نضال أبو عريف

- الانتخابات وتداعيات أزمة الرسوم الأولى
- اليسار الدانماركي "إلى اليمين دُر"
- تأثير حزب الشعب الدانماركي
- خاتمة

عندما تصبح الإهانة والإساءة واجبا للأغلبية تجاه الأقلية، وعندما تستخدم حرية التعبير سوطا تُضرب به قيم ورموز الأقليات الدينية والعرقية، سيقول أغلب العاقلين إن المجتمع أصبح في خطر شديد، وإن تركيبته الاجتماعية مهددة، لكن العكس تماما يحدث لهؤلاء في الدانمارك.

فلماذا؟ وما هي الأسباب التي جعلت العديد من المراقبين يصفون هذا البلد بأنه رأس حربة صراع الحضارات؟ وهل نستطيع أن نفهم أسباب هذه التطورات التي كانت تعتبر أسوأ الاحتمالات قبل عقد من الزمان.

"
اليمين الدانماركي لم تزده أزمة الرسوم إلا قوة برلمانية إلى قوته، إضافة إلى السيطرة الإعلامية على جميع القضايا المطروحة للنقاش
"
اليوم وبعد أكثر من عامين على نشر الرسوم المسيئة وتقنين المحاكم الدانماركية والساسة لنشرها، بل الدفاع عنها لآخر رمق، تأتي تداعيات الأزمة الثانية لتقضي على ما تبقى من أصوات حكيمة في البرلمان الدانماركي وخارجه.

ويخرج علينا رئيس حزب الشعب الاشتراكي اليساري فيلي سوندال واصفا الرسوم بأنها كانت "ضرورية" ويدعو إلى خروج مئات الآلاف للتظاهر ضد ما سماه التطرف الإسلامي المتمثل في حزب التحرير في الدانمارك، ذلك الحزب الذي يتمتع بشعبية متزايدة بين أبناء الجيل الثاني من المهاجرين، وبين عدد غير قليل من المسلمين الجدد، وممثلي الوقف الإسكندنافي، أنشط المؤسسات الإسلامية الدانماركية، ويصفهم "بالرجال المسلمين السود".

ربما يتعجب القارئ ويسأل نفسه كيف يحدث كل هذا في بلد يتغنى بالحرية واحترام الآخر؟ هل ما يحدث طفرة مؤقتة وستنتهي أم هو نتيجة لعوامل سياسية وأحداث تاريخية أدت إلى أن تصبح الإساءة عملا شجاعا وحضاريا؟

للإجابة عن هذه الأسئلة يجب أن نعود قليلا إلى الوراء ونراجع ما حدث في العقود الأربعة الأخيرة عندما بدأت التركيبة الاجتماعية في الدانمارك التغير مع توافد أيد عاملة أجنبية من عدة بلدان إسلامية، أتت كي تشارك في بناء المجتمع ومؤسساته.

وبالفعل كان لهم فضل في النهضة الاقتصادية، لكن أحدا من السياسيين الدانماركيين لا يَذكر أو على الأقل يتذكر ذلك عندما يدور الحديث عن المهاجرين.

الانتخابات وتداعيات أزمة الرسوم الأولى
انتخابات العام الماضي كانت مميزة، لأنها كانت أول انتخابات بعد أزمة الرسوم، والتوقعات كانت متعددة لكن النتيجة كانت عكسها تماما.

فاليمين الدانماركي لم يُظهر فقط أنه قادر على الحفاظ على مقاعده، بل استطاع أيضا الحصول على مقعدين إضافيين وتربع على عرش الخريطة السياسية بإمساكه مفاتيح رئاسة الوزراء، إذ لم تزده أزمة الرسوم إلا قوة برلمانية جديدة إلى قوته، إضافة إلى السيطرة الإعلامية على جميع القضايا المطروحة للنقاش.

هذا ما رأيناه في قدرته على ربط أزمة الرسوم بالإسلام حين درج الساسة على تسمية الأزمة "بأزمة محمد" أو "حرائق محمد" و" صراع محمد" وكأن المسلمين هم من افتعل الأزمة لا الصحيفة التي لا تذكر إلا في إطار أنها ضحية لتهديد إسلامي.

هذه المصطلحات أدت بلا شك إلى "شيطنة" مقام النبوة الكريم في نظر الدانماركيين، والأخطر من ذلك هو أن اليمين المتطرف أصبح جزءا طبيعيا من اللعبة السياسية بل أصبح هو من يملك زمام المبادرة.

والحال اليوم أنه لا يستطيع اليمين ولا اليسار الدانماركيان تكوين حكومة بدون الاعتماد على مقاعد حزب الشعب الدانماركي الذي سوق نفسه في السنوات الخمس الماضية على أنه حام للقيم الدانماركية في وجه "الزحف الإسلامي".

فحضور اليمين الإعلامي الكبير والطاغي أصبح هو الأساس خصوصا عندما يدور الحديث حول الاندماج والمسلمين، كما نجح اليمين الدانماركي متمثلا في حزب الشعب وبعض وسائل الإعلام (اليمينية التوجه) في سحب أحزاب اليسار إلى اليمين وتحويل النقاش السياسي من نقاش تقليدي بين اليسار واليمين حول توزيع الموارد على الشعب إلى نقاش وصراع على ما يسميه دوما "القيم الدانماركية" بدون أن يقدم أي تفسير لهذا المصطلح ومحتواه وكأن القيم أصبحت جامدة جمود الصخر لا تنتقل إلا بالوراثة.

اليسار الدانماركي "إلى اليمين دُر"
أصبح خطاب اليمين الدانماركي هو الخطاب العادي الذي يمتلك حججا ووقائع لا يستطيع أن ينافسها أحد، بل يسعى إلى أن يتبناها الجميع.

ولعل آخر المنضمين هو زعيم حزب الشعب الاشتراكي الدانماركي فيلي سوندال الذي رأى في أزمة الرسوم الثانية فرصة سانحة لكي ينضم إلى قافلة اليمين، فبدأ الهجوم على المهاجرين وثقافتهم، وانقلب 180 درجة.

ومن الغريب أن البداية كانت بمهاجمة قناة الجزيرة والندم على الظهور على شاشتها إبان الأزمة الأولى في فبراير/شباط عام 2006، ولم يكتف بذلك بل اتهم الجزيرة "بالترجمة غير الدقيقة لتصريحاته".

"
اليمين يتقدم واليسار يتراجع ويفقد في نفس الوقت مفاهيم الإنسانية التي ما برح يتغنى بها، وهو يتجه يمينا معانقا لنظرية الاستعلاء الثقافي التي تبناها المجتمع الدانماركي
"
فيلي الذي خرج في ثوب جديد وسط فبراير/شباط الماضي وصف الرسوم بأنها عمل ضروري، وندم على أنه انتقد نشرها قبل عامين، فدق بتصريحاته مسمارا في نعش التعقل السياسي في الدانمارك وأهدى اليمين المتطرف أجمل باقة من التصريحات التي تهاجم الأقليات، وترك اليمين واقفا يقول "هذا ما قلناه من قبل، أهلا وسهلا بك في مركب القيم الدانماركية".

قد يستغرب الكثيرون في العالم ما قامت به الصحف الدانماركية من إعادة نشر للرسوم، ولكن الأمر كان طبيعيا بالنسبة للصحف الدانماركية. فعدم المبالاة بمشاعر الآخرين أصبح شعار المرحلة، والصحف كالساسة غير مبالية برد الفعل، متسترة بقدسية حرية التعبير التي أصبحت فوق كل القدسيات.

والجديد هنا الذي لم يحدث في الأزمة الأولى أن أصوات الناقدين لإعادة النشر كانت قليلة وخجِلة، وبدأت تداعيات الأزمة الأولى تطفو على السطح وهذه المرة من جهة جديدة ألا وهي اليسار الدانماركي الذي بدأ يستخدم مصطلحات لم يستخدمها اليمين في أكبر هجوماته على الإسلام والمسلمين، كتصريحات فيلي سوندال التي دعا فيها إلى التظاهر ضد من أطلق عليهم "رجال الظلام والتطرف الإسلامي".

هذا الهجوم غير المعهود من جهة عُرف عنها تعاطفها مع الأقليات العرقية والدينية ونضالها من أجل الحريات أظهر أنها أصبحت اليوم تعزف على نفس الوتر الذي انتهجه حزب الشعب اليميني.

وبينما عكف قادة اليمين على القول للمهاجرين المسلمين "اذهبوا إلى بلدانكم الأم" قال فيلي سوندال اليساري لبعضهم "اذهبوا إلى الجحيم".

تأثير حزب الشعب الدانماركي
بالرغم من عمر حزب الشعب الدانماركي القصير نسبيا فإنه استطاع أن يسيطر على الخطاب السياسي ويتحكم في محاور الحوار العام، بضربه على وتر "القيم الدانماركية" وضرورة الحفاظ عليها.

ولم يقف عند ذلك بل أصر على ضرورة أن يتبنى القادمون إلى الدانمارك هذه القيم بدون أي نقاش أو اعتراض، لأن الاعتراض بكل بساطة يعني أنك متخلف.

وتم وضع قوانين تجبر كل من يريد الحصول على الجنسية على أن يوقع على تعهد باحترام "القيم الدانماركية" والتقدم لاختبار عن الثقافة الدانماركية.

وفي معركتها لتثبيت ما تعتبره "القيم الدانماركية " التي ما زالت مفهوما غامضا لا يتناسب مع عصر العولمة قامت الحكومة بإعداد سلسة من الكتب تحدد مقياس ومعيار الديمقراطية والثقافة الدانماركية في خطوة اعتبرها بعض المراقبين اقترابا من أنظمة الرأي والمفهوم الواحد.

انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2001 كانت نقطة فاصلة في تاريخ الدانمارك الحديث، غيرت الساحة السياسة بشكل كبير حين حصلت أحزاب اليمين على أغلبية المقاعد في البرلمان، مستفيدة من مرحلة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.

ومنذ ذلك الحين واليمين الدانماركي ممسك بمقاليد الحكم في هذا البلد واستطاع خلال الأعوام الستة الماضية وضع بصماته على جميع مرافق الحياة، فشدد قوانين الهجرة وقوانين العقوبات، وجعل الحصول على الجنسية أمرا صعبا، وأهم من ذلك كله أنه جر الدانمارك إلى المشاركة في حربي العراق وأفغانستان.

ولكن يبدو أن اليمين الدانماركي لم يكتف بقطف ثمار أزمة الرسوم، بل إنه مصر على جعل هذه الثمار قواعد اللعبة السياسية القادمة.

وتصريحات الحزب التي تطرح دائما أطروحة السؤال المهم "هل أنت في المربع الديمقراطي؟ نعم أم لا" أصبحت تردد صباح مساء على ألسنة اليسار الدانماركي.

زعيمة الحزب الاشتراكي الديمقراطي -وهو أكبر أحزاب المعارضة- هيليه تورنق شميت بدورها سبقت السيد فيلي إلى ميدان السباق في التصريحات، مهاجمة للحجاب.

ففي ربيع 2007 طالبت من تحلم بأن تكون أول رئيسة وزراء في تاريخ الدانمارك الفتيات المسلمات بالثورة على الحجاب، ووافقت على سياسة الاندماج التي وضعتها الحكومة الحالية وعلى قانون 24 سنة الذي يحد من حق لم الشمل لمن يتزوج قبل بلوغه 24 عاما، وهذا القانون يعاني من ويلاته أبناء المهاجرين.

"
القيم العالمية التي تدعو إلى التسامح واحترام الآخر وعقائده هي صمام الأمان في أي مجتمع يحتضن ثقافات ومعتقدات مختلفة، وهذا ما يجب أن يعتبره سياسيو ومسلمو الدانمارك طريقهم ورؤيتهم المستقبلية قبل أن تدمر الجسور وتحرق السفن
"
ويتجه الحزب الآن إلى رسم سياسة اندماج جديدة مبنية على "القيم الدانماركية"، وكذلك لم يسلم حزب الوحدة الدانماركي (أقصى اليسار) من الموجة اليمينية بالرغم من أنه يتباهى بترشيحه لأول فتاة مسلمة محجبة في الانتخابات السابقة، فقيادته انتقدت هذه المرشحة أكثر من مرة وكانت قاب قوسين أو أدنى من إزالتها عن لائحتها الانتخابية، وحملوا المسلمة المحجبة جزءا كبيرا من التراجع في الانتخابات وخسارتهم لمقعد في البرلمان.

اليمين يتقدم واليسار يتراجع ويفقد في نفس الوقت مفاهيم الإنسانية التي ما برح يتغنى بها، وهو يتجه يمينا معانقا لنظرية الاستعلاء الثقافي التي تبناها المجتمع الدانماركي وغدا منكفئا على نفسه حاسبا أنه الأفضل وما سواه سراب.

ماذا حدث لليسار الدانماركي أو ما الذي يسعى له؟ وهل هو إستراتيجية لكسب المواقف؟ أم أنه تسليم بالأمر الواقع واتباع ما كان يعتبره عنصرية من غير المعقول أن تكون موجودة في الدانمارك. هذا ما سوف تظهره الأيام.

خاتمة
في الختام لا نستطيع إلا أن نقول إن الدانمارك تتغير في هذه السنوات للأبد وتفقد رونقها، وهذا كله يضع المسلمين في هذا البلد في وضع لا يحسدون عليه، وخصوصا أبناء الجيل الثاني والثالث الذين لا يعرفون غير هذا البلد وطنا لهم، ويتركهم أمام خيارات عديدة ولكنها صعبة للتعامل مع التطورات.

وقبل الخوض في تفاصيل هذه الخيارات وتحديدها يجدر بنا النظر في الإستراتيجية التي ميزت تعامل المسلمين في الدانمارك مع قضية الرسوم بالذات، وتمثلت في غياب الرؤية الواضحة لما تم من ردود أفعال.

لذلك يجب على المسلمين الدانماركيين إعادة تقدير ومراجعة الموقف برمته، ولن يكون ذلك سهلا لأن الإعلام أصبح يعتبر الإسلام والمسلمين مادة إعلامية مشوقة لا يمكنه الاستغناء عنها، والابتعاد عن الأضواء أصبح أمرا مستحيلا.

ولكن هذا لا يعني أنه لا يمكن تقنينه وإخراجه بصورة واضحة وأفضل، بالاعتماد على العناصر الداخلية المنتمية للجالية المسلمة.

وبالرغم من وجود أربعة أعضاء برلمان من أصول مسلمة فإنهم لا يعبرون عن صوت الجالية ولا يمثلون إلا سياسات أحزابهم ويتناغمون مع تقلبات الرأي العام.

ما يفتقر إليه المسلمون الدانماركيون الآن هو عاملان مهمان وهما مجال الإعلام وجمعية قانونية متخصصة ترفع صوتهم وتدافع عن قضاياهم المهمة.

التغيير يحتاج إلى وقت وجهد كبيرين وأيضا إلى التصميم على أن القيم العالمية التي تدعو إلى التسامح واحترام الآخر وعقائده هي صمام الأمان في أي مجتمع يحتضن ثقافات ومعتقدات مختلفة، وهذا ما يجب أن يعتبره سياسيو ومسلمو الدانمارك طريقهم ورؤيتهم المستقبلية قبل أن تدمر الجسور وتحرق السفن.
__________________
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك