ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني

قد يبدو العنوان للبعض مستفزا إلى حد ما، إذ كيف يمكن الحديث عن جوانب إيجابية في هذه الحملات المتكررة على الإسلام ونبيه وقرآنه، لكن واقع الحال والقراءة الموضوعية الأكثر دقة للأحداث ما زالت تشير إلى قدر من الإيجابية لا يمكن إنكارها، وإذا كانت الأحداث أو التطورات تقيّم بما جلبت من مصالح ودرأت من مفاسد، فإن المصالح التي جلبها مسلسل الهجمات على الإسلام تبدو أكثر من المفاسد التي ترتبت عليه، أقله من وجهة نظر كاتب هذه السطور.

قبل الشروع في حديث الإيجابيات، يمكن القول إن تزامن الهجمات على الإسلام من الزاوية الفكرية والدينية، أعني على نبيه وقرآنه ومعتقداته مع هجمة صارخة على المسلمين ما زال يمنح المعركة أبعادا مهمة، خلافا للحال لو كانت منحصرة في البعد الديني، كما يحدث مثلا في سياق الهجاء المتبادل بين طوائف المسيحية نفسها، أو بين الأديان بمختلف ألوانها، وهو هجاء كان وسيبقى جزءا لا يتجزأ من التدافع الطبيعي للاجتماع البشري في كل زمان ومكان.

"
اعتقاد الغرب بأن الإسلام هو ما يحول بينه وبين "نيل الجائزة"، أي السيطرة على المنطقة من دون مقاومة، هو الذي يجعل الإسلام في صلب المعركة
"
في هذا السياق توفر شبكة الإنترنت عالما فسيحا من حروب الأديان بعضها مع بعض، ومساعي كل دين، بل كل مذهب داخل الدين نفسه لإثبات أنه وحده الصائب، وأقله الأكثر صوابا.

وحين نعثر في بلد صغير مثل لبنان على 20 كنيسة (أي 20 طائفة مسيحية)، إلى جانب عدد من المذاهب الإسلامية، فذلك يعني أن التنوع الديني، أو لنقل الصراع الديني، هو من الاتساع بحيث لا يمكن حصره في ثنائية الإسلام و"الصليبية" كما يذهب البعض.

نعم، ثمة هجمة على المسلمين، وهي هجمة لا صلة لها بدينهم، بقدر صلتها باعتبارات إمبريالية (استعمارية) كان يمكن أن تتوفر لو كان السائد في المنطقة دينا آخر غير الإسلام.

لكن اعتقاد الغرب بأن الإسلام هو ما يحول بينه وبين "نيل الجائزة"، أي السيطرة على المنطقة من دون مقاومة، والتعبير لغراهام فولر، النائب السابق لرئيس المجلس القومي للاستخبارات الأميركي، في مقالته المهمة "العالم من دون الإسلام" التي نشرها في دورية فورين بوليسي، عدد يناير/ كانون الثاني 2008، اعتقاد الغرب بذلك هو الذي يجعل الإسلام في صلب المعركة، كما كانت الشيوعية في صلب الحرب الباردة مع المنظومة السوفياتية، ولعل ذلك هو ما يدفع إلى الصدام معه، واعتبار إزاحته من الطريق شرطا لتركيع المنطقة وشطب عناصر المقاومة فيها.

هل دخلنا في السياسة وتركنا ملف الهجمات المتكررة على الإسلام؟ كلا، والسبب أن حديث جورج بوش والمحافظين الجدد عن الحرب الصليبية وعن الإرهاب الإسلامي لا يمكن أن يخرج في الوعي الإسلامي عن دائرة الحرب على الإسلام نفسه، ولن ندخل في نقاش حول صحة هذا الاعتقاد من عدمه، لأن ما يعنينا هو أن الوعي الجمعي للمسلمين قد ربط بينهما وانتهى الأمر، أكان محقا في ربطه أم لا، مع أننا نرى أنه محق بالفعل، بدليل كلام فولر.

ولا قيمة هنا للحديث عن ترحيب الأميركان بأنواع معينة من الإسلام، لأن المسألة هنا تتعلق بالتدرج في الحرب، ولو نجحت الحرب على الإسلام "الحركي" أو المقاوم، وقبله الإسلام الإرهابي أو المسرف في العنف بحق وبغير حق، فإن الإسلام التقليدي الذي ينخرط في حرب النوع الأول لاعتبارات فقهية، والأغلب مصلحية، لن يكون بمنأى عن التحجيم، لأن الفكرة السائدة هي أن التدين، بصرف النظر عن لونه هو بالضرورة قنبلة متفجرة يمكن أن تنتج الإرهاب والمقاومة في أي لحظة، وقد سبق أن فعل ذلك الإسلام الصوفي خلال حقبة الاستعمار، كما سبق أن خرجت السلفية الجهادية من تحت عباءة السلفية التقليدية.

"
موجة استهداف الإسلام ونبيه خلقت ردة فعل قوية تتمثل في مزيد من الانحياز للدين والدفاع عنه وعن معتقداته، وهنا ينبغي القول إنه ما من دين يعتز به أتباعه ويدافعون عنه ويعلنون انتماءهم له كما هو الإسلام
"
نأتي هنا إلى أشكال الحرب الأخرى التي يشنها الغرب على الإسلام والظاهرة الإسلامية، ومن بينها الرسوم المسيئة للرسول، وحديث البابا عن الإسلام، إلى جانب الأفلام والكتب التي تصدر هنا وهناك ضد الإسلام، فضلا عن المعركة ضد الحجاب والمظاهر الإسلامية، وفوق ذلك كله حرب المناهج والمدارس الدينية، التي قلنا إنها تتزامن مع الحرب المباشرة الأخرى كما تتجلى في العراق وأفغانستان وفلسطين.

هنا يمكن القول إن الجوانب الإيجابية لهذه المعارك تبدو كثيرة، لعل أهمها هذا الوعي الجمعي الذي صنعته بين جماهير الأمة، أو لنقل تكريسها لمصطلح الأمة الإسلامية في الواقع رغم توزع المسلمين على عشرات الدول (لا أعني فقط الدول المسماة إسلامية).

هذه القضية ليست عادية بحال، إذ إنها تكرس شكلا من أشكال الوحدة التي تتمرد على معضلة الاتصال الجغرافي، لكن الأهم هو ما تخلقه من انتماء للدين نفسه، وانحياز لمعتقداته وبرامجه في التغيير وفي الحياة.

وهنا ينبغي الاعتراف بأن هذه الصحوة الدينية المتوفرة في أوساط المسلمين هي من القوة بحيث لم تعرف منذ قرون طويلة، وهذا الكلام لا يقال من باب المبالغة.

لقد خلقت هذه الموجة من الاستهداف ردة فعل قوية تتمثل في مزيد من الانحياز للدين والدفاع عنه وعن معتقداته، وهنا ينبغي القول إنه ما من دين يعتز به أتباعه ويدافعون عنه ويعلنون انتماءهم له كما هو حال الإسلام.

من السهل اليوم أن تعثر على عشرات الآلاف من أمهر الأطباء والمهندسين والعلماء والمبدعين الذين يعيشون في الغرب ويتحدثون لغته ويجارون أفضل عقوله، من السهل أن تعثر على هؤلاء في حالة انتماء ودفاع، بل وتبشير بقيم الإسلام كما لا تجد له مثيلا في أي دين آخر.

في السياق نفسه ثمة أثر إيجابي للحملات المذكورة على الجاليات الإسلامية في الغرب، ليس فقط لجهة تمسكها بهويتها واعتزازها بها، بل أيضا لجهة سعي بعض أبنائها إلى العمل على تقديم الإسلام بصورته الفضلى، أي تعميق البعد الرسالي في حياتهم ووجودهم في الغرب، وليس الاكتفاء بالعمل وجمع المال والتمتع بالحياة.

لا يتوقف الأمر عند ذلك، بل يتجاوزه إلى ما تؤدي إليه الهجمات المتواصلة من حفز لطاقة الإبداع في العقل المسلم في اتجاه المزيد من استخدام وسائل الاتصال الحديثة من إنترنت وسواه في شرح الإسلام وقيمه وتعاليمه، وقد شهدنا في السنوات الأخيرة العديد من البرامج الرامية إلى تقديم الإسلام وتعاليمه للغرب والبشرية جمعاء بشتى اللغات، بصرف النظر عن الرأي في بعضها، وكونها محاولات ستنضج بمرور الوقت.

هناك بالطبع جانب إيجابي يتمثل في ما تثيره المعارك الكثيرة هنا وهناك من فضول لدى الغربيين وسواهم في التعرف على الإسلام. نقول ذلك لأن إثارة اهتمام الآخرين وفضولهم هي المدخل لتقديم الإسلام لهم، لاسيما أنه الوحيد القادر على تقديم نص مقنع يعالج جميع المشكلات الإنسانية في أبعادها الحديثة.

لا يعني ذلك أن الأوضاع كلها عشرة على عشرة كما يقول إخوتنا المصريون، فما زال بيننا وبين تقديم الإسلام للغرب وللناس أجمعين على نحو مقنع ينسجم مع روعته زمن لا ندري مداه، وهو الزمن الذي سيفضي إلى توافق مفكري الأمة وعلمائها على نص أو تصور للدين تلتقي عليه أفضل العقول ويمكن أن نقدم من خلاله الإسلام للبشرية.

"
إيجابيات مسلسل الحملات الظالمة على الإسلام لا تزال أكبر من السلبيات، لكن ذلك لا يعني دعوة للاسترخاء بقدر ما هي دعوة من أجل المزيد من العمل الجاد والمخلص لتخليص الظاهرة الإسلامية من الشوائب التي تحول بينها وبين تقديم دينها العظيم للبشرية
"
نقول ذلك لأن هناك تصورات للدين متوفرة في أوساط المسلمين لا تعبر عن جوهره الرائع، ولا يمكن أن تكون قادرة على إقناع الآخرين به، وإذا لم يجر تهميشها لصالح التصورات الوسطية المقنعة، فإن الأزمة ستبقى في نطاق المسلمين أنفسهم، ولن يكونوا قادرين على تقديم دينهم العظيم للبشرية.

على أن هذه الفوضى، إن جاز التعبير، وهي فوضى ستتلاشى بمرور الوقت وذهاب الزبد ومكوث ما ينفع الناس في الأرض، هذه الفوضى لا تحول بين الناس واعتناق الإسلام الذي تؤكد المصادر العالمية أنه الدين الأكثر انتشارا في العالم رغم واقع أمته البائس في مواجهة التفوق الغربي، ورغم قرون من الحملات العسكرية والفكرية والدينية عليه، فضلا عن كونه الدين الأكثر انتشارا بين أهله، بمعنى الالتزام، إذ يعلم الجميع أن المؤمنين بالمسيحية الملتزمين بتعاليمها في الغرب المسيحي ما يزالون قلة قليلة، بينما لا يجد أكثرهم أي أثر لها في حياتهم.

نعود إلى القول إن إيجابيات مسلسل الحملات الظالمة على الإسلام ما تزال أكبر من السلبيات، لكن ذلك لا يعني دعوة للاسترخاء، بقدر ما هي دعوة من أجل المزيد من العمل الجاد والمخلص لتخليص الظاهرة الإسلامية من الشوائب التي تحول بينها وبين تقديم دينها العظيم للبشرية، فضلا عن العمل على تكريس الفعل المقاوم للهجمة على الأمة، ومعها الجهد الفكري والعملي الذي يحمل رسالة الإسلام الرائعة للآخرين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك