يقبل بفكرة الحرب دفاعا عنها، فالمصالح الأميركية الوطنية في المفهوم الأميركي هي كونية ولا تتوقف عند حدودها مع المكسيك أو كندا، بل إن حفنة من الأشخاص مشتبه بأنهم من المقاومة العراقية أو من القاعدة في مقديشو أو في وادي سوات، يعتبرون في مفهوم المصلحة الوطنية والأمن الأميركي خطرا داهما يجعل الغالبية العظمى من الأميركيين يقبلون أو لا يعارضون فكرة الذهاب للبحث عن هؤلاء وقتلهم.

لم يسبق أن حصل خلاف كبير بين الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي في بداية أي حرب شنتها الولايات المتحدة في الماضي، وإنما ذلك يحصل فقط عندما تتغير المعطيات على الأرض وهذا عين ما جرى بين الحزبين حول حرب العراق.

فالخلاف ليس حول الأجندة التي من أجلها شنت الحرب بل حول أضمن الوسائل لتحقيقها، فمعظم القيادات الديمقراطية التي تقود الحملة ضد العراق صوتوا يومها دون تردد لصالح قرار الحرب، التي كانت منذ البداية تعد خروجا عن الشرعية الدولية واحتقارا للمجتمع الدولي.

كما أن هذه الحرب بدأت تفقد شعبيتها لدى الناخبين الأميركيين فقط عندما بدأت ترتفع تكلفتها المادية والبشرية، وليس بسبب قناعة هؤلاء بأنها حرب ظالمة تشنها بلادهم ضد شعب لم يبدر منه تجاههم أي أذى.

"
في حال وصول أوباما إلى سدة الرئاسة الأميركية قد يصبح هو الرئيس الذي يقود الحرب على إيران وسوريا وحماس وكل من على شاكلتهم، ما لم يحصل تصلب وتشدد في أوضاع ومواقف أقطاب المعادلة الدولية الآخرين
"
4-منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لم تخلع الولايات المتحدة خوذة الحرب، فلم يدخل رئيس أميركي إلى البيت الأبيض منذ ذلك الحين وحتى الآن، إلا وكانت له حربه أو غزوته التي قد تطول لسنوات أو لبضعة أيام، وبالتالي فقد غدت الحرب في ذهنية المواطن الأميركي عموما ليست ذلك الموضوع الخطير أو الشاذ أو غير الأخلاقي، بل تكاد تكون موضوعا روتينيا وإحدى الصفات الملاصقة لعظمة بلاده وحضورها الطاغي على المسرح الدولي.

لاشك أنه لكل رئيس لمسته الشخصية على السياسة الخارجية الأميركية، ولكن ذلك يتم في حدود ما يعرف بمبادئ وثوابت الإستراتيجية الأميركية من ناحية، وعدم تجاهل الثقافة الأميركية الراسخة تجاه مفهوم القوة والحرب.

ولذا فإنه في حال وصول السيناتور أوباما إلى سدة الرئاسة الأميركية قد يصبح هو الرئيس الذي يقود -في ظل ظروف أفضل من ظروف الرئيس بوش- الحرب ضد إيران وسوريا وحماس وكل من على شاكلتهم، ما لم يحصل تصلب وتشدد في أوضاع ومواقف أقطاب المعادلة الدولية الآخرين، من أمثال روسيا والصين والاتحاد الأوروبي من ناحية، وردة فعل الأطراف المستهدفة من ناحية أخرى، بحيث تجعل من هذه الحرب في حالة قيامها مغامرة سيئة وتكاليفها مخيفة.

أما في حالة غياب هذه المعطيات فإن أي رئيس أميركي جديد لا محالة قادم بسيفه ودرعه إلى الشرق الأوسط بصرف النظر عن لون بشرته.

المصدر : الجزيرة

التعليقات