ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني

من الحرب الباردة إلى القوة الناعمة
إدارة بوش والسياسات الحربية
مخاطر السياسات الحربية الأميركية

منذ مجيء إدارة بوش إلى البيت الأبيض، وتمكن تيار "المحافظين الجدد" من صوغ المعالم الأساسية لسياستها الخارجية، خصوصا بعد 11 سبتمبر/ أيلول 2001، بدا وكأن الولايات المتحدة تخوض حروبا عالمية ممتدة، حينا بدعوى محاربة الإرهاب، وحينا آخر بحجة نزع أسلحة الدمار الشامل، وفي بعض الأحيان بادعاء نشر الديمقراطية في العالم!

وباتت إدارة بوش متهمة بأنها جعلت العالم بعد 11 سبتمبر/ أيلول 2001 وبعد احتلال العراق 2003 أكثر خطورة من ذي قبل، دون أن يعرف أحد متى تنتهي هذه الحروب، أو الشكل الذي سينتهي العالم إليه بعدها.

"
الولايات المتحدة في عهد الرئيس السابق كلينتون كانت تنتهج سياسة القوة الناعمة لفرض سياساتها، وتمرير المصالح والأولويات والقيم الأميركية بالوسائل الدبلوماسية والتشجيع الاقتصادي والضغوط السياسية
"
من الحرب الباردة إلى القوة الناعمة
كانت السياسة الأميركية في النصف الثاني من القرن الماضي، وبنتيجة التوازن الدولي الناشئ عن انقسام العالم إلى قطبين، شرقي أو اشتراكي بزعامة الاتحاد السوفياتي، وغربي أو رأسمالي بزعامة الولايات المتحدة، نأت عن خوض الحروب بشكل مباشر، لاسيما بعد انتهاء الحرب الفيتنامية، ولجأت إلى الحروب غير المباشرة أو الحروب بالوكالة، على غرار دعمها لحروب إسرائيل، ودعمها الموارب للحرب العراقية الإيرانية.

وفي ذلك فقد التزمت الولايات المتحدة بتفاهمات "الحرب الباردة" التي اقتضت تقاسم النفوذ في العالم مع القطب المقابل (الاتحاد السوفياتي)، وعدم ترك الأمور تفلت من السيطرة بما يؤدي إلى مواجهة بين القطبين الجبارين.

أما حرب الخليج الثانية فجاءت بالتزامن مع تفكك الاتحاد السوفياتي، وانهيار معادلات الحرب الباردة، وانتهاء عالم القطبين.

ثم إن هذه الحرب كانت بالنسبة للولايات المتحدة اضطرارية، إذ شكّل احتلال العراق للكويت آنذاك ضربة للإستراتيجية الأميركية الشرق أوسطية التي ترتكز على:
1- الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط وعدم السماح لأي قوة إقليمية أو دولية بمزاحمتها فيها.
2- السيطرة على واردات النفط.
3- ضمان أمن إسرائيل، وتفوقها النوعي من النواحي العسكرية والاقتصادية والتقنية.
4- الحفاظ على استقرار النظم السياسية الصديقة للولايات المتحدة.

وفي التسعينيات حافظت الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وهيمنتها كقطب أوحد في العالم، على عدم خوض الحروب المباشرة، خصوصا أنها لم تعد بحاجة إلى ذلك، بسبب تغيّر عوامل امتلاك القوة للدول، من العامل العسكري إلى العاملين الاقتصادي والتقني، بسبب انفتاح مسارات العولمة التي تمتلك الولايات المتحدة الحيز الأكبر من وسائلها، وبحكم ما تتمتع به من جبروت في المجال العسكري والاقتصادي والتقني، ولأن العالم بات أكثر طواعية لإملاءاتها.

هكذا انتهجت الولايات المتحدة في عهد الرئيس السابق كلينتون سياسة "القوة الناعمة" لفرض سياساتها، وتمرير المصالح والأولويات والقيم الأميركية، بالوسائل الدبلوماسية والتشجيع الاقتصادي، وعلاقات الاعتماد المتبادلة والضغوط السياسية.

إدارة بوش والسياسات الحربية
من الصعب التكهن باتجاهات السياسة الخارجية الأميركية من دون حدث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 الذي بات عاملا مركزيا في صياغة مفهوم الولايات المتحدة لأمنها القومي.

لكن وبغض النظر عن هذا الحدث فإن إدارة بوش اتسمت منذ البداية بكونها محاطة بمجموعة أيدولوجية تحض على تغيير العالم وجعله على شاكلة أميركا، مستغلة الهيمنة على النظام الدولي، باعتباره فرصة سانحة لجعل العالم صورة من أميركا، وجعله أكثر قابلية للأولويات والقيم والمصالح الأميركية.

دليل ذلك أن مجموعة "المحافظين الجدد" قبل حدث سبتمبر/ أيلول، أصدرت بيانا أيدولوجيا يعبر عن فهمها للقيادة الأميركية للعالم، عنوانه "نحو قرن أميركي جديد".

وبدا أن هذه المجموعة تعتقد بأن للولايات المتحدة دورا "رسوليا" في العالم عليها أن تضطلع به بدعوى نشر الحرية والديمقراطية، ومعها التجارة الحرة والثقافة الأميركية في العالم، ليس بالاعتماد على الوسائل السلمية فقط، ولا بالاستناد إلى المنظمات الدولية فحسب، وإنما أيضاً بوسائل القوة العسكرية.

أيضا يمكن أن نستدل على ما ذهبنا إليه بأن هذه المجموعة الأيدولوجية المتطرفة لم تستعدِ الولايات المتحدة على العالم الإسلامي فحسب، بل إنها ذهبت بعيدا في معاداة أوروبا التي وصفت بكونها القارة القديمة أو القارة العجوز، بسبب عدم تماشيها مع السياسات الأميركية الأحادية والمتغطرسة.

وبديهي أن إسرائيل كانت في مركز اهتمامات هذه المجموعة (قبل حدث سبتمبر/ أيلول)، ذلك أن ريتشارد بيرل مثلا الذي كان مستشارا لوزارة الدفاع الأميركية، كان أحد أهم واضعي تقرير "إسرائيل في التسعينيات" لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نتنياهو (1996-1999) الذي حض في حينه إسرائيل على التملص من عملية التسوية، واعتبارها جزءا من العالم الغربي، ودعا الولايات المتحدة إلى تمزيق المنطقة وفرض الحل الإسرائيلي بالقوة على العرب.

"
إدارة بوش جاءت منذ البداية محاطة بمجموعة أيدولوجية تحض على تغيير العالم وجعله على شاكلة أميركا، مستغلة الهيمنة على النظام الدولي باعتباره فرصة سانحة لجعل العالم صورة من أميركا، وجعله أكثر قابلية للأولويات والقيم والمصالح الأميركية
"
وما كان لهؤلاء أن يضعوا برامجهم موضع التطبيق لولا حدث 11 سبتمبر/ أيلول وتداعياته عند الأميركيين، ولولا نمط الحياة الفردية والنفعية، وسيادة الثقافة الاستهلاكية في الولايات المتحدة، ولولا أن ثمة شعورا طاغيا لدى الأميركيين بالتفوق وبالرغبة في الهيمنة.

مع ذلك فإن المداخلات السابقة لا تضعف أهمية حدث 11 سبتمبر/ أيلول، فقد عزز هذا الحدث موقع المحافظين الجدد في تحديد السياسة الخارجية الأميركية، وإخراج مخططاتهم من أدراج المكاتب ووضعها في مراكز صنع القرار.

ويمكن تحديد العوامل التي أسهمت في تحول الإدارة الأميركية نحو السياسة الحربية، في التالي:
1- اهتزاز الهيبة العسكرية للولايات المتحدة التي تعرضت لأول مرة لضربة على هذا المستوى في داخلها.

2- شعور الولايات المتحدة بإمكانية تبلور خطر جديد يهدد أمنها القومي ويشكل خطرا على مصالحها في العالم، ولاسيما في الشرق الأوسط.

3- قابلية المجتمع الأميركي لشن حرب خارجية بدعوى أن أمن الولايات المتحدة لم يعد يقتصر على داخل حدودها، وأن محاربة الإرهاب ينبغي أن تكون في منابعه.

4- أدت تداعيات هجمة 11 سبتمبر/ أيلول إلى نشوء نوع من الوطنية الأميركية التي تناغمت مع روح الغطرسة لدى الأميركيين، الناشئة عن شعورهم بأنهم يمتلكون أكبر قوة عسكرية في العالم.

5- ثمة مع الادعاءات الرسولية للمحافظين الجدد نزعة إمبراطورية، إذ الولايات المتحدة هي خير مطلق، وينبغي أن تصدر قيمها وأن تسود في العالم كما يتصورون.

6- تضمنت الروح الرسولية الإمبراطورية نوعا من النزعة التدخلية التغييرية في العالم -أي تغيير الأنظمة والشعوب- بما يتلاءم والمصالح الأميركية.

7- بدا للإدارة الأميركية أن الذراع العسكرية للولايات المتحدة باتت مطلقة في العالم لأن الاتحاد السوفياتي انتهى، وانتهت معه علاقات توازن القوى ومخاطر اندلاع حرب نووية أو حرب عالمية ثالثة.

ولعل هذا يفسر تحوّل إدارة بوش نحو الغطرسة في التعاطي مع القضايا الدولية، فهي انسحبت من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة البالستية، وعملت على تقويض دور الأمم المتحدة، واتجهت نحو مزيد من العسكرة، ودعم موازنتها الحربية التي باتت تشكل 45% من الإنفاق العسكري في العالم، وكأن خوض الحروب وتغيير الخرائط وقلب الأنظمة أصبح حاجة ضرورية لها، لتأكيد ذاتها كقطب أوحد يصوغ العالم على هواه وبحسب مصالحه.

مخاطر السياسات الحربية الأميركية
طبعا ثمة عواقب كثيرة وخطيرة للسياسات الحربية، فأي حرب تستدعي الخراب والدمار والفناء للبشر والعمران البشري، ومن ذلك فإن الحروب التي خاضتها إدارة بوش في أفغانستان والعراق أدت إلى تداعيات خطيرة على الولايات المتحدة وعلى العالم وعلى منطقة الشرق الأوسط.

ومن الواضح أن محاولات الإدارة الأميركية فرض قيمها في العالم بالقوة والقسر، تستثير في الآخرين المشاعر الغريزية للدفاع عن الذات والوجود، بمعنى أنها تعيدهم إلى الخلف فتغيرهم بالمعنى السلبي بدلا من أن تغيرهم بالمعنى الإيجابي.

هكذا فإن احتلال العراق الذي ترادف مع تقويض مؤسسات الدولة أدى إلى تفتت هذا البلد وبروز النعرات المذهبية والطائفية والإثنية، وانتشار العنف وانعدام الأمان والاستقرار.

وبدلا من أن يتحول العراق إلى نموذج للتغيير المنشود أميركيا تحول إلى كارثة، وبدلا من أن يتم إضعاف الإرهاب تزايد نفوذ "القاعدة"، وبدلا من نزع أسلحة دمار شامل مزعومة في العراق وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام سعي إيران لإنتاج طاقة نووية، وبتزايد نفوذ هذه الدولة في العراق وفي عموم الشرق الأوسط.

"
الولايات المتحدة وفق فلسفة المحافظين الجدد باتت تغطي سياساتها الحربية بدعوى أن الدول الديمقراطية يحق لها ما لا يحق لغيرها من امتلاك أسلحة وتوزيعها بمعاييرها، وأن الدول الديمقراطية القوية معنية بفرض رسالتها على الآخرين ولو بوسائل عسكرية
"
وعلى الصعيد الدولي أدت حروب إدارة بوش إلى تآكل مكانة الولايات المتحدة، وعرضت مصالحها في الشرق الأوسط للخطر، وفاقمت من الاضطراب وعدم الاستقرار في المنطقة، وأحرجت مكانة الدول الصديقة لها، وبدت الولايات على صورة دولة استعمارية تمارس البلطجة على الصعيد الدولي.

وأميركيا أدت حرب العراق إلى مصرع أكثر من 4000 جندي أميركي، وخسائر تقدر بثلاثة آلاف مليار دولار.

وتشير إحصائيات أميركية إلى أن إنفاق الولايات المتحدة في اليوم الواحد على الحرب في العراق يمكن أن يشتري منازل لنحو 6500 أسرة، أو يقدم تأمينا طبيا لنحو 423529 طفلا أو تزويد 1.27 مليون منزل بطاقة كهربائية متجددة.

وطبقا لدراسة أجراها الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد جوزيف ستيغليتز، وأستاذة المالية العامة بجامعة هارفارد ليندا بيلمز، فإن الحرب في العراق تكلف 720 مليون دولار في اليوم، أي 500 ألف دولار في الدقيقة. (واشنطن بوست 23/9/2007)

تعد الولايات المتحدة أيضا أكبر منتج للسلاح في العالم وأكبر مصدر له، وموازنتها الدفاعية (450 مليار دولار) هي الأكبر في العالم (نحو 45-48% من مخصصات الإنفاق على الدفاع في العالم).

وما زالت الولايات المتحدة منخرطة في برنامج حرب النجوم، وترصد مبالغ طائلة في مجال تقنية التسلح، وتمتلك نحو 15 ألف رأس نووي ونحو 700 غواصة نووية و500 قاذفة إستراتيجية.

وتعتبر الولايات المتحدة أول مزوّد بالأسلحة في العالم، إذ تؤمن نحو 49% من مبيعات الأسلحة في العالم، وتنتهج سياسة مساعدات تقوم على نشر التسلح في العالم بدلا من تقديم المساعدات التقنية والاقتصادية.

ومعروف أن إسرائيل تتلقى منها مساعدة عسكرية قدرها 1.8 مليار دولار سنويا.

وإذا ذهبنا إلى المجال الثقافي والسياسي فإن وسائل الإعلام الأميركية من أكبر المحرضات على العنف في العالم، لكونها تنشر المسلسلات والأفلام والقصص المشحونة بمشاهد العنف والجريمة بأفظع صورها.

المشكلة أن الولايات المتحدة وفق فلسفة المحافظين الجدد، باتت تغطي هذه السياسات الحربية بدعوى أن الدول الديمقراطية يحق لها ما لا يحق لغيرها، من امتلاك أسلحة وتوزيعها بمعاييرها، وأن الدول الديمقراطية القوية معنية بنشر رسالتها وفرضها على الآخرين ولو بالوسائل القسرية والعسكرية باعتبار ذلك يساعد على الحفاظ على الاستقرار والسلام في العالم!

حتى الآن أثبتت المغامرات الحربية التي قامت بها الولايات المتحدة الأميركية عقمها، بل إنها أدت إلى نشر مشاعر الريبة في العالم حول دورها وسياساتها، وعززت من مشاعر الكراهية لها في المجتمعات العربية، وزرعت بذور الاضطراب في النظام السياسي العربي.

ومعنى ذلك أن هذه المغامرات أدت إلى تداعيات خطيرة على العالم وعلى الولايات المتحدة وعلى منطقة الشرق الأوسط بصورة خاصة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات