بدر حسن شافعي

- الفدرالية وتفتيت دولة القمر
- الدور الفرنسي
- الدور الأفريقي
- الدور العربي المنشود

الأزمة الأخيرة التي شهدتها جزر القمر ممثلة في التمرد الذي أعلنه حاكم جزيرة أنجوان محمد بكر على نظام الرئيس الفدرالي أحمد عبد الله سامبي، ثم انتهاء الأزمة بصورة سريعة متوقعة بسبب دعم بعض القوات الأفريقية للقوات القمرية بتأييد فرنسي، ثم فرار بكر إلى جزيرة مايوت التابعة لفرنسا، ومنها إلى جزيرة لارينيون الفرنسية أيضا، يكشف عن مجموعة من الأمور التي ينبغي التأمل فيها من خلال تلك الأحداث السريعة.

تلك الأمور بعضها عام يتعلق بإشكالية الدولة الوطنية في أفريقيا، وعلاقة فكرة الفدرالية بالاستقرار السياسي، أو بمعنى آخر علاقة المركز بالأطراف، أو العاصمة بالأقاليم، وبعضها الآخر يتعلق بحدود الدور الخارجي ومدى تأثيره في مجريات الأحداث الداخلية، وثالثها يتعلق بمستقبل الأوضاع في تلك الدولة الاتحادية التي شهدت أكثر من عشرين انقلابا منذ استقلالها عن فرنسا عام 1975.

"
يمكن تفسير أسباب سعي جزيرة أنجوان أكثر من مرة للانفصال وعدم انصياعها للنظام المركزي في موروني، بالمزايا النسبية التي تتمتع بها مقارنة مع الجزيرتين الأخريين، إذ هي الأغنى بمواردها وقدراتها الاقتصادية
"
الفدرالية وتفتيت دولة القمر
يلاحظ بصفة عامة أن ضعف القيادة المركزية تجعل خيار اللامركزية (الفدرالية) يؤدي إلى تفتيت الدولة والاستعانة بقوى أجنبية قد تكون لها أجندتها الخاصة، في سبيل تحقيق الاندماج القسري.

ويلاحظ أن المطالبة بالنظام الفدرالي بصفة عامة تحدث في حالة وجود تعددية إثنية، خاصة مع وجود موارد ضخمة، ومن ثم فإن كل إقليم قد يسعى للحصول على أكبر قدر من الحكم الذاتي عن السلطة المركزية على غرار نيجيريا، أو السودان في الوقت الراهن، وإلا سيكون البديل هو محاولة الانفصال كتلك التي حدثت بالنسبة لإقليم بيافرا في الجنوب الشرقي من نيجيريا بين 1967 و1970، أو التي حدثت في جنوب السودان بين 1983 و2005.

لكن في جزر القمر، فإن التعددية الإثنية ليست على نفس القدر من الخطورة الموجودة في دول أخرى، حيث يلعب العامل الديني دورا هاما في هذا الشأن، فغالبية السكان يدينون بالإسلام على المذهب الشافعي، كما أن هناك بعض المقومات التاريخية والثقافية المشتركة.

غير أن الأخذ بنظام الفدرالية، والحرص عليه في جزر القمر يرجع لاعتبارين:

الأول سياسي، يتمثل في رغبة بعض القادة السياسيين في الاستئثار بالثروات الموجودة في أماكن سيطرتهم، دون توزيعها مركزيا.

وهنا يمكن تفسير أسباب سعي جزيرة أنجوان تحديدا للانفصال أكثر من مرة، وعدم انصياعها للنظام المركزي في موروني، بالمزايا النسبية التي تتمتع بها مقارنة مع الجزيرتين الأخريين (القمر الكبرى وموهيلي)، إذ هي الأغنى بمواردها وقدراتها الاقتصادية.

فهذه الجزيرة يعتمد اقتصادها على تصدير الزهور والزيوت العطرية إلى كبرى مصانع العطور في باريس، كما أنها تشهد رواجا واضحا في صناعة السياحة التي تشكل أحد الموارد الرئيسية للدخل القومي جنبا إلى جنب مع الزراعة وتحويلات العمالة القمرية في الخارج.

وتعد أنجوان الميناء الرئيسي لجزر القمر في المياه العميقة، ومن ثم فهي تسيطر على طريق التجارة الدولية، ولاسيما عبر قناة موزمبيق التي لا تزال حيوية لمسارات التجارة حول مناطق الجنوب الأفريقي.

الثاني العامل الجغرافي، على اعتبار أن الدولة عبارة عن جزر منفصلة في المحيط الهندي، مما يجعل الاستمرار تحت نظام حكم مركزي واحد أمرا صعبا على حكام تلك الجزر.

ولعل هذا ما دفع حاكم جزيرة أنجوان المخلوع سعيد عبيد الذي وقع انقلاب ضده برئاسة محمد بكر في أغسطس/آب 2001، إلى الحرص على التأكيد على فدرالية الدولة وإعطاء كل جزيرة حكما ذاتيا فيما يتعلق بالأمور الداخلية باستثناء قضايا الدفاع والتمثيل الخارجي.

وهذا ما تم تضمينه في اتفاق فومبوني عاصمة جزيرة موهيلي للمصالحة الوطنية في فبراير/شباط 2001، والمطالبة بتضمين ذلك في الدستور أيضا.

ولقد اعترضت منظمة الوحدة الأفريقية في حينها على فكرة الحكم الذاتي، لأنها يمكن أن تؤدي إلى تنامي النزعة الانفصالية، كما حدث بعد حوالي ستة أشهر تقريبا من الاتفاق، وكان ضحيته سعيد عبيد حاكم أنجوان ذاته.

ولعل ذلك يفسر أسباب تأكيد الدستور القمري الذي تم إقراره عام 2001 على مبدأ الفدرالية، وتغيير اسم البلاد لتصبح اتحاد جزر القمر، وإعطاء قدر أكبر من الحكم الذاتي للجزر الثلاث، باستثناء خمسة أمور هي من صميم اختصاص الرئيس الاتحادي، وهي قضايا الدين والعُملة والجنسية والعلاقات الخارجية والدفاع، أما فيما يتعلق بالصلاحيات المشتركة فيتم تنظيمها من خلال قانون لاحق.

لكن ظهرت أزمة بين المركز والأطراف خلال السنوات الثلاث اللاحقة لإقرار الدستور بسبب الخلاف حول الصلاحيات، خاصة فيما يتعلق برغبة جزيرتي أنجوان وموهيلي في أن يصبح لهما جيش خاص بهما، وهو الأمر الذي رفضه الرئيس سامبي بشدة، على اعتبار أن ذلك يتناقض مع طبيعة النظام الفدرالي.

فليس للولايات الأميركية مثلا جيوش منفصلة ونفس الأمر في نيجيريا وغيرها، علاوة على أن هذا الطرح "غير المنطقي" من شأنه زعزعة استقرار البلاد، خاصة وأن الجيش المركزي ذاته لا يزيد عدد قواته عن ألفي جندي وضابط، مع ضعف قدراته التسليحية بصفة عامة (لا يملك الجيش طائرة واحدة).

الثالث وضع جزيرة مايوت "القمرية" تحت السيطرة الفرنسية، والمعونات الضخمة التي تقدمها فرنسا لسكان الجزيرة، مما أدى إلى ارتفاع مستوى دخل الفرد عدة أضعاف عن مستوى نظيره في الجزر الثلاث الأخر.

وهذا ما يجعل حكام هذه الجزر -خاصة أنجوان- أمام خيارين: إما الاستقلال التام والانضمام إلى جزيرة مايوت، أو بمعنى آخر الحصول على الرعاية الفرنسية، وإما استمرار الرابطة الفدرالية الشكلية، مع الاحتفاظ بدرجة من الاستقلال الفعلي، وفي حالة حدوث أي أزمة مع المركز، فإن البديل هو عدم الانصياع.

وهذا هو ما حدث في الأزمة الأخيرة عندما رفض العقيد بكر قيام الرئيس سامبي بتعيين خليفة له بعد انتهاء مدته القانونية، وقيامه بإجراء الانتخابات في يونيو الماضي.

ومن هنا يمكن القول بأن النظام الفدرالي قد يساهم في تقوية الدولة المركزية كما هو الحال في الولايات المتحدة على سبيل المثال، أو حتى في بعض الدول الأفريقية مثل نيجيريا التي تتكون من 36 ولاية، لكنه قد يؤدي إلى حدوث حالة من عدم الاستقرار السياسي كتلك التي تشهدها جزر القمر، بسبب ضعف النظام المركزي في موروني، خاصة في المجال الأمني.

"
تسوية الأزمة الأخيرة في جزيرة أنجوان ما كان لها أن تؤتي ثمارها بهذه السرعة لولا تأييد فرنسا للتسوية العسكرية التي أقرها الرئيس سامبي بتأييد الاتحاد الأفريقي، ولولا تعهد باريس بنقل القوات الأفريقية إلى موقع الأحداث
"
الدور الفرنسي
ولعل هذا الضعف الواضح في النظام المركزي قد يدفع النظام ذاته إلى الاستقواء بالخارج، أو قد يدفع الخارج في المقابل إلى التدخل من أجل الإطاحة بالنظام، ليس من خلال الجيوش، ولكن من خلال بعض المرتزقة، حيث إن العملية الانقلابية تكون مضمونة إلى حد كبير.

ولعل هذا يفسر ماهية الدور الفرنسي تحديدا، ليس في الأزمة الأخيرة فحسب، ولكن منذ استقلال البلاد عنها عام 1975، إذ إن فرنسا ترغب في استمرار تبعية جزر القمر لها دون تكلفة، وهي السياسة التي رفعتها الحكومة الاشتراكية من قبل، والمبدأ نفسه الذي سار عليه الرئيس جاك شيراك.

لذا لا غرابة في أن تساعد فرنسا على تأييد الانقلابات وحركات التمرد، ثم تقوم بإقناع المتمردين التابعين لها بإنهاء الانقلاب، كما تم مع المرتزق الراحل بوب دينار (كان يعمل ضمن قوات الجيش الفرنسي قبل استقلال الجزيرة) الذي تم ترحيله إلى باريس بعد إنهاء الانقلاب الذي قاده وتم إجراء محكمة شكلية له هناك.

ويلاحظ كيف أن سبب هذه الانقلابات يرجع إلى توجهات معينة للنظام القمري (الرغبة في التوجَّه صوب العراق، كما حدث مع الرئيس أحمد عبد الله عام 1989، أو إيران كما حدث مع الرئيس سعيد جوهر عام 1995)، بل إن التوجُّه الإسلامي للرئيس المنتخب تقي الدين عبد الكريم الذي وصل للحكم عام 1996، والذي قام بتعديل الدستور والنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، دفع فرنسا إلى دعم حركة التمرد في كل من جزيرتي أنجوان وموهيلي عام 1997.

وبالرغم من تصريح فرنسا الرسمي بأنها تعارض عمليتي الاستفتاء اللتين تمتا في الجزيرتين في أكتوبر/تشرين الأول من نفس العام، وأسفرتا عن تأييد الأغلبية لمبدأ الانفصال، فإنها لم تتدخل لقمعهما، بل استمرَّ الحال كذلك حتى ضعف موقف النظام الذي فشل في القضاء على حركتي التمرد عسكريًّا بسبب ضآلة قدرته التسليحية.

وأدى الأمر في النهاية إلى انقلاب الرئيس غزالي عثمان على الرئيس تقي في مايو/أيار 2000، وبعدها مباشرة لعبت فرنسا دورا مهما في تحقيق المصالحة بعدما اطمأنت إلى توجهات غزالي.

وتهدف فرنسا من سياستها هذه إلى تحقيق أمرين أساسيين:
1- الحفاظ على قواعدها العسكرية في جزر القمر التي تُعَدّ موقعًا إستراتيجيًّا هامًا على طريق التجارة بين دول آسيا وجنوب القارة الأفريقية، خاصة أن القاعدة العسكرية الفرنسية هناك هي الثانية في شرق القارة بعد جيبوتي التي توجد بها أكبر قاعدة عسكرية فرنسية على مستوى القارة الأفريقية كلها.

2- الحيلولة دون وجود أية منافسة أجنبية في هذا الموقع الحيوي، ولذا يُرْجع بعض المحللين تشجيع فرنسا الضمني لحركتي التمرد في أنجوان وموهيلي عام 1997 إلى التوجهات الخارجية للرئيس تقي عبد الكريم تجاه الولايات المتحدة التي أسفرت عن توقيع الشركات الأميركية عقود استثمار في المشاريع السياحية في الجزيرة تبلغ قيمتها ستمائة مليون دولار (هذا المبلغ يعادل ثلاثة أمثال الناتج القومي للبلاد).

لذا لا غرابة في أن تقوم باريس بالتلويح لأهالي أنجوان وموهيلي بإمكانية عودتهم إليها مرة أخرى، بل قامت أثناء وقوع حركتي التمرد بإرسال مجلة سياسية من جزيرة لارينيون التابعة لها في المحيط الهندي لتوزيعها بدون مقابل على الأهالي، وكان يتصدر صفحاتها الحديث عن الوضع الاقتصادي المتردي لهاتين الجزيرتين في عهد الرئيس تقي عبد الكريم.

ومن هنا، فإن تسوية الأزمة الأخيرة في جزيرة أنجوان ما كان لها أن تؤتي ثمارها بهذه السرعة لولا تأييد فرنسا للتسوية العسكرية التي أقرها الرئيس سامبي بتأييد الاتحاد الأفريقي، ولولا تعهد باريس بنقل القوات الأفريقية إلى موقع الأحداث.

ويبدو أن هذا التحول الفرنسي يرجع إلى الرغبة في كسب ود الرئيس سامبي، خوفا من ارتمائه في أحضان إيران التي درس فيها النظرية السياسية الإسلامية، وحصل منها على لقب آية الله.

هذا الخوف من إمكان قيام دولة إسلامية متطرفة من وجهة نظر فرنسا هو الذي دفعها إلى التدخل لمساعدة سامبي، وفي نفس الوقت عدم تسليمه حاكم أنجوان، لأنه يمكن استخدامه كورقة ضغط عند اللزوم في حالة عدم انصياع سامبي للتعليمات الفرنسية.

"
رغم أن النظام القمري المركزي تمكن من حسم الأزمة لصالحه بصورة سريعة، فإن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال عودة الاستقرار والهدوء إلى البلاد، لأن أسباب الأزمة لا تزال قائمة
"
الدور الأفريقي
لقد توفرت مجموعة من العوامل ساهمت في إعلان الاتحاد الأفريقي استعداده للتدخل العسكري لفرض السلام للمرة الأولى منذ نشأته قبل ست سنوات أبرزها ما يلي:
1- ضآلة القدرات التسليحية لجزيرة أنجوان.
2- التأييد الفرنسي للنظام، فضلا عن إبداء فرنسا استعدادها لنقل القوات الأفريقية إلى أرض المعركة.

3- رئاسة تنزانيا للدورة الحالية للاتحاد، لأن تنزانيا تعد من أقرب الدول الأفريقية لجزر القمر، فضلا عن وجود صلات قوية بين شعبي البلدين، ولقد تم تأسيس الحركة الوطنية القمرية بين أبناء الجزر المقيمين في تنزانيا عام 1962. ومن هنا لعبت تنزانيا دورا في استصدار قرار من الاتحاد بالتدخل لفرض السلام، وأعلنت استعدادها للمشاركة بقوات في عملية التدخل.

4- رغبة الاتحاد في تعويض فشله في تسوية أزمة دارفور، ومن بعدها أزمة الصومال، عبر التدخل لإنهاء تمرد جزيرة أنجوان بالرغم من أن مهمته الأساسية في دارفور والصومال هي حفظ السلام وليس فرضه، ومعروف أن عملية فرض السلام أصعب بكثير من حفظ السلام، لأنها تتطلب قدرات تسليحية ضخمة، فضلا عن أعداد كبيرة من القوات.

لكن ضعف القدرات الأمنية للنظام القمري المركزي، فضلا عن الأقاليم، ساهم في إنهاء التمرد في أقل من يومين، لكن هذا النجاح المؤقت ليس معناه أن القوات الأفريقية قادرة في ظروفها الراهنة على تسوية أية نزاعات أخرى.

وهذه إشكالية كبيرة ناقشها الاجتماع الثاني لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد في أديس أبابا مؤخرا، حيث تم البحث في تفعيل فكرة وجود قوات أفريقية جاهزة للتدخل السريع في أقاليم القارة الخمسة.

الدور العربي المنشود
بالرغم من أن النظام القمري المركزي تمكن من حسم الأزمة لصالحه بصورة سريعة، فإن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال عودة الاستقرار والهدوء إلى البلاد، لأن أسباب الأزمة لا تزال قائمة.

فحاكم أنجوان لا يزال موجودا، ويمكن أن يعود من جديد، كما أنه في حالة عدم عودته، قد يظهر قادة للتمرد غيره، كما أن استمرار الضعف الشديد في النظام المركزي –خاصة في الجانب الأمني- قد يدفع الداخل أو الخارج إلى الإطاحة به في أي وقت، وبسهولة شديدة.

وهنا تبرز أهمية وجود دور عربي فاعل في تدريب الجيش القمري، وتزويده بالسلاح لا لمواجهة الدول الخارجية، حيث إن موقع الدولة في المحيط الهندي، وقربها من مدغشقر قد حفظها من خطر الخارج، لكن المشكلة في خطر الداخل المدعوم من الخارج.

فالنظام الحاكم لن يستطيع بناء قدراته بنفسه في ظل موازنة عامة تقدر بمائتي مليون دولار فقط، ومن ثم فقد آن الأوان للعرب أن يكون لهم دور بارز في دعم هذا النظام العربي الأصيل بعدما باؤوا بالفشل في الأزمات الكبرى كفلسطين والعراق وأخيرا وليس أخرا لبنان. فهل يتحرك العرب؟ نأمل ذلك.
__________________
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك