منير شفيق

إن الوضع العربي منذ تشكل الجامعة العربية أو منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى فالثانية كان في الغالب في حالة انقسام متعدد الأوجه، بما في ذلك تشكل محاور متواجهة أو حالة محورين كبيرين (تاريخيا محورا مصر والعراق).

"
الاختلاف على مجمل السياسات العربية يخفي وراءه ما حدث من تغيير في ميزان القوى وما نجم عنه من تغيير في دور كل دولة عربية ومكانتها في المعادلة الجديدة
"
أما حالات التوافق فلم تظهر إلا في قرارات الجامعة العربية والقمم العربية ظاهرا أو تقاطعا، والدليل عدم تطبيق ما يتفق عليه، أو العودة فورا، وقبل أن يجف حبر البيان أو القرار الذي اتفق عليه إلى وضعية الخلاف أو الانقسام.

ثمة سببان رئيسيان لحالة الانقسامات في الوضع العربي: الأول طبيعة التجزئة العربية أو طبيعة دول الاستقلال المجزأة، مثل ما ولدته طبيعة التجزئة من تنافس على الزعامة والقيادة بين الدول الكبيرة أو المتوسطة من جهة، وما ينشأ من تناقض عند محاولة الشقيق الكبير احتواء الصغير في وقت يسعى فيه الأخير إلى أن يمارس الندية التي تنبع من كونه دولة مستقلة ذات سيادة، كما يعترف له بذلك ميثاق الجامعة العربية وميثاق هيئة الأمم المتحدة، فضلا عن الإستراتيجيات الدولية التي تذهب إلى التعامل مع كل دولة على حدة، لأن التعامل مع الدول العربية كتلة واحدة يعني التعامل مع قوة كبرى عصية على الإملاءات.

العامل الثاني هو ميزان القوى العالمي والإقليمي الذي تتحكم فيه إستراتيجيات الدول الكبرى ومصالحها وسياساتها بما يعني أن التوحد بين الدول العربية ولو على مستوى التضامن إزاء القضايا والتحديات الوجودية أو السياسية ولاسيما قضية فلسطين، كالتوحد على مستوى تشجيع العلاقات الاقتصادية البينية أو نشوء سوق عربية مشتركة يتعارضان مع تلك الإستراتيجيات والمصالح والسياسات.

ومن ثم يحتاجان إلى الدخول في التحديات إذا أريد الذهاب باتجاه التضامن واتخاذ موقف مشترك حتى لو لم يترجم عمليا، وبقيت كل دولة على سياستها بمعزل عن الدول الأخرى.

وقولا واحدا، إن ميزان القوى العالمي كالإقليمي وما يتولد عنه من مناطق نفوذ وهيمنة وسيطرة يزيد من تفاقم طبيعة التجزئة باتجاه الانقسامات والصراعات العربية.

فهذان العاملان هما اللذان يفسران فشل الجامعة العربية في تحقيق الحد الأدنى من قراراتها، وهما اللذان يفسران حالات الانقسام، ومن ثم الضعف والعجز وفشل التنمية والنهوض.

ولكن في المقابل هناك تعارض بين حالة التجزئة وحالة الأمة الواحدة، وثمة تعارض بين المصلحة العربية العامة وحالة الانقسام والافتقار إلى التضامن والعمل المشترك.

وهذان العاملان، عامل الأمة العربية الواحدة والمصالح العربية العليا، المترجمان من خلال رأي عام عربي ووعي شعبي في مصلحتهما، أوجبا إبقاء "شعرة معاوية" بالنسبة إلى التضامن وإصدار بيانات مشتركة أو إلى انعقاد القمم العربية وعدم التسليم بأن ترسم كل دولة سياساتها منعزلة عن الأخريات.

من هنا يمكن أن ندرك أسباب بقاء الجامعة العربية واستمرار انعقاد القمم العربية، وتبني كل دولة ولو لفظيا سياسة التضامن والعمل العربي المشترك، في حين أن الغالب هو حال الانقسامات والصراعات العربية والاتجاه نحو تفرد كل دولة في رسم إستراتيجيتها السياسية والاقتصادية والتعليمية والإعلامية وصولا إلى تكريس هوية خاصة يراد لها أن تطغى على هوية الأمة العربية والإسلامية، بالرغم من أضرار ذلك عليها وعلى الوضع العربي العام.

ولهذا ما نشهده اليوم في الوضع العربي ليس بالجديد أو الاستثنائي، وإن حمل خصوصيته قياسا بالحالات التي مرت بها الأوضاع العربية من التوافق في بيانات القمم العربية أو مجالس الجامعة العربية جنبا إلى جنب مع أشد الانقسامات والصراعات من قبلها وفي أثنائها ومن بعدها.

هذه الخصوصية يجب أن تقرأ باعتبارها ظاهرة عامة من جهة، ولكن لا بد من أن تفهم في إطار الظرف الراهن قـُطريا وإقليميا وعالميا، وما يتسم به من موازين قوى، وما يطرأ من متغيرات على تلك الموازين.

ولكن بالقدر الذي نغرق به في تناول سمات الخلافات في الوضع الراهن، أو في أية مرحلة سابقة أو لاحقة، يجب أن تظل الأسباب الأساسية المذكورة أعلاه حاضرة، لكي نظل متأكدين أن لا مخرج للوضع العربي من أزماته ما لم تعالج إشكاليتا التجزئة العربية والهيمنة الخارجية.

إن أول ما تتسم به الخلافات العربية في الظرف الراهن يتمثل في سرعة تقلب المواقف في القضية الواحدة من سنة إلى سنة، بل من شهر إلى شهر إن لم يكن من أسبوع إلى أسبوع.

وهذا راجع في جزء منه إلى ما حدث من اختلال في ميزان القوى مع نهاية 2006 في غير مصلحة أميركا والكيان الصهيوني، مما أحدث تغييرات عميقة في الوضع العربي الذي واجه بعد 11/09/2001 هجمة أميركية إسرائيلية عسكرية استهدفت إعادة صوغه جذريا تحت شعار بناء "الشرق الأوسط الكبير"، إذ تعرض لحرب شنها شارون على الشعب الفلسطيني منذ أبريل/ نيسان 2002، ولم يكن بعد قد انقشع دخان حرب العدوان على أفغانستان.

ثم شنت أميركا حربها على العراق وقامت باحتلاله إلى جانب الضغوط السياسية على كل الدول العربية، ثم شنت إسرائيل حرب عدوان يوليو/ تموز 2006 على لبنان، مع استمرار الحرب على الفلسطينيين حتى اليوم.

لكن مع نهاية 2006 كانت تلك الهجمة قد منيت بالإخفاق في كل المواقع المستهدفة، أو دخلت قوات الاحتلال في نفق لا مخرج لها منه إلا بالهزيمة.

ولعل تحديد نهاية 2006 لإقفال تلك المرحلة يعود إلى الضربة القاسية التي تلقتها إدارة بوش في الانتخابات النصفية للكونغرس حين فقد الجمهوريون أغلبيتهم في مجلسيه، مما ترك الرئيس بطة عرجاء، تجرجر مسلسل الفشل والإخفاق وسوء السمعة.

ولم يكن انعكاس تلك المحصلة بين 2001 و2006 بمختلف على وضع الكيان الصهيوني ولاسيما مع تقرير فينوغراد الأول الذي كرس هزيمة الجيش في حرب يوليو/ تموز 2006، وحمل رئيس الوزراء إيهود أولمرت المسؤولية فضلا عن عدد من الجنرالات الذين قدموا استقالاتهم ومعهم وزير الدفاع بيريتس.

وقد ترك ذلك أولمرت في وضع المستقيل عمليا، كما ترك قيادة الجيش في حالة ارتباك، وقد زاد الطين بلة بعد أن تبين أن الجيش يقف الآن عاجزا عن احتلال قطاع غزة، بعد أن حاول مرتين بفشلين متتاليين أسقطا التهديد باجتياح القطاع.

"
المضي بالمفاوضات ضمن سقفها الحالي، يعني إسقاط حق العودة وقبول التعويض ويهودية الدولة (إسقاط حقوق العرب المسلمين والمسيحيين) كما يعني التساؤل عن أي جزء من القدس الشرقية سيكون من نصيب الدولة الفلسطينية؟
"
ثم لو تخذنا مثلا حادث إرسال البارجة كول لتقف قبالة الشواطئ اللبنانية والسورية ثم بعد أربعة أيام حولت إلى منطقة الخليج، لأمكن ملاحظة التخبط في مراكز القرار الأميركي، إذ بعد أن ذهبت أغلب التحليلات إلى تفسير هذه الخطوة (وقوف كول أمام الشواطئ اللبنانية والسورية) وإبعادها باعتبارها جزءا من خطة متكاملة وإذا بها تحول إلى الخليج من دون أن يعوض عن ذلك إرسال فرقاطتين أميركيتين مكانها.

فلو كان القرار مدروسا ولم يكن ارتجاليا لأرسلت الفرقاطتان منذ البداية، ولكان لهما عندئذ الأثر الذي كان للبارجة كول، أما بعد ذلك فلم يعد أحد يلتفت إليهما.

من يتابع السياسات الأميركية في العراق منذ 2007 حتى الآن سيلحظ تخبطا مماثلا في التعامل السياسي مع مختلف القوى العراقية، مما أفقد الثقة بالسياسة الأميركية حتى من أقرب المقربين ممن جاؤوا في ركب دبابات الاحتلال، أو من أملوا لاحقا تغيير أميركا لاتجاه تحالفاتها العراقية.

هذا الاختلال في ميزان القوى لا يقتصر على المثلين السابقين غير الحصريين، لأن ظاهرة التخبط عامة ولاسيما فيما يتعلق بالحرب على إيران. وهذا هو ما أعاد النقاش حادا مرة أخرى حول هل ثمة حرب على إيران أم لا. وقد تقاربت الإجابتان لتكونا فرسي رهان إن لم ترجح الحرب.

أما المشكل هنا في تخبط إدارة بوش بعد أن فشلت إستراتيجية المحافظين التي سادت من 2001 إلى 2006 فيعود إلى عدم القدرة على تبني إستراتيجية بديلة تحدد أولوية، وإنما راحت تتخبط بين الدفاع والهجوم والتراجع والتقدم في كل الساحات التي تواجهها، مما جعل توقع الخطوة التالية في كل أزمة تواجهها متراوحا بين احتمالين وأكثر.

وهذا عكس ما تكون عليه الحال عندما تكون ثمة إستراتيجية حددت أولوياتها، وراحت تخضع سياساتها في كل المواقع الأخرى لخدمة تلك الأولوية، لأن الانتصار فيما يحدد من أولوية يقرر مصير الانتصار في المواقع الأخرى أو يزيد من احتماله.

هذه المعادلة وضعت عددا من الدول العربية بين المطرقة والسندان أي بين السياسات الأميركية المرتجلة مع بقاء الوهم أن واشنطن ما زالت فعالة لما تريد من جهة، وبين اختلال ميزان القوى الذي مال في مصلحة قوى المقاومة والممانعة والمعارضات الشعبية من جهة أخرى.

وهذا ما يفسر تقلب المواقف في القضية الواحدة خلال 2007 و2008، والأمثلة كثيرة.

لنأخذ موقف مصر والسعودية من القمة العربية في دمشق، وذلك قبل الهجوم الأخير على غزة وبعده، ثم مع انعقاد القمة حتى الآن.

فقبل الهجوم المذكور اتجهت السياسات إلى وضع الشروط لانعقاد القمة، ومالت المساعي إلى تأجيجها، ثم بعد الهجوم على القطاع وأثناء انعقاد مجلس الجامعة العربية تم التوافق على عقد القمة والمشاركة فيها، واتفق حتى على عدد من بنود جدول أعمالها.

ثم قبيل انعقاد القمة ارتبط مستوى المشاركة فيها بانتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية من دون اشتراط الاتفاق على حكومة الوحدة الوطنية والانتخابات القادمة في الآن نفسه، كما نصت المبادرة العربية.

طبعا الخلاف هنا في ظاهره بدا حول انتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية أولا وقبل كل شيء، ولكنه في الحقيقة يشمل كل السياسات العربية، وهو ما عبرت عنه بعض الصحف المصرية، كتلك المقربة من السعودية. وذلك بتركيز الهجوم على علاقة سوريا بإيران وسياسات إيران لا في لبنان فحسب، وإنما أيضا في العراق والقضية الفلسطينية وغيرها.

هذا الاختلاف حول مجمل السياسات العربية يخفي وراءه ما حدث من تغيير في ميزان القوى وما نجم عنه من تغيير في دور كل دولة عربية ومكانتها في المعادلة الجديدة.

أما المثال الآخر فيلحظ في الموقف من الرئيس الفلسطيني محمود عباس وحكومته وسياسة المفاوضات الراهنة، بعد أحداث غزة وردود فعل محمود عباس عليها حين أغلق باب الحوار وأقال حكومة الوحدة الوطنية التي كانت من ثمرات اتفاق مكة، وجمد العمل بالنظام الداخلي المعدل مستعيضا بالمجلس المركزي بدلا من المجلس التشريعي، وشكل حكومة سلام فياض البعيدة حتى من فتح، والتي راحت تطارد خلايا المقاومة في الضفة الغربية تنفيذا لخريطة الطريق من جانب واحد (بدليل عدم توقف الاستيطان).

"
تمرير الاتفاق فلسطينيا (شعبيا وفصائليا) كمصير قطاع غزة فدونهما خرط القتاد، ولن يكون الأمر عربيا لاسيما شعبيا على غير ذلك، لأن ما يطبخ تصفية للقضية الفلسطينية وتلك طريق إلى انقسامات داخلية وعربية لم يسبق لها مثيل
"
أما الأهم فكان الإصرار على الدخول في مفاوضات سرية تستهدف التوصل إلى اتفاق نهائي حول القضية الفلسطينية، وقد تم كل ذلك بمعزل عن التشاور مع مصر والسعودية، مما وتر عمليا علاقات محمود عباس توتيرا صامتا بهما.

والدليل على ذلك موقف الدولتين من الحوار بين فتح وحماس بلا شروط لإنهاء الانقسام الفلسطيني، وعدم استجابة محمود عباس له.

أما الدليل الثاني فالعلاقات الثنائية من حيث الزيارات، وكان القليل منها يتسم بالتوتر الذي لم يعلن عنه، وإن تسربت معلومات متواترة حوله.

ولكن الموقف بدأ يتغير الشهرين الأخيرين، وعلى التحديد بعد اقتحام معبر رفح وتداعياته، حين أخذت العلاقات المصرية والسعودية بمحمود عباس تتعزز، ووصل الأمر إلى استقبال سلام فياض من قبل ملك السعودية عبد الله بن عبد العزيز، كما تمت زيارات محمود عباس لكل من القاهرة والرياض. وكان آخرها وأهمها زيارته الأخيرة لكل منهما تمهيدا لزيارته القادمة لأميركا.

المتغير الأهم والأخطر هنا ليس في تحسين العلاقات ودفئها بين كل من مصر والسعودية مع محمود عباس بهدف استعادتها لسقفها المعلن، وإنما ما أخذ يعلن من تأييد للمفاوضات الثنائية أو بالأدق الثلاثية بين عباس وكل من أولمرت وبوش.

فهذه المفاوضات التي انطلقت من وراء ظهر كل من السعودية ومصر واتسمت بالسرية، أصبحت الآن ضمن تفاهم كما تدل الزيارتان الأخيرتان اللتان قام بهما محمود عباس لكل من القاهرة والرياض.

وقد صدر عن الناطق الرسمي الفلسطيني تصريح يؤكد التفاهم التام حول المفاوضات التي سيجريها عباس مع بوش في زيارته القادمة، أي تحديد اللمسة الأخيرة للاتفاق.

المفاوضات المذكورة تتم وفقا لرؤية بوش لحل الدولتين وقد أوضحها أثناء زيارته الأخيرة عندما أكد الموقف من موضوع اللاجئين بإسقاط حق العودة، وإحالة القضية إلى تكوين "آلية دولية للتعويض" كما تتم وفقا لشروط أولمرت. وذلك حين أعلن عباس بمبادئه الستة "الإقرار بتبادل الأراضي والإقرار بأن تكون القدس الغربية عاصمة لإسرائيل، والقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية" ومن ثم فإن المفاوضات تدور وتتعقد حول أي جزء من القدس الشرقية سيعطى للدولة الفلسطينية.

فهذان الإقراران إلى جانب المضي في المفاوضات وفقا لرؤية بوش المترجمة إلى آلية دولية لتعويض اللاجئين والاعتراف بيهودية الدولة وما نشأ من وقائع جديدة على الأرض، يعنيان الهبوط بسقف المبادرة العربية الصادرة عن قمة بيروت 2002 دركات إضافية لا جدال فيها، بالرغم مما حملته المبادرة من هبوط عن السقف العربي السابق لها.

لو كان الأمر في العلاقة الجديدة مع محمود عباس منحصرا في مفاوضات ضمن سقف المبادرة العربية لكان عليه أن يلغي زيارته لواشنطن، وليس المضي بالمفاوضات ضمن سقفها الحالي، أي القبول بمبدأ تبادل الأراضي الذي يعني الانتهاء من الحديث عن الانسحاب إلى ما وراء خطوط هدنة عام 1949.

ويعني أيضا إسقاط حق العودة وقبول التعويض مكانه، والقبول بيهودية الدولة (إسقاط حقوق العرب المسلمين والمسيحيين في الأرض الفلسطينية التي ستقع ضمن دولة إسرائيل اليهودية). كما يعني التساؤل عن أي جزء من القدس الشرقية سيكون من نصيب "الدويلة الفلسطينية"؟

وهذا جوهر ما سيحمله عباس في زيارته لبوش، لأن الاستمساك حتى بالقدس الشرقية كاملة سيعني انفجار المفاوضات وانتهاءها سواء كان من جانب بوش ناهيك عن جانب أولمرت نفسه.

وبهذا يكون محمود عباس جرّ الموقف العربي إلى سقفه كما حدث في اتفاق أوسلو، مسقطا هذه المرة حتى المبادرة العربية ناهيك عن الحد الأدنى المسمى "البرنامج الوطني الفلسطيني".

ولن ينقذ الموقف غير الفشل في الاتفاق حول الجزء من القدس الشرقية الذي يراد من بوش أن يضغط لإعطائه حتى يغطي الاتفاق النهائي وفقا لرؤيته ولغالبية شروط أولمرت.

وخلاصة الأمر، تصبح المفاوضات على نار حامية بعد أن هبط محمود عباس بالسقف المصري السعودي إلى سقفه إذا صح هذا الاستنتاج.

فالكرة الآن في ملعب بوش وأولمرت من أجل "الجزء" العتيد الذي يمكن أن يعطى من القدس الشرقية بعد أن خرقت الشباك العربية بقبول تبادل الأراضي والآلية الدولية لتعويض اللاجئين والاعتراف بيهودية الدولة واقتسام حتى القدس الشرقية.

ولكن هذا الاستنتاج الذي يرجى ألا يكون صحيحا بسبب قسوته وفداحته، سيبقى غامضا وملتبسا إلى أن يتحقق ذلك "الاقتسام" للقدس الشرقية أو يتفق على صيغة تؤجله إلى مفاوضات لاحقة بعد الاتفاق على "إعلان مبادئ ودولة مؤقتة" (الاحتمال الأضعف).

وعندئذ نكون قد وصلنا إلى ضرورة رفع شعار "القرار العربي المستقل عن القرار الفلسطيني" بديلا لشعار "القرار الفلسطيني المستقل". وقد ثبت أنه إلى كارثة، كما تبين أن شعار "نرضى بما يرضى به الفلسطينيون" أو "لسنا ملوكا أكثر من الملك الفلسطيني" إلى كارثة كذلك.

أما تمرير الاتفاق فلسطينيا (شعبيا وفصائليا) كمصير قطاع غزة فدونهما خرط القتاد. ولن يكون الأمر عربيا لاسيما شعبيا، على غير ذلك، لأن ما يطبخ تصفية للقضية الفلسطينية وهو طريق لانقسامات داخلية قـُطرية وعربية عربية لم يسبق لها مثيل.

ولكنه ليس المسار الوحيد وليس مضمون النجاح، إذ ثمة مسارات أخرى وإرادات أخرى تعترضه، إلا أنه المسار الأخطر. ويجب أن يدخل ضمن الوعي وتعامل المفاوضات الجارية بجدية، وعدم النوم على فراش من حرير باعتبارها "مفاوضات عبثية".
__________________

كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك