ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني

طوال عقود، تحديداً منذ اعتراف جمال عبد الناصر بالقرار الدولي 242 بعد هزيمة عام 1967، التزم النظام العربي الرسمي بسقف محدد في التعاطي مع القضية الفلسطينية يتمثل في ما يعرف بقرارات الشرعية الدولية، وخلاصتها دولة فلسطينية كاملة السيادة على الأراضي المحتلة عام 1967 بما فيها القدس الشرقية، مع عودة اللاجئين إلى ديارهم بموجب القرار الدولي 194.

"
في الآونة الأخيرة يبدو أن الوضع العربي قد تراجع على نحو استثنائي.. لأسباب منها إرادة دعم قيادة فتح والسلطة في مواجهة تيار إسلامي لا يرغب الوضع الرسمي العربي في تصدره للقضية الأكثر أهمية في الشارع العربي والإسلامي
"
في قمة بيروت 2002 طرحت المبادرة العربية للسلام التي التزمت عملياً بنفس القرارات لكنها تراجعت في بند اللاجئين إذ تحدثت عن حل بالتوافق، ما يعني عملياً شطب حق العودة إلى الأراضي المحتلة عام 1948 واستبداله بالتعويض إلى جانب العودة إلى أراضي الدولة الفلسطينية العتيدة.

وهذا البعد يبدو مثيراً للدهشة إذ ترجّح الأوساط السياسية المعنية بالملف أن أرقام التعويضات التي تطرح في هذا السياق ليست رهينة المبالغة فحسب، بل إن ما سيقر منها إنما سيدفع من جيب العرب أنفسهم أيضاً، وبخاصة الدول النفطية، لاسيما أن الإسرائيليين يتنصلون منها بالحديث عن مقايضتها بتعويضات اليهود العرب الذي غادروا بلادهم إلى الدولة العبرية.

في قمة كامب ديفد صيف عام 2000 التي كان عليها اختتام مسلسل أوسلو الذي بدأ في سبتمبر/ أيلول 1993 بتسوية نهائية، ضغط الأميركان بقيادة كلينتون على ياسر عرفات للقبول بصيغة طرحوها.

تلك الصيغة تتمثل في حكم ذاتي مجزأ الأوصال بمسمى دولة على ما يقرب من ثلثي الأراضي المحتلة عام 1967 من دون سيادة ومن دون عودة اللاجئين، مع أحياء محدودة أتبع أكثرها لاحقاً للقدس الشرقية، في حين تبقى السيادة على المدينة للإسرائيليين.

والأسوأ هو اقتسام الشق العلوي من المسجد الأقصى، إضافة إلى فرض السيادة الإسرائيلية على الشق السفلي منه كي تتواصل الحفريات بالطبع بحثاً عن هيكل سليمان الذي يصر اليهود على وجوده تحت المسجد.

هنا طالب ياسر عرفات بمرجعية عربية (مصرية سعودية مغربية) للاتفاق، الأمر الذي لم يكن بالإمكان توفيره، ليس فقط لعدم القناعة، إلى جانب إدراك تبعات تسوية مشوّهة من هذا النوع على مستقبل المنطقة، بل أيضاً بسبب الخوف من الجماهير العربية والإسلامية التي لن تستوعب بحال فكرة اقتسام المسجد الأقصى مع اليهود، حتى لو استوعبت البنود البائسة الأخرى.

وهذا الأمر يبدو صعباً إلى حد كبير، خاصة أن تلك الشعوب لم تتقبل بعد فكرة التسوية من أساسها، تلك التي تمنح الإسرائيليين 78% من فلسطين قبل الشروع في التفاوض.

كل ذلك كان يعرفه ياسر عرفات الذي جرّب من قبل لعبة الخروج على الإجماع العربي حين وقع اتفاق أوسلو من وراء ظهر العرب، وعلى رأسهم مصر التي شكلت على الدوام مرجعيته السياسية.

منذ ملامح احتلال العراق واستخدام الأميركان لسيف الإصلاح في التعاطي مع الأنظمة العربية (ما من شيء يخيف الأنظمة العربية أكثر من التطرق إلى تغيير أوضاعها الداخلية).. منذ ذلك الحين بدا أن الوضع العربي قد تراجع في السياق الفلسطيني، لاسيما حين مرر قتل ياسر عرفات من دون ضجيج.

"
التفاؤل غير العادي الذي يبديه عباس وبوش لا يمكن أن يكون مجانياً بحال، تماماً كما هو حال مئات الساعات من المفاوضات السرية والعلنية بين الطرفين
"
فلم تجرؤ حتى مصر الدولة التي وفرت لعرفات الحماية دائماً على المطالبة بالتحقيق في مقتله، بل وصل الأمر حداً أسوأ من ذلك، حين جرى ترتيب الخلافة لخصومه الذين حاولوا الانقلاب عليه، وهم أنفسهم الذين لا يعترفون عملياً بالمرجعية العربية، ويرون الضغط عليها من خلال الأميركان وليس العكس.

في الآونة الأخيرة يبدو أن الوضع العربي قد تراجع على نحو استثنائي، ليس في الملف الفلسطيني فقط، بل في عموم الملفات الحيوية في المنطقة.

والسبب الأول وراء ذلك يتمثل في تراجع النظام المصري بسبب التوريث وإرادة لجم المعارضة دون أن تضج المواقف الأميركية والغربية، إلى جانب الضغوط الكبيرة على المملكة العربية السعودية وربما استغلال بعض الخلافات الداخلية في أوساط الحكم فيها.

ونعلم أن غطاء التسوية لا يحتاج إلى أكثر من موافقة مصرية سعودية حتى لو خالفها آخرون، الأمر الذي يبدو مستبعداً باستثناء سوريا بالطبع.

أما السبب الثاني فيتمثل في إرادة دعم قيادة فتح والسلطة في مواجهة تيار إسلامي لا يرغب الوضع الرسمي العربي في تصدره للقضية الأكثر أهمية في الشارع العربي والإسلامي، لاسيما وهو يعلم تأثير ذلك على عموم الظاهرة الإسلامية في المنطقة التي باتت تشكل التهديد الأبرز لمنظومة القمع والفساد في العالم العربي.

تتبدى المعادلة الجديدة في الموقف من سوريا، والأهم في الموقف من صفقة التسوية الجديدة المتوقعة، فضلاً عن الموقف من حركة حماس وسيطرتها على قطاع غزة.

في السياق الأول يبدو من العبث حشر الموقف من دمشق في الملف اللبناني، على أهميته، إذ يحضر الملف الفلسطيني بقوة أيضاً، إلى جانب الملف العراقي، فضلاً عن الموقف من إيران، مع أن الموقفين الإيراني والسوري لا يلتقيان في العراق إلا في إرادة إفشال الأميركان.

أما فيما عدا ذلك فإن كلا منهما يدعم طرفاً مختلفاً في الصراع، إذ تساند إيران القوى الشيعية بمختلف أشكالها وتصنيفاتها، بينما تدعم سوريا القوى العربية السنية، لاسيما تلك المعارضة للعملية السياسية أو التي تتبنى نهج المقاومة للاحتلال، مع أن هناك من يتهمها بمنح بعض التسهيلات لتنظيم القاعدة أيضاً عبر السماح له بتهريب المقاتلين إلى الأراضي العراقية، وإن خفّت حدة الاتهام في الآونة الأخيرة.

"
النجاح الأولي لصفقة متوقعة بين إسرائيل والسلطة لا يعني الكثير في واقع الحال، لأن قوى المقاومة والممانعة في المنطقة تبدو في وضع جيد مقابل الأزمات المستعصية التي تعيشها الأطراف الأخرى
"
ما بين قمة شرم الشيخ السعودية المصرية التي عقدت نهاية الثلث الأول من أبريل/ نيسان الجاري، وبين القمة المرتقبة بحضور الرئيس الأميركي جورج بوش والمصري حسني مبارك والفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت منتصف مايو/ أيار القادم، يبدو مشهد التسوية مختلفاً إلى حد كبير.

يبدو مختلفا لأن معطيات كثيرة ما زالت تشير إلى أن الصفقة قد أعدت وانتهى الأمر، أو أنه على الأقل في طور الإعداد بسبب تفاصيل عالقة ينتظر الاتفاق عليها، وهذا التفاؤل غير العادي الذي يبديه عباس وبوش لا يمكن أن يكون مجانياً بحال، تماماً كما هو حال مئات الساعات من المفاوضات السرية والعلنية بين الطرفين.

لا شك أن توفير المرجعية العربية للاتفاق المرتقب يبدو بالغ الأهمية، وحين تدعم القاهرة والرياض اتفاق التسوية رغم أن سقفه أسوأ مما عرض في كامب ديفد عام 2000، ففي ذلك ما يدل على تراجع الوضع العربي، إلى جانب استهداف حماس ووجودها في قطاع غزة، عبر الحصار أو عبر الجهد الاستخباري بشتى تجلياته المعروفة للمعنيين.

وحدها مغامرة عسكرية أميركية أو إسرائيلية ضد إيران، وربما سوريا أو لبنان، هي ما يمكن أن يخلط الأوراق ويوقف اللعبة، الأمر الذي قد ينسحب على اجتياح لقطاع غزة ينتهي بالفشل.

لكن النجاح الأولي للصفقة المتوقعة لا يعني الكثير في واقع الحال، فقوى المقاومة والممانعة في المنطقة تبدو في وضع جيد مقابل الأزمات المستعصية التي تعيشها الأطراف الأخرى.

وهذه الصحوة الإسلامية المدججة بإرادة المقاومة التي تشيع في المنطقة لا يمكن أن تمرر تسوية من هذا النوع، فكيف إذا كانت مؤقتة على قاعدة خريطة طريق تبدأ بقمع المقاومة بذات المسلسل الذي تابعناه خلال مسلسل أوسلو؟!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك