مهدي حاشي

- وثيقة تفاهم ومنشأ خلاف
- المجتمع الدولي يشجع الانقسام

- وضعية ملتبسة

بدأ مؤتمر المصالحة بين الحكومة المؤقتة وتحالف إعادة التحرير الذي يتخذ من جيبوتي مقرا له أواسط هذا الشهر برعاية ممثل الأمم المتحدة في الصومال أحمد ولد عبد الله، وأنهى المؤتمر أعماله دون أن يسفر عن نتائج محددة على أن يستأنف نهاية الشهر الجاري.

ورغم أن الطرفين المتحاورين كانا على خلاف كبير مما حال دون عقد لقاءات مباشرة، فإن المؤتمر أثار لغطا كبيرا في صفوف تحالف تحرير الصومال الذي يبدو أنه يمر في الآونة الأخيرة بأزمة عاصفة.

وقد ثار هذا اللغط بعد حضور أعضاء بارزين في مؤتمر جيبوتي دون أن يحظوا بموافقة آخرين في أسمرا, مما ينذر بانشقاق داخل الحركة المعارضة التي تشكلت العام الماضي في العاصمة الإريترية أسمرا.

"
التحالف يضم في صفوفه أطيافا متنوعة من المجتمع الصومالي مختلفة المشارب والأهواء، لا تجمعهم أهداف سياسية محددة بقدر ما توحدهم مقاومة إثيوبيا ومعارضة الحكومة المؤقتة
"
وثيقة تفاهم ومنشأ خلاف
وتعود الخلافات بين الجناحين إلى أبريل/نيسان الماضي عندما قام شيخ شريف شيخ أحمد زعيم التحالف والرئيس السابق للبرلمان شريف حسن بزيارة إلى العاصمة الكينية نيروبي حيث وقعا على وثيقة تفاهم مع الأمم المتحدة كما صرح مسؤولو التحالف أكثر من مرة.

وتم ذلك بمساعدة طاقم السفارة الأميركية في نيروبي الذي وعد بحل معضلة القوات الإثيوبية مقابل تعهد زعماء التحالف بدخول مفاوضات مع الحكومة المؤقتة بواسطة الأمم المتحدة.

ومنذ ذلك الحين دارت تكهنات حول طبيعة الصفقة التي أبرمها زعماء التحالف مع المجتمع الدولي وما إذا كانوا سيحضرون الاجتماع المرتقب مع الحكومة المؤقتة، وكانت المفاجأة أن حضر الوفدان في قاعة واحدة في حفل افتتاح المؤتمر في جيبوتي مما فجر خلافات علنية بين زعماء التحالف الذين تبادلوا الاتهامات عبر وسائل الإعلام المحلية والدولية.

وكما هو معروف فإن التحالف يضم في صفوفه أطيافا متنوعة من المجتمع الصومالي، مختلفة المشارب والأهواء لا تجمعهم أهداف سياسية محددة بقدر ما توحدهم مقاومة إثيوبيا ومعارضة الحكومة المؤقتة.

وكانت السمة التي لا تخطئها العين في مسؤولي التحالف هي عدم التجانس، حيث تقاطرت على وجه السرعة في العام الماضي وفي زحمة المناكفة مع الحكومة المؤقتة التي عقدت مؤتمر مصالحة في مقديشو لشرعنة الاحتلال الإثيوبي كما يقولون, تقاطرت أعداد كبيرة من قادة المحاكم الإسلامية وأعضاء البرلمان الحر وزعماء حرب سابقين وصوماليي المهجر من الوطنيين والإسلاميين لتأسيس هذا التحالف.

وكان من المفترض أن يكون هذا التنوع في الخلفيات والأفكار عامل قوة لدى التحالف، إلا أن الوضع اختلف بعد أقل من سنة من عمر الحركة، وأصبح التململ والاتهامات المتبادلة همسا أحيانا وعلنا أحيانا أخرى.

كما أصبحت المجاملات لسياسات الدولة المضيفة السمة الغالبة التي تخيم على الحركة الوليدة، إضافة إلى رغبة البعض في الاستفادة من أي تغيرات تطرأ على الوضع الصومالي لتحقيق طموحاتهم السياسية.

لقد بذل المجتمع الدولي جهودا مضنية لدفع تحالف التحرير للوصول إلى هذه النتيجة من خلال جولات الحوار المكوكية التي جمعت زعماء التحالف معهم وتحديدا الجناح الذي يوصف في الأوساط الغربية بالمعتدل بقيادة شيخ شريف شيخ أحمد الذي يتمتع بقدر كبير من الاحترام والشعبية لدى الصوماليين لما يمثله من إرث المحاكم.

وكما تقول مصادر مقربة من التحالف فإن الخلاف كان قائما بين من يرى الحل في طرد الاحتلال الإثيوبي والحكومة المؤقتة معا، وهذا الرأي لم يجد في العالم من يؤيده سوى إريتريا، وبين فريق آخر يرى الحل في إخراج الاحتلال من الصومال بأية طريقة ممكنة وقبول قوات دولية متفق عليها من قبل أطراف الصراع لتحل محل الإثيوبيين وتتقاسم السلطة مع الحكومة المؤقتة التي لا يسمح العالم بتجاوزها تحت أي ظرف.

"
هناك خشية كبيرة من دخول الصومال في دوامة جديدة من الاحتراب الداخلي، تكون أطرافه في هذه المرة رفقاء أمس بعد أن تشبث كل طرف بموقفه في آخر لقاء في جيبوتي
"
المجتمع الدولي يشجع الانقسام
وللوصول إلى هذه النتيجة تعامل المجتمع الدولي الذي تقوده أميركا مع الفريق المعتدل الذي يمكن التفاهم معه، لتحقيق قدر من الشرعية للقرارات التي ستنتج عن مؤتمرات المصالحة من جهة، وإحداث قطيعة مع أسمرا التي كان لها دور مؤثر في قرارات التحالف باعتبارها الدولة المضيفة.

لذا تم استدعاء "الشريفين" إلى نيروبي للتوقيع على وثيقة تفاهم معهما بعيدا عن أعين أسياس أفورقي, ويتحدث الإعلام في هذه الأيام عن عدم رغبة بعض المسؤولين الكبار في العودة إلى أسمرا، وبحثهم عن تأمين مقار بديلة في عواصم عربية مما يعني القطيعة بينهم وبين أسمرا والزعماء المقيمين فيها.

ومن الواضح أن الشيخ شريف ورفاقه مصممون على المضي قدما في التواصل مع المجتمع الدولي والتعاطي مع مسيرة السلام بغض النظر عن المعترضين الذين لا يملكون -حسب رأيهم- تصورا واقعيا قابلا للتطبيق لحل مشكلة الصومال المعقدة والمتشعبة، ويتشبثون بمواقف متصلبة دون مراعاة لتوازن القوى.

وقد أكد الشيخ شريف موقفه مجددا في تصريحات صحفية عندما قال إنه ذاهب إلى الجولة القادمة من المفاوضات في جيبوتي، وقلل من حجم الضجة التي أحدثتها الجولة السابقة داخل التحالف واصفا إياها بأنها مجرد سوء تفاهم.

ويتلقى المؤيدون للمفاوضات دعما كبيرا من بعض الدول العربية التي أوضحت لهم في أكثر من مناسبة أن أمامهم كإسلاميين مرغوب فيهم فرصة ذهبية بسبب ضعف وهشاشة الحكومة المؤقتة.

ويتهم الفريق المعارض لمؤتمر جيبوتي -والذي كما هو واضح يضم في صفوفه شخصيات كبيرة بينهم الشيخ حسن طاهر أويس- شيخ شريف وفريقه بأنهم ينفذون بنود "صفقة وثيقة التفاهم" التي تورطوا فيها عندما وقعوها في نيروبي دون علم باقي الأعضاء.

وقد اتهم الشيخ أويس، ولأول مرة زعيم التحالف شيخ شريف بأنه "يتصرف بدكتاتورية دون استشارة أعضاء اللجنة المركزية للتحالف التي لها الحق في الموافقة على القرارات المصيرية".

كما صرح مسؤول الدفاع في التحالف يوسف أنعدي أن المفاوضات الجارية تضر بمصلحة الشعب والمقاومة وتعزز عملاء إثيوبيا على حد قوله، غير أن موقف الجناح العسكري الذي لا يأتمر بالضرورة بأوامر يوسف أنعدي لم يتضح بعد.

ويذهب المعارضون للمفاوضات إلى أن الهدف من هذه التحركات الدولية هو إضعاف المقاومة من خلال خلق انشقاقات في داخلها، مستبعدين إمكانية حدوث انسحاب إثيوبي وشيك.

وهناك خشية كبيرة من دخول الصومال في دوامة جديدة من الاحتراب الداخلي، تكون أطرافه في هذه المرة رفقاء أمس بعد أن تشبث كل طرف بموقفه في آخر لقاء في جيبوتي جمع بين شيخ شريف والدكتور عمر إيمان مبعوث جناح أسمرا لرأب الصدع بين الجانبين.

وهذا ما تسعى إليه الحكومة المؤقتة وقد صرح أكثر من مسؤول بأن هدف المفاوضات هو الوصول إلى صيغة تصالحية مع المعتدلين لمواجهة المتطرفين.

"
تحقيق أي نجاح في قضية سحب القوات الإثيوبية من الصومال سيعزز من فرص وشعبية المؤيدين للمفاوضات في جيبوتي، لكن إذا لم يتحقق شيء على الأرض فإن ذلك يصب بالتأكيد في مصلحة الآخرين
"
وضعية ملتبسة
وقد توقع البعض أن وضع حركة الشباب على قائمة الإرهاب الأميركية، ومقتل قائدها آدم عيرو بغارة أميركية، سيلقي بظلاله على المفاوضات، لكن هذا لم يحدث.

بل إن بعض المراقبين يرون أن هذين الحدثين كانا رسالتين مقصودتين لمعتدلي التحالف، بإمكانية استخدام العصا عند اللزوم إلى جانب الجزرة المتمثلة في وعد تحقيق إنجاز مرض يحفظ لهم ماء الوجه في تفاوضهم مع الحكومة المؤقتة التي يغلب عليها زعماء حرب ربما تطالهم يد العدالة الدولية مستقبلا في حال استقرار الوضع في الصومال، مما يؤهلهم في النهاية لقيادة المجتمع بما يتمتعون به من ثقة الشعب.

ولا شك أن تحقيق أي نجاح في قضية سحب القوات الإثيوبية من الصومال سيعزز من فرص وشعبية المؤيدين للمفاوضات في جيبوتي، لكن إذا لم يتحقق شيء على الأرض فإن ذلك يصب بالتأكيد في مصلحة الآخرين سواء كانوا داخل التحالف أو خارجه وعندها ستحترق أوراق المعتدلين الذين يراهنون على المجتمع الدولي وسيكونون في مرمى نيران الجميع.

وقد دلت التطورات في الأيام الماضية أن قضية الصومال ستشهد تطورات تمهد الطريق لإحداث تغييرات من شأنها أن تغري المؤيدين للمفاوضات بمواصلة المسيرة.

ومن ذلك:
1- إصرار المبعوث الدولي على استمرار المفاوضات وتقريب وجهات النظر بين الفريقين بمساعدة جيبوتي التي تحظى بالقبول من الطرفين ومن ورائهم أميركا التي يتحرك الكل على هديها.

2- إصدار مجلس الأمن قرارا فوريا بعد انتهاء الجولة الأولى، يقضي بنشر قوات أممية بدل القوات الأفريقية، مما يعني إخراج القوات الإثيوبية ونقل مكتب الأمم المتحدة من نيروبي إلى مقديشو، وهذا يصب في مصلحة الفريق المؤيد للمفاوضات داخل التحالف.

3- التحرك العربي –المتأخر جدا- حين قام مبعوث الجامعة العربية الجديد إلى الصومال السفير إبراهيم الشويمي بداية هذا الأسبوع بإجراء مباحثات مع الحكومة المؤقتة في مقديشو.

ومن المعروف أن عددا من الدول العربية تلتقي بزعماء تحالف التحرير من وقت لآخر لاستطلاع رأيها بشأن السبل الكفيلة بإيجاد حل للأزمة الراهنة، وغالبا ما تكون هذه التحركات العربية مرتبطة بأجندة الولايات المتحدة أو رغبتها في تحريك الوضع إلى اتجاه معين.

4- التلويح بفرض عقوبات على معرقلي عملية السلام المرتقبة، في إشارة واضحة كما يقول البعض إلى إريتريا الحريصة على إبقاء الورقة الصومالية في يدها، لتصفية حساباتها مع خصمها إثيوبيا، وهذا لا ينفي طبعا استفادة المعارضة من الدعم الذي قدمته أسمرا.

إلا أن تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي ميليس زيناوي الأخيرة أمام برلمان بلاده -التي أكد فيها أن قواته باقية في الصومال حتى هزيمة الجهاديين- من شأنها أن تلقي الكثير من الشكوك حول مدى جدية تلك التحركات، ومدى قدرة الأمم المتحدة على تنفيذ ما وعدت به تحالف التحرير.

ومن المعروف أن أديس أبابا تخوض حربا بالوكالة عن الولايات المتحدة في الصومال، وتتلقى الدعم المالي والعسكري إضافة إلى الغطاء الدولي للجم كل من تسول له نفسه انتقاد التدخل الإثيوبي في الصومال الذي أسفر حتى الآن عن أكبر كارثة إنسانية باعتراف المنظمات الدولية.

من السابق لأوانه التكهن بما تؤول إليه الأوضاع داخل تحالف التحرير لكن الأيام القادمة كفيلة بكشف الاتجاه الذي ستتطور إليه الأمور، فهل ستتمكن الحركة من تجاوز أزمتها الراهنة أم أن الأمور ستتخذ منحى القطيعة النهائية بين الصقور والحمائم؟

وفي تلك الحالة سينعكس الأمر سلبا على الجميع وسيلقي بظلاله القاتمة حتما على القضية برمتها وبالتالي سيضعف المتفاوضين والممانعين معا.
__________________
كاتب صومالي

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك