عبد الستار قاسم

نظام الحكم أولا
التجنيد في المخابرات
شغل المناصب الأساسية في الجامعة
خيارات الأكاديميين
العبرة

تظهر علامات الحيرة على جمهور غفير من العرب كلما أعلنت جهة مختصة أسماء أفضل جامعات في العالم لأن القائمة لا تشمل أي اسم لجامعة عربية. قائمة المائة تخلو من اسم عربي، وكذلك قائمة الخمسمائة وقائمة الألف.

يتساءل الناس بشأن سبب ظهور أسماء خمس جامعات صهيونية في القائمة، ولا يظهر أي اسم عربي، وهم يقولون إن إسرائيل تصنع لنفسها حياة حيوية علمية تجعلها قادرة على الاستمرار والتقدم، أما نحن العرب فلا نهتم بالعلم ولا يوجد لدينا علماء.

ولا شك بأن كثيرين يقولون إن إسرائيل تهزم العرب لأنها متقدمة علميا، وجامعاتها تخرج العلماء.

الجامعات العربية وراء العالم من الناحية العلمية، وأرى أحيانا كأستاذ جامعي أن جامعاتنا عبارة عن مجرد هياكل تمنح الشهادات الجامعية وتصرف رواتب الموظفين وتنتج قليلا من العلم.

تجربتي طويلة مع الجامعات العربية، وأجزم بأن حيويتي العلمية وعطائي عندما كنت طالبا في الجامعات الأميركية كانا على مستوى أرقى مما خبرته في عملي في الجامعات العربية.

كنت في الزمن القديم أشعر بحدة المنافسة، وكنت أعي تماما أن لا مكان لمن لا يحتل مكانا متقدما في المنافسة العلمية، أما عهدي في الجامعات العربية فإنها تحارب الإبداع ولا تختزن تقديرا للمبدعين.

صحيح أن الجامعات العربية تقيم حفلات التكريم والتقدير، لكنها في الغالب لا تحترم المؤهلات والقدرات بقدر ما تحترم الأبعاد الشخصية والسياسية والقبلية.

في هذا المقال سأشرح أحد أهم الأسباب، إن لم يكن هو الأهم، في تخلف الجامعات العربية عن جامعات العالم، وفي عجزها عن المساهمة في صناعة الحضارة الإنسانية، وعن وضع الأمة العربية على سلم الصعود.

هذا السبب هو تدخل الأجهزة الأمنية العربية وبالأخص المخابرات في الجامعات وتسييرها بالطريقة التي تخدم نظام الحكم وليس الدولة أو الشعب أو الأمة.

المخابرات موجودة في كل زاوية وركن وغرفة درس ومكتب إداري في الجامعة، وفي الساحات والمقاصف وعلى البوابات ووسائل المواصلات التي تنقل الطلاب والعاملين، وحيثما أدرت وجهك في الجامعة هناك من يكتب فيك التقارير للمخابرات.

نظام الحكم أولا

"
ما زالت الحركات الطلابية في العديد من الدول تلعب دورا رياديا في إحداث التغيير على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية, وهذا ما لا تريده الأنظمة العربية، وهي توظف أجهزة مخابراتها للإبقاء على الوضع القائم وقمع كل محاولة للتغيير
"
من المعروف أن الجامعات عبارة عن مراكز نشاط واستشعار لحال الأمة، وهي تضم بين أسوارها شبابا وشابات في مقتبل العمر ويحملون في داخلهم آمالا وتطلعات نحو غد مشرق يساهمون في بنائه.

وقد كان للحركات الطلابية أو الطالبية الأثر الكبير في إسقاط حكومات وتغيير سياسات وتصحيح معطيات اجتماعية واقتصادية عادت بالنفع على المواطنين.

وما زالت الحركات الطلابية في العديد من الدول تلعب دورا رياديا في إحداث التغيير على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. هذا بالضبط ما لا تريده الأنظمة العربية، وهي توظف أجهزة مخابراتها للإبقاء على الوضع القائم وقمع كل محاولة للتغيير.

بالنسبة للأنظمة السياسية التقليدية التي تعتمد توريث الحكم أو تلك الاستبدادية التي تنفي الشعب وحقه في المشاركة، طلبة الجامعات يشكلون خطرا كبيرا على الاستقرار ولا بد من تخويفهم وتدجينهم وإلهائهم ليغيّبوا وعيهم بدورهم الطليعي ويكتفوا بالبحث عن شهادة جامعية ضمن أجواء جامعية تغيب عنها الجدية في النواحي الأكاديمية والعلمية والاجتماعية والثقافية والفكرية.

من المفضل -بالنسبة للأنظمة- أن يشعر الطالب بخاصة إذا كان في الكليات الاجتماعية والإنسانية، بأنه في الجامعة ليتسلى ويمضي أربع سنوات من عمره في النغنغة وغياب المسؤولية والرومانسية الجامعية الحقيقية منها والوهمية.

ينطبق هذا على أعضاء الهيئة التدريسية بالتحديد لأنهم هم الذين ينقلون المعرفة للطلاب، وهم الذين من المفروض أن يستنهضوا فيهم الوعي والحس بالمسؤولية.

هؤلاء يشكلون خطرا إذا تركوا يدرسون ما تعلموه في الدول الأجنبية بخاصة الغربية، ولا بد من إفهامهم أن الوضع عند العرب مختلف عنه في الغرب، وعليهم أن يراعوا البيئة العربية جيدا.

الموعظة الحسنة والكلمة الطيبة ليستا الوسيلتين الصالحتين لحرف الطلبة عن تطلعاتهم وطموحاتهم، ولا لجم أعضاء هيئة التدريس، وإنما أجهزة المخابرات التي تحمل العصا الغليظة، وتعمل دائما على إبقاء الوعي بالأذى الذي يمكن أن تلحقه بالناس حيا وقويا ويشغل القلوب والأبدان.

إنها تؤكد دائما وجودها، وتحذر من سطوتها، وتذكر بأن نظام الحكم لا يُمس لا بصورة مباشرة ولا غير مباشرة، وكل من يشذ إنما يبحث لنفسه عن المتاعب.

التجنيد في المخابرات
لتحقيق الهدف تقوم أجهزة المخابرات بتجنيد الطلاب والطالبات مقابل بعض الفوائد المادية. يقوم جهاز المخابرات بداية بتثقيف الطلاب حول قدسية مهماتهم لأنهم يدافعون عن وطنهم وبلادهم ويسهرون على الإنجازات العظيمة التي يتم تحقيقها تباعا وبفضل حكمة الحاكم وعبقريته ورباطة جأشه وشجاعته المنقطعة النظير.

ثم يقدم إغراءات مادية مثل تخصيص راتب شهري للطالب أو الطالبة، أو دفع الأقساط الجامعية، أو دفع بعض المال مقابل كل تقرير يتم تقديمه. ويبدو أن ميزانيات أجهزة المخابرات ضخمة جدا بحيث أنه يمكن تجنيد أعداد كبيرة من الطلبة.

عملت في الجامعة الأردنية وكان واضحا أن أعدادا كبيرة من الطلبة تعمل لصالح المخابرات، ومنهم من لم يكن يخفي ذلك. في صباح أحد الأيام سألني عميد كلية الاقتصاد في الجامعة عن المكان الذي ذهبت إليه التقارير حول محاضرتي في اليوم الذي سبق، فقلت له إلى المخابرات. فقال: لا، هذه المرة ذهبت على الديوان الملكي مباشرة.

"
أعمل الآن في جامعة النجاح الوطنية بنابلس، وواضح أن أجهزة الأمن الفلسطينية قد غزتها تماما إلى درجة أنك تشعر أنك في معسكر أمني. المخبرون موجودون في كل مكان يكتبون عن كل خطوة تخطوها، وكل كلمة تقولها
"
وأنا أعمل الآن في جامعة النجاح الوطنية بنابلس، وواضح أن أجهزة الأمن الفلسطينية قد غزتها تماما إلى درجة أنك تشعر أنك في معسكر أمني.

المخبرون والجواسيس موجودون في المحاضرة وأمام المكتب وفي الممرات، وهم يكتبون حول كل خطوة تخطوها، وكل كلمة تقولها.

الجامعات العربية الأخرى في المغرب والسودان والسعودية واليمن والإمارات وسوريا والكويت وتونس والجزائر وليبيا.. الخ لا تختلف، وليس بإمكان دولة عربية غير لبنان أن تجادل في هذا الأمر.

يمتد تجنيد العملاء والجواسيس ليشمل أعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية. أعضاء الهيئة الإدارية في الغالب عبارة عن مؤيدي النظام السياسي، وهم يتم تعيينهم في الغالب انتقائيا وبالوساطة.

حيثما ذهبت في الوطن العربي تجد أعضاء الهيئة الإدارية من الموالين للنظام، أو من الصامتين جدا جدا ويخشون أن يقولوا إنهم يخشون الكلام. أما أعضاء الهيئة التدريسية فتجري مقابلات مع أغلبهم من قبل رجال مخابرات، ولا يتم توظيفهم في الجامعة إلا بعد تدقيق وتفصّ وتحرّ.

وتتم مقاربة بعضهم للعمل في جهاز المخابرات، والعديد منهم يقبلون ذلك. ما المانع إذا كانت البلاد مليئة بالجواسيس وكتبة التقارير، وإذا كان العمل سيأتي بدخل إضافي؟

عرض علي رجل المخابرات الأردني عندما تم توظيفي في الجامعة الأردنية القيام بدراسة ملفات لديه لكي أقدم أبحاثا حولها. هذا كان عرضا مؤدبا للعمل كجاسوس لديه.

أما المخابرات الفلسطينية فاتصل بي أحد رجالها قائلا: "سمعت أنك قدمت طلبا لنا للعمل في جهازنا." من خلال الخبرة، يستطيع المرء أن يعرف أن عددا لا بأس به من أساتذة الجامعات يعملون مخبرين ولهم حظوة لدى المخابرات.

شغل المناصب الأساسية في الجامعة
يتم الإعلان عن شواغر في المناصب الإدارية الهامة مثل رئاسة الجامعة وعمداء الكليات في الدول المحترمة، وعادة يتولى أكاديميون ممن وصلوا إلى مرتبة الأستاذية فحص الطلبات وتقييمها، ومن ثم التوصية بتعيين من يرون أنه الأكثر كفاءة.

في البلدان العربية نحن لا نحتاج إلى مثل هذا التعقيد لأن جهاز المخابرات هو أفضل من يعرف الناس، وهو أفضل من يصدر التوصيات.

باستثناء لبنان والجامعات الأميركية الخاصة، لا يمكن في الوطن العربي أن يتم تعيين رئيس جامعة بدون موافقة جهاز مخابرات الدولة المعنية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

"
النظام السياسي وأجهزته الأمنية تبحث عن موالين وليس عن منتمين, فالمنتمي صاحب هدف ويعمل على تحقيقه ضمن ما يتمتع به من صفات إنسانية خلاقة، أما الموالي فقد يكون مجرد منافق يبحث عن مصالح شخصية مادية
"
ولا بد لهذا الرئيس أن يلتقي برئيس جهاز المخابرات قبل مباشرته العمل بصورة فظة أو بصورة محترمة. الفظة تعني استدعاء الرئيس إلى الجهاز، والمحترمة أن يتم اللقاء على عشاء في بيت أحد الأصدقاء.

أما العمداء فلا عناء كبيرا في تحديد أسمائهم ما دام المنصب الأول قد تحدد صاحبه. رئيس الجامعة يعرف مسؤولياته والخطوط الحمراء التي لا يستطيع تجاوزها، ويعرف ما يرضي المخابرات وما لا يرضيها.

لننظر إلى عمداء الكليات في مختلف جامعات البلدان العربية -إلا ما أشرت إليه استثناء- نجد أنهم من الموالين للنظام والمدافعين عنه، وربما -وهو الأرجح- من المنافقين الذين يمالئون النظام.

شغل المناصب في الجامعات يعتمد على الولاءات الشخصية أو الولاء للنظام وليس للدولة أو الأمة. هذا الولاء لا يشترط الانتماء ولا يطلبه لما يتضمنه من خطورة.

النظام السياسي وأجهزته الأمنية تبحث عن موالين وليس عن منتمين. المنتمي صاحب هدف ويعمل على تحقيقه ضمن ما يتمتع به من صفات إنسانية خلاقة، أما الموالي فقد يكون مجرد منافق يبحث عن مصالح شخصية مادية، ولا يتمتع بصفات جيدة تُغضب الحاكم. وأعتقد أن هذه سياسة عامة للأنظمة العربية تنطبق على التوظيف في مختلف المؤسسات.

خيارات الأكاديميين
نظرا لهذا الوضع المخابراتي السائد في الجامعات العربية، أمام عضو هيئة التدريس الخيارات التالية:

1- السير في ركب النفاق والكذب والحصول بالتالي على بعض المكاسب الشخصية التي قد يكون من ضمنها استلام منصب عميد أو الذهاب في منحة دراسية إلى أميركا أو ألمانيا.

هذا العضو مغفورة له أخطاؤه، وكلما قام بعمل مشين تهب جهود كثيرة للتغطية والتورية، وبإمكانه أن يكون مدرسا مهملا وفاشلا ويعطي الطلاب علامات عالية للتغطية على سوءاته.

2- الانسحاب من الحياة الجامعية العامة والاكتفاء بإلقاء المحاضرات وعدم التدخل في أي شيء. بالنسبة للمخابرات، هذا نوع جيد من المدرسين لكنه يبقى دون فئة المنافقين.

3- القيام بالمهام الأكاديمية والعلمية على أكمل وجه مع المحافظة على استقلال الشخصية والدفع باتجاه التقدم العلمي. هذا الصنف لا يرضي رئاسة الجامعة ولا المخابرات، وغالبا يكون منبوذا وغير مرغوب فيه لأنه قد ينقل الإبداع والتفكير العلمي إلى طلابه.

هذا صنف يكد ويتعب وينجز، ولكنه يظهر عملاقا أمام غيره من الموالين للنظام الذين يعجزون عن كتابة بحث علمي. غلطة هذا العضو الصغيرة وغير المقصودة تتحول إلى جبل، وتحاول الجامعة دائما العمل على التخلص منه.

4- تحدي الوضع القائم والحرص على الأمانة العلمية والأكاديمية، وبث الوعي لدى جمهور الطلبة. هذا لا يطول عمره في الجامعة، وسرعان ما تتدبر إدارة الجامعة والمخابرات أمره بإخراجه من الحرم الجامعي بطريقة أو بأخرى.

العبرة

"
في بلادنا العربية، من المفترض أن الأكاديميين لا يفقهون، وعليهم انتظار الأفكار العبقرية التي تتفجر في عقل الحاكم، ولا بد لهم أن يخشوا جهاز المخابرات لأنه هو الجهاز الوحيد الساهر على صون الأمة من الأفكار الهدامة والأحزاب المغرضة
"
في ظل هذا الجو الإرهابي المظلم، كيف لأساتذة الجامعة أن يقدموا الجديد ويقفزوا بجامعاتهم إلى مصاف الجامعات العالمية؟ الجامعات العظيمة هي تلك التي تدفع باتجاه التطوير الذي يتطلب التفكير العلمي وعقلية التغيير نحو الأفضل، وهي التي تصر على مرونة النظامين السياسي والاجتماعي من أجل أن يبقى للعلم حيز للحركة والنهوض.

الجامعات العظيمة هي التي تراقب الأوضاع في البلاد، وهي التي تنبه إلى محاسن السياسات ومخاطرها، وهي التي تهب في مواجهة الفساد والظلم والطغيان.

في بلادنا العربية، من المفترض أن الأكاديميين لا يفقهون، وعليهم انتظار الأفكار العبقرية التي تتفجر في عقل الحاكم، ولا بد لهم أن يخشوا جهاز المخابرات لأنه هو الجهاز الوحيد الساهر على صون الأمة من الأفكار الهدامة والأحزاب المغرضة.

جامعاتنا عبارة عن سجون أكاديمية تتم فيها ممارسة الدعارة الفكرية والتطويع البهيمي تحت مظلة من الإرهاب الفكري والمادي المقيت.

فمن شاء لجامعاتنا العربية أن تتقدم لتظهر أسماؤها في قوائم النابغين فما عليه إلا التخلص من أنظمة الحكم والقضاء على أجهزة المخابرات القائمة.
ـــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك