منار الأحمد

- الديمقراطية السياسية
- دور الجيش السياسي
- حسم ملفات الأزمات
- الحرية الإعلامية
- الأحزاب الإسلامية
- وباء الفساد
- بكلمات

بات تاريخ الحادي والعشرين من مايو/أيار يوما فارقا في الذاكرة الإندونيسية، فهو اليوم الذي فصل بين حقبتين متباينتين من تاريخ الدولة، حين أعلن زعيمها التاريخي الجنرال سوهارتو تنحيه عن السلطة تحت وطأة حراك الشارع الذي قاده طلبة الجامعات عام 1998، وانتهت بهذا الإعلان أكثر من ثلاثة عقود من الحكم الديكتاتوري.

عشر شموع أوقدت في عيد الديمقراطية العاشر في إندونيسيا، فأين تقف إندونيسيا اليوم على مختلف الصعد؟ أين استثمرت مناخ الحرية بنجاح؟ وما هي الزوايا التي أخفقت في تجاوز أرث النظام السابق؟

الشأن الإندونيسي غني بالقضايا الساخنة والجدلية، ومن المتعذر التطرق لها بشكل واف، لكن المناسبة تستحق إطلالة عامة وخاطفة على المشهد الإندونيسي بعد عشر سنوات من الديمقراطية.

"
من الدواعي القوية لتراجع الدور السياسي للجيش في إندونيسيا إغلاق بعض الملفات التي كانت مصدر قلق وإرباك للدولة على مدى عقود، وفي مقدمتها ملفا تيمور الشرقية وآتشه
"
الديمقراطية السياسية
بقيت الحياة الحزبية في إندونيسيا منذ استقلالها عام 1945 بائسة ومحكومة بعصا الجيش إلى حد بعيد، ولم تشهد نظاما حزبيا ديناميكيا كالذي تعيشه اليوم منذ استقلالها.

ففي عهد الاستقلال (عهد أحمد سوكارنو) كانت الأحزاب محدودة والمناخ الديمقراطي الذي تعمل فيه موجها من قبل الجيش، وفي عهد سوهارتو الذي عرف بالنظام الجديد، لم يكن على الساحة سوى ثلاثة أحزاب سياسية يضمن فيها الحزب الحاكم (حزب غولكار) الأغلبية الساحقة في انتخابات شكلية محسومة مسبقا.

أما بعد سقوط نظام سوهارتو فقد نشط على الساحة الإندونيسية 95 حزبا مسجلا، دخل منها 17 حزبا إلى البرلمان المركزي، وهي تمثل كافة الأيديولوجيات والتوجهات السياسية في البلاد.

وتعتبر التجارب الانتخابية في الأعوام 1999 و2004 من أنجح الممارسات الديمقراطية، وتداول السلطة بحرية وشفافية عاليتين.

وانتقلت رئاسة الدولة بعد انهيار نظام سوهارتو من محمد يوسف حبيبي نائب سوهارتو، إلى عبد الرحمن واحد ثم إلى ميغاواتي سوكارنو بوتري بتوافق برلماني دستوري دون حدوث أزمات سياسية تذكر، ثم انتقلت إلى سوسيلو بامبنغ يوديونو الرئيس الحالي في أول انتخابات رئاسية مباشرة شهدت حراكا سياسيا نشطا وتحالفات مرنة عكست مدى نضوج العمل الحزبي في إندونيسيا.

ولم يبق من معالم حقبة سوهارتو في الساحة الحزبية سوى حظر الحزب الشيوعي الذي حاول نظام سوهارتو، وبدعم من مختلف الأحزاب والتيارات العلمانية والإسلامية استئصاله من جذوره، وأوقع فيه مجزرة عظيمة، حين قتل ما يقدر بمليون منتسب للحزب.

وكانت تكفي شبهة العضوية أو التعاطف مع ذلك الحزب للموت على يد الجيش أو المليشيات الغاضبة على الحزب الذي كان في أواسط الستينيات من القرن الماضي واحدا من أقوى الأحزاب الشيوعية في العالم.

وكانت إندونيسيا مرشحة لأن تكون كوبا آسيا، فوجد سوهارتو في الدعم المحلي والتأييد الأميركي والأسترالي مبررا كافيا لارتكاب المجزرة بحق الحزب الشيوعي وحظره، وإن كان ما زال قائما حتى اليوم.

دور الجيش السياسي
لا يزال الجيش هو أكثر المؤسسات نفوذا في إندونيسيا، إلا أن الدور السياسي للمؤسسة العسكرية تراجع كثيرا عن ما كان عليه قبل عشرة أعوام، إذ كان الحاكم المطلق في شؤون البلاد عموما، وقوله هو الحاسم في الشأن السياسي، بحكم سيطرة قيادته المتمثلة في سوهارتو وأعوانه على السلطة.

وبعد انهيار النظام بدأت عملية تحويل الجيش إلى مؤسسة وطنية تتولى الدور التقليدي للجيش، وهو حماية الحدود الوطنية والتصدي لمحاولات زعزعة الأمن المحلي.

وتم تقنين سحب الجيش من الساحة السياسة في انتخابات 2004 بإلغاء المقاعد الـ38 التي كانت مخصصة له في البرلمان المركزي لإخراجه بشكل كامل من العمل السياسي المباشر.

ولعل ما شجع المؤسسة العسكرية على تقليص دورها السياسي هو أن رأس الدولة هو أحد رموز هذه المؤسسة، فالجنرال يوديونو ارتقى لرتبة عسكرية عليا في الجيش قبل أن يتقاعد ويتولى منصب الوزير المنسق للشؤون الأمنية في حكومة ميغاواتي، وهو أعلى منصب وزاري معني بالشؤون العسكرية والأمنية.

ولذلك يعتبر الجيش يوديونو ممثلا غير رسمي لهذه المؤسسة الفاعلة في الحياة العامة الإندونيسية.

حسم ملفات الأزمات
ومن الدواعي القوية لتراجع الدور السياسي للجيش إغلاق بعض الملفات التي كانت مصدر قلق وإرباك للدولة على مدى عقود، وفي مقدمتها ملفا تيمور الشرقية وآتشه.

فالملف الأول تمت تسويته فور سقوط نظام سوهارتو في عهد خلفه محمد يوسف حبيبي، بإجراء استفتاء لسكان تيمور الشرقية حول رغبتهم في الانفصال أو البقاء تحت السيادة الإندونيسية، وانتهى باستقلال فعلي لتيمور الشرقية، تحت ضغوط الولايات المتحدة وأستراليا ومن خلفهما الأمم المتحدة.

أما الملف الثاني فقد ساهمت كارثة تسونامي أواخر 2004 في تسريع جولات المفاوضات التي أفضت بشكل مفاجئ إلى توقيع اتفاق سلام بين حكومة يوديونو وحركة تحرير آتشه التي كانت تسعى للانفصال، وأجريت فيها انتخابات برلمانية محلية حصدت الحركة معظم ثمارها.

وبإغلاق هذين الملفين سحبت من يد الجيش أوراق طالما استغلها في الضغط على المجتمع والمؤسسات السياسية بذريعة حاجة البلاد لدوره القوي والقريب من صناعة القرار لحماية أمن واستقرار ووحدة إندونيسيا.

وتتولى اليوم مؤسسات المجتمع السياسية متمثلة في الرئاسة والبرلمان المركزي إدارة الأزمات المحلية، وباتت القناعة الغالبة أن سبب هذه الأزمات سياسي وينبغي أن تحل سياسيا وبعيدا عن القوة العسكرية.

"
ما هو أهم من الكم الهائل من الضخ الإعلامي الخاص ارتفاع سقف حرية الرأي، إذ باتت الصحافة الإندونيسية بلا سقف سياسي أو اجتماعي أو حتى أخلاقي
"

الحرية الإعلامية
مع غياب نظام سوهارتو غابت مظاهر الحكم الواحد ووجهة النظر الواحدة، وتشهد إندونيسيا اليوم ما يستحق أن يوصف بالانفجار الإعلامي، حيث تعمل فيها اليوم 30 قناة تلفزيونية منها 12 قناة خاصة، كما تبث في البلاد 2400 محطة إذاعية.

وتلقي المطابع بملايين النسخ من عشرات الصحف والمجلات اليومية والأسبوعية، بالإضافة إلى الإذاعات ومواقع الإنترنت الإخبارية.

ولعل ما هو أهم من الكم الهائل من الضخ الإعلامي الخاص ارتفاع سقف حرية الرأي، إذ باتت الصحافة الإندونيسية بلا سقف سياسي أو اجتماعي، أو حتى أخلاقي إلى وقت قريب، حيث شنت أحزاب إسلامية حملة سياسية برلمانية لمنع المجلات والأفلام الإباحية.

الأحزاب الإسلامية
تأثير الأحزاب الإسلامية في الشارع فرضه الصعود الإسلامي اللافت بعد سقوط نظام سوهارتو، فمن مجموع 17 حزبا استطاعت دخول البرلمان الوطني يعتبر خمسة منها أحزابا إسلامية (مع تباين فكري وسياسي كبير بين هذه الأحزاب وعدم اجتماعها في كتلة برلمانية).

وتتعزز قوة هذه الأحزاب في الحياة الديمقراطية من انتخابات إلى أخرى، ففي انتخابات 1999 كان عدد مقاعد هذه الأحزاب 134 من أصل 550 مقعدا وفي انتخابات 2004 بلغ عددها 169 مقعدا أي قرابة 30% من مجموع المقاعد.

وفي مقدمة الأحزاب الإسلامية التي تلفت نظر المراقب حزب العدالة والرفاه الذي يعتبر أكثر الأحزاب الإسلامية محافظة، والمعروف محليا، وحتى في مقالات ودراسات الباحثين الغربيين بأنه (الحزب النظيف)، في بلد يعج بالفساد، فهو الحزب الوحيد الذي لم توجه تهمة فساد إداري ومالي لأي من أعضائه، والذي يضع محاربة الفساد على رأس برنامجه.

ولذلك يجد هذا الحزب قبولا واسعا بين المواطنين مكنه من الصعود السريع في البرلمان، فقد حصل في أول انتخابات يخوضها عام 1999 على سبعة مقاعد، وارتفعت في انتخابات 2004 إلى 47 مقعدا، ويتوقع المراقبون أن ترتفع حصته إلى مائة مقعد في الانتخابات القادمة 2009.

من المحطات المهمة في صعود هذا الحزب انتخاب رئيسه هدايت نور واحد رئيسا لمجلس الشعب الاستشاري (وهو أعلى سلطة تشريعية) من داخل البرلمان، رغم أنه ليس من الأحزاب التقليدية الكبيرة، ويتوقع أن يترشح للرئاسة عام 2009.

ووضع الحزب تحت مجهر الأحزاب والمراقبين الدوليين بعد انتخابات محافظ جاكرتا في أغسطس/آب 2007 حين حصل مرشح الحزب على 43% من أصوات العاصمة التي يقطنها 15 مليون نسمة، في مقابل 57% حصل عليها مرشح تكتل 24 حزبا بما فيها الأحزاب الكبرى والمتنفذة.

وهذا أعطى مؤشرا على مدى تنامي شعبية الحزب التي قادته في مايو/أيار 2008 إلى الفوز بانتخابات محافظ جاوا الغربية التي تعتبر من أهم المحافظات لما تتمتع به من ثقل سكاني وسياسي واقتصادي.

ويعتبر هذا الحزب الأقدر على حشد الجماهير وتنظيم المسيرات الشعبية لنصرة القضايا الإسلامية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والعراق.

"
تنعم إندونيسيا اليوم بهامش واسع من الاستقرار الداخلي، لكنها لا تزال تعاني من اختناق اقتصادي بسبب استشراء الفساد، ما انعكس على معيشة المواطن رغم ما تتمتع به إندونيسيا من ثروات طبيعية وبشرية هائلة لم تستفد منها حتى اليوم كما ينبغي
"
وباء الفساد
الصعود السريع لحزب العدالة والرفاه يقابله تراجع واضح في مصداقية وشعبية الأحزاب التقليدية الكبرى بسبب تورط رموز بارزة فيه في قضايا فساد إداري ومالي، وتعرضها لانشقاقات وصراعات داخلية قوية.

ويبقى وباء الفساد من المظاهر البارزة التي ورثتها إندونيسيا من النظام السابق، وهو لا يزال مستحكما في الحياة العامة، ولا تبدو التشريعات والأنظمة التي يعلن عنها بين الحين والآخر لمكافحة هذا الداء مجدية، إذ أصبحت ظاهرة الفساد من الممارسات الطبيعية بل والضرورية أحيانا في كافة مؤسسات الدولة إلا نادرا، رغم تجريم هذه الممارسات قانونيا.

لكن استفحال الظاهرة جعل مكافحتها أمرا غير يسير، فإندونيسيا تصنف في قائمة منظمة الشفافية الدولية في المرتبة 143 من بين 180 دولة شملها التقرير عام 2007.

وتكلف هذه الممارسات الاقتصاد الإندونيسي مليارات الدولارات سنويا، وهو ما أبقى الحالة الاقتصادية للمواطن الإندونيسي دون تحسن، إن لم نقل إنها تراجعت عن ما كانت عليه في عهد سوهارتو، إذ يعيش اليوم 49% من السكان على أقل من دولارين في اليوم.

بكلمات
الإطلالة على المشهد الإندونيسي بعد عشر سنوات من سقوط نظام سوهارتو يمكن اختصارها في أن المنظومة الديمقراطية على صعيد العمل الحزبي والتداول السلمي للسلطة حققت نجاحات باهرة تفوقت فيها إندونيسيا على كل الأنظمة الديمقراطية في جنوب شرق آسيا رغم أنها أحدثها، وهذا الانفتاح السياسي انعكس بشكل لافت على المشهد الإعلامي وحرية التعبير.

وعلى الصعيد الحزبي تعتبر الأحزاب الإسلامية، وخاصة حزب العدالة والرفاه الموضوع تحت مجهر المراقبين، هي الأكثر بروزا في هذا المشهد.

وتنعم إندونيسيا اليوم بهامش أوسع من الاستقرار الداخلي بعد تفكيك أزمات كانت مزمنة في تيمور الشرقية وآتشه، وتتوجه الدولة بمؤسساتها إلى حسم الأزمات الداخلية تباعا.

لكن لا تزال إندونيسيا تعاني من اختناق اقتصادي يسببه بالدرجة الأولى استشراء الفساد الإداري والمالي، مما انعكس على معيشة المواطن البسيط بشكل سلبي، رغم ما تتمتع به إندونيسيا من ثروات طبيعية وبشرية هائلة لم تستفد منها حتى اليوم كما ينبغي.
ــــــــــــــــ
كاتب سوري

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك