عادل لطيفي

- في مضمون الحريات
- العامل الاجتماعي التاريخي
- عبء الاستقلال والانحياز الغربي

يعد غياب الحريات من بين السمات التي تشترك فيها مختلف البلدان العربية تقريبا، وهو أحد عناصر التجانس السياسي بين مختلف رقاع هذا العالم.

ورغم التفاوت بين حالة وأخرى حسب خصوصيات التطور التاريخي وتنوع التركيبة الاجتماعية للسكان، فإن الوضع العام يكاد يختزل اليوم في الانحسار الكبير لهامش الحريات دون مؤشرات واضحة على أفق تطور ما، على عكس ما يحدث في فضاءات أخرى في آسيا وحتى في أفريقيا. كيف نفهم هذه العقدة العربية تجاه الحريات؟

"
إشكالية غياب الحريات في العالم العربي هي في عمقها غياب الوعي بقيمة الفرد كإنسان وكمواطن، وعدم تجلي هذا الوعي كواقع مجتمعي فاعل حتى لدى النخبة المثقفة
"
في مضمون الحريات
من الضروري منهجيا التمييز بين بعدي الحرية، أي البعد الجماعي والبعد الفردي، سواء على مستوى الإطار القانوني الذي ينظم هذه الحرية أو على مستوى الفلسفة التي تعطيها شرعيتها الفكرية.

فالحريات الجماعية، مثل حرية الأقليات والأعراق والمجموعات الدينية، تبقى رهينة فاعلية مبدأ حرية الإنسان الفرد. ولكي تكون هذه الحرية الجماعية قاعدة لبناء مجتمع حديث، لا بد لها من أن تكون تواصلا للحرية الفردية ونتيجتها الحتمية.

ذلك أن الحرية الجماعية يمكن أن تؤدي دورا عكسيا وتجعل من الحرية الفردية ضحيتها كما سنرى ذلك لاحقا. لماذا هذا الدور الأساسي لحرية الفرد؟ هل هو تنظير للفرد على حساب المجموعة على الطريقة الليبرالية؟

يعود هذا الخيار أولا إلى صعوبة التأسيس الفكري لمبدأ الحرية في مجتمعاتنا العربية، أي جعله ثقافة متداولة ووعيا مشتركا، وذلك إذا اختزلناه في بعده الجماعي، مثل التحرر من الاستعمار أو المطالبة بحرية أقلية ثقافية مثل الأكراد والبربر، أو الشيعة في العراق زمن صدام حسين.

فالتأكيد على خصوصية الوجود المشترك وعلى ضرورة استقلايته تجاه طرف مسيطر لا يمكن أن تؤسس لوعي حقيقي بالحرية.

ليس من المؤكد أن تؤول استقلالية الأكراد إلى ترسيخ الحريات الحقيقية، أي حرية الفرد الإنسان، ومن غير المؤكد كذلك أن يؤول تجسيد الوجود المشترك الشيعي إلى هذه النتيجة، بل على عكس ذلك تتم عملية التحول إلى حد الآن وفي جانب كبير منها على حساب الأفراد، مثل حرية المرأة والكتاب والمبدعين، أو على حساب أقليات أخرى كما نرى في شمال العراق أو في جنوبه.

بهذا المعنى تصبح الحرية الجماعية مجرد صورة وهمية للحرية الحقيقية بما أنها فعليا مجرد إعادة إنتاج لعلاقات الهيمنة السابقة مع استحداث ميزان قوى جديد لا أكثر.

نضيف هنا أنه من الثابت تاريخيا سواء في المجتمعات العربية أو في غيرها، أن هذا البعد الجماعي للحرية يبقى وليد الظرفية الخاصة ومحكوما بطبيعة معاناة هذه المجموعة أو تلك. وهذا ما يعطي الحرية محتوى محددا ومختزلا، إما حرية دينية أو ثقافية وعرقية أو سياسية.

أما العامل الثاني لهذا التركيز على حرية الفرد فمتعلق بخصوصية هذا المبدأ من الناحية الفلسفية والثقافية التاريخية.

فلكي نخرج من الخصوصيات الجماعية التي سبق ذكرها، لا بد من تنزيل الإنسان العربي الفرد في سياق تاريخي حداثي يدمجه ضمن التجربة التاريخية البشرية.

هذه هي الإشكالية الحقيقية لمعضلة الحريات في العالم العربي، أي تلك المتعلقة بغياب الوعي بحرية الإنسان الفرد، وبالوعي بهذا الوجود كقيمة مجتمعية تؤسس للوجود المشترك في سياق علاقات المواطنة لا علاقات الخصوصية السياسية (الاستقلال) أو الخصوصية الدينية والعرقية.

إن الحرية المؤسسة على قيمة الإنسان الفرد وكذلك على مفهوم الفرد المواطن هي السياق الأمثل لطرح مشكلة المرأة وحرية المعتقد وقبل ذلك الحريات السياسية وحرية الفكر.

هذه هي العناصر الحقيقية القادرة على إبراز تنوع المجتمع، ودور الحرية الأساسي هو ضمان هذا التنوع وضبط العلاقة بين عناصره في سياقين متكاملين سياق الفرد الإنسان وسياق الفرد المواطن.

من هذا المنطلق يمكن القول إن إشكالية غياب الحريات في العالم العربي هي في عمقها غياب الوعي بقيمة الفرد كإنسان وكمواطن، وعدم تجلي هذا الوعي كواقع مجتمعي فاعل حتى لدى النخبة المثقفة.

وإن أردنا أن نبحث في أسباب غياب الحريات فعلينا أن نبحث في أسباب غياب مثل هذا الوعي النوعي.

يمكن ربط هذه المعضلة بثلاثة عناصر على الأقل، وهي: طبيعة التركيبة الاجتماعية التي تلعب فيها القرابة والعصبية دورا فاعلا، ثم الدور السلبي للدولة الوطنية التي تشكلت بعد الاستقلال، ثم في الأخير المواجهة مع الآخر الغربي وما نتج عنها من فقدان مطلب الحرية لمصداقيته.

"
انتماء الفرد للمجموعة العصبية المحلية يتم عادة على حساب وعيه بذاته خارج الأطر التقليدية، وكذلك على حساب الفرد المواطن وعلى حساب دولة المواطنة
"
العامل الاجتماعي التاريخي
يتعلق الأمر هنا بطبيعة التركيبة الاجتماعية التي تشكلت عبر التاريخ ولعبت دورا فاعلا في مختلف الحقب.

لقد صار من المألوف لدى اختصاصيي العلوم الاجتماعية القول بالدور الفاعل للهياكل التقليدية في المجتمعات العربية التي تمثلها علاقات القرابة.

وليست هذه نظرة غربية لطبيعة المجتمعات العربية، لأن أول من أنتج القرابة كموضوع معرفي هو ابن خلدون من خلال دراسته لدور العصبية، وهذا المفهوم الخلدوني يساعد كثيرا في فهم التطور التاريخي للمجتمعات العربية وإلى حد ما الواقع الحالي.

لقد توصل ابن خلدون إلى فاعلية دور القرابة من خلال ملاحظته -في سياق بلاد المغرب- للتعارض بين عالم المدينة، فضاء العمران والنفوذ السياسي الذي تنقصه اللحمة، وبين عالم البدو، عالم الحرب المؤسس على قوة العصبية.

ويرى ابن خلدون أن قيام الدول يتوقف على قدرة انتقال المجموعات البدوية من عالم البداوة إلى فضاء المدينة حيث يفتقد النفوذ السياسي المركزي للقوة العسكرية وللحمة العصبية الضامنة لاستمراره.

وباستقرار البداوة في المدينة وتأسيس النفوذ السياسي تدخل الدولة بعد فترة في مرحلة الانحدار بسبب ضعف العصبية التدريجي في فضاء العمران. وبالفعل فإن جانبا كبيرا من تاريخ المجتمعات العربية خلال العصر الوسيط والمعاصر يتناغم مع هذه النظرية ما عدا فترة حكم المماليك الذين أخذوا مكان البدو على رأس القوة العسكرية.

ماذا بقي من نظرية ابن خلدون في الواقع الحالي للمجتمعات العربية؟ يؤكد ابن خلدون في حديثه عن العمران على الوجود المشترك والجماعي في سياق العصبية. وما يزال هذا المبدأ فاعلا اليوم في أغلب رقاع المجتمعات العربية رغم قوة الدولة المركزية الحالية.

نلاحظ هذا بوضوح أكثر في اليمن وفي العراق الحالي وفي بلدان الخليج، وهو واقع متستر في بلدان المغرب.

إن الفاعلية الاجتماعية لمبدأ العصبية تشجع الانتماء الجماعي على أساس خصوصية القرابة والانتماء للجد المؤسس الضامن لوحدة المجموعة.

ومن شأن مثل هذا الوعي الاجتماعي التقليدي أن يتم على حساب الفرد الإنسان وحتى الفرد المواطن، أي أن انتماء الفرد للمجموعة العصبية المحلية يتم عادة على حساب وعي الفرد بذاته خارج الأطر التقليدية، وكذلك على حساب الفرد المواطن وعلى حساب دولة المواطنة.

وفي بعض الأحيان نرى أن هذا "الانتماء العصبي" أكثر فاعلية اجتماعية وبالتالي سياسية من الانتماء الديني. ففي حالة العراق مثلا، لا ينحصر التعارض في حقيقة الأمر بين فريقين دينيين، سنة وشيعة، بل الأصح أن هناك عشائر سنية من ناحية وعشائر شيعية من ناحية أخرى. هذا ما نلاحظه في اليمن كذلك حيث يتشكل الوجود الإباضي في إطار عشائري أكثر منه في إطار طائفي.

نلاحظ كذلك امتدادا لهذا الواقع الاجتماعي التقليدي اليوم من خلال استعمال العنصر البدوي في القوات العسكرية. لقد تم هذا في البداية من طرف النظام الاستعماري، ومثال ذلك تجنيد الآلاف من البدو المغاربة في الجيش الفرنسي.

كما أن الجانب الكبير من الجيش العربي الذي ساند الشريف حسين ولورانس العرب كان من البدو. أما في واقعنا الحالي فعلينا النظر إلى تركيبة أغلب جيوش البلدان العربية لنرى تواصل تقاسم الأدوار بين فضاء البداوة الريفي العسكري وفضاء المدينة السياسي.

فما نلاحظه أن أغلب الجنود وذوي الرتب المتوسطة وحتى بعض الضباط الكبار هم من أصل ريفي بدوي، في حين أن قيادة الأركان ووزارة الدفاع هي عادة لأفراد من ذوي أصول حضرية.

نلاحظ هذا بوضوح أكثر في الحالة الأردنية من خلال الدور الفاعل للبدو في الجيش الذي تعزز سياسيا من خلال أقلمة النموذج الانتخابي مع هذا السند الاجتماعي والسياسي والعسكري للنظام الملكي في مواجهة خطر محتمل في مدينة متنوعة ويغلب عليها العنصر الأردني من أصل فلسطيني.

إن الفاعلية الحالية لهذه الهياكل التقليدية تعيق إلى حد كبير تشكل وعي الأفراد بخصوصية وجودهم وتمايزهم، وتجعل من مفاهيم الحرية والتغيير معطيات مريبة تهدد النظام والتوازن القائم. إنها تخلق وعيا لا يرى التغيير إلا في بعده الكمي (عدد الأفراد ومستوى الثروة) وليس على المستوى النوعي. أضف إلى ذلك أن هذه الأطر تسهل مراقبة الدولة للمجتمع بحكم توظيفها السياسي والأمني.

"
مساندة الغرب المطلقة للمجازر التي ترتكبها إسرائيل ضد الفلسطينيين وحصار الخيار الديمقراطي الفلسطيني عبر مقاطعة حركة حماس، وكذلك الممارسات الهمجية في السجون العراقية من طرف جنود أميركيين، كلها أمثلة أفقدت الحرية كل شرعية
"
عبء الاستقلال والانحياز الغربي
لقد انقلب هذا التوازن التاريخي بين البداوة وما توفره من عناصر محاربة ورابطة العصبية، وبين فضاء المدينة أي فضاء العمران والسلطان، مع دخول الدول الغربية المتفوقة ساحة المنافسة على خلفية تفوقها العسكري والاقتصادي منذ نهاية القرن السادس عشر.

لقد خلق هذا الغرب في بعض الأحيان ارتباطا مباشرا مع المجتمعات العربية المحلية وخاصة في الجهات الساحلية، مما أعطاه دورا مهما في التطور التاريخي لهذه المجتمعات وحتى في طبيعة تشكل الوعي بالذات وبالآخر.

برز هذا بشكل أوضح زمن الاستعمار حين تركز الوعي بالذات وبالحرية حول التخلص من نير الاحتلال مما همش دور التعارض الداخلي الذي يشق المجتمع العربي، وهمش إشكالية البناء المجتمعي على أساس المواطنة لصالح إشكالية بناء الدولة على أساس الوطن.

لقد رسخ هذا السياق مفهوم الوطن على حساب المواطن كما رسخ الاستقلال على حساب الحرية. وهذا ما جعل مطلب الحرية الحقيقية (التعبير، التفكير..) بمثابة تهديد لهذا الكيان الجماعي المستقل وتهديد للوطن، وهذا هو أصل عقلية التخوين التي يوصم بها في كل الدول العربية مناضلو حقوق الإنسان والحريات.

بهذا المعنى تعد دولة الاستقلال نتاجا طبيعيا لظرف الاستعمار، وهي بذلك غير مؤهلة لترسيخ مفهوم الحقوق والمواطنة والحرية.

في حالات محدودة قامت الدولة المستقلة بمبادرات تجاه المجتمع لفتح هامش ما من الحريات السياسية، لكن هذا الانفتاح كان يتم عادة في شكل رعاية أبوية تستعيد علاقات النظام القرابي التقليدي أكثر منه مسعى حقيقيا لترسيخ مفهوم المواطنة.

وتفسر هذه المعطيات بعض الحالات مثل لبنان والعراق حيث يتسم النسيج الاجتماعي بقوة العلاقة بين الأفراد على أساس القرابة أمام هشاشة النسيج الذي كان من واجب الدولة إيجاده على أساس المواطنة. وأمام الخوف من خطر الفوضى العامة يتجه المجتمع بشكل تلقائي إلى نماذج التضامن التقليدي مثل العشيرة.

بقي أن نشير إلى أن استمرارية هذه الهياكل التقليدية يعود أساسا إلى هشاشة الدولة العربية وعدم فاعليتها الاجتماعية خارج السياق الأمني. وقد بدا هذا واضحا في حالة العراق حيث انهار بناء الدولة والمجتمع بمجرد زوال رموز الحكم البعثي.

بالإضافة إلى كل ما تقدم، يجب أن لا ننسى أن طرح إشكالية الحريات يتم اليوم في العالم العربي في ظل الصورة السلبية التي أعطاها الغرب عن نفسه من خلال نفاقه السياسي والثقافي ومساندته اللامشروطة لأنظمة ودول تتعارض ممارساتها مع أبسط حقوق الإنسان ومع الحريات.

إن المساندة المطلقة للمجازر المرتكبة من طرف إسرائيل في حق الفلسطينيين وحصار الخيار الديمقراطي الفلسطيني من خلال مقاطعة حركة حماس وحصار غزة وكذلك الممارسات الهمجية التي تمت في السجون العراقية من طرف جنود أميركيين، كلها أمثلة أفقدت الحرية والمفاهيم المرتبطة بها -مثل حقوق الإنسان والديمقراطية- كل شرعية وكل جاذبية.

من الواضح إذن أن مسألة غياب الحريات في العالم العربي ليست مرتبطة فقط بالأنظمة التسلطية القائمة، بل هي في عمقها مسألة وعي بالذات تشكلت عناصره عبر التاريخ الاجتماعي، وما زال يتفاعل سلبيا مع الظرف السياسي الحالي.
__________________
كاتب تونسي

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك