عبد الله الحسن

- الاستهداف
- الخيار الألماني
- الخيار السلفادوري

الولايات المتحدة الوارثة والمأخوذة بالتجربة والفلسفة الاستعمارية الأوروبية أضافت إلى أولويات آليات وأساليب السيطرة الاستعمارية العسكرية والاقتصادية واختراق العقل بمحدداته السياسية والثقافية معطى جديدا حيال العقول العراقية.

"
قوات الاحتلال كانت تحمل قوائم بأسماء العلماء العراقيين الذين وردت أسماؤهم في قوائم مفتشي الأسلحة الدوليين وعناوينهم والأبحاث التي يعملون عليها ما أدى إلى اعتقالهم أو قتلهم
"
هذا المعطى يقوم على المزاوجة بين خيارين أولهما "الخيار الألماني" أي احتواء العلماء وإعادة توظيفهم خدمة للمصلحة الأميركية، كما حدث مع العالم الألماني براون وزملائه ممن قامت الولايات المتحدة بترحيلهم إلى أراضيها، وتقديم عروض كبيرة من أجل استثمارهم في بناء مؤسساتها وقدراتها.

وثانيهما "الخيار السلفادوري" القائم على تصفية العقول التي ترفض الإغراءات الأميركية الصهيونية، وذلك كترجمة لإستراتيجية "الفوضى الخلاقة" وتحقيقا لهدف تجفيف منابع العراق العلمية والفكرية وحرمان شعبه من رجال البحث العلمي، ومنعه من العبور إلى المستقبل للحاق ببقية الشعوب، وإعادته إلى التخلف.

وقد بدأت ملامح إعادة العراق إلى التخلف ترتسم في أفق السياسة الأميركية منذ الوعيد الذي أطلقه وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر في وجه طارق عزيز أثناء اجتماعهما في جنيف عام 1991، حين قال "إذا لم تتعاونوا معنا فسنعيدكم إلى عصور ما قبل الوسطى".

الاستهداف
أخذت المؤسسات الأمنية والسياسية الأميركية تبحث في شأن العلماء العراقيين والخبرة الكبيرة التي يمتلكونها، وقد برز ذلك في مقالة لمارتن إنديك في مجلة الشؤون الخارجية "فورين أفيرز" عام 1993، حين أشار إلى أن الاهتمام الأميركي بالعراق يرجع إلى أسباب رئيسية في مقدمتها الخبرة العراقية الخطيرة الكبيرة والمتراكمة في مجال التصنيع العسكري والبحث العلمي.

ومما قاله "هناك آلاف العلماء العراقيين الذين يشكلون بحق مصدرا خطيرا في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى نقل الخبرة العراقية إلى دول عربية وإسلامية أخرى".

ولم تتأخر وزيرة خارجية كلينتون مادلين أولبريت آنذاك عن اللحاق بركب دعاة الحرب على العقول العراقية والتأكيد على ضرورة استئصالها، حين قالت "ماذا نستطيع أن نفعل مع العراق غير تدمير عقوله التي لا تستطيع القنابل الذرية أن تدمرها، خاصة أن تدمير العقول العراقية أهم من ضرب القنابل".

تجدر الإشارة إلى أن العراق بفعل حالة التداخل بين الطاقة البشرية والثروة النفطية بشر باحتمال ظهور نموذج "تكنوبترولي" يتعدى حتى نطاق التطور الصناعي العادي إلى حقبة ما بعد الصناعة.

وهذا ما لا تستطيع أميركا خاصة والغرب عموما إلا النظر إليه بريبة وخوف مستمد من التاريخ لكونه يحمل إمكانية مناقضة لمشروع الغرب الحضاري.

الخيار الألماني
بدأت هذه المحاولات بمشروع السيناتور جوزيف بايدن الذي صادق عليه مجلس الشيوخ الأميركي في نوفمبر/تشرين الثاني 2002، وقضى بمنح العلماء العراقيين الذين يوافقون على إفشاء معلومات مهمة عن برامج بلادهم التسليحية بطاقة الهجرة الأميركية الخضراء، مستغلا بذلك الحصار المفروض آنذاك على العراق، كي يجعل من اللجوء إلى الدوائر الأميركية حلا معقولا أمام العلماء العراقيين الذين لا يطيقون هذا الوضع البائس.

وقد وعد هذا القانون العلماء الذين يقبلون بالهجرة بآفاق بديلة أكثر إشراقا، ثم كان القرار الأممي 1441 الذي أصرت واشنطن على تضمينه بندا عن استجواب العلماء العراقيين عسى ولعل أن تظفر بتجنيد البعض، لكن الخيار فشل.

وقد اتضح ذلك من خطاب كولن باول التحريضي ضد العراق في مجلس الأمن في الخامس من فبراير/شباط 2003، حين ألمح إلى امتعاض إدارته من امتناع علماء العراق عن التعاون مع فرق المحققين الدوليين، ومن مراوغاتهم لإخفاء حقائق التطور الذي بلغوه تقنيا وإصرارهم على عدم الإدلاء بأقوالهم، لأن الغالبية العظمى من العلماء العراقيين رفضت كل هذه الإغراءات.

"
الولايات المتحدة نقلت من العراق جوا 70 من العلماء العراقيين إلى خارج العراق، ووضعتهم في مناطق نائية خشية أن يسربوا ما لديهم من معلومات، أو يحولوا تلك المعلومات إلى منظمات أو دول معادية
"
وبعد الاحتلال وبالتحديد في ديسمبر/كانون الأول 2003، خصصت الولايات المتحدة برنامجا بقيمة 25 مليون دولار لـ"تأهيل العلماء العراقيين" الذين عملوا في برامج التسلح العراقية.

والهدف المعلن هو الاستفادة منهم في برامج للاستخدام السلمي للطاقة، في حين أن الهدف الحقيقي هو استغلال عدد كبير من هؤلاء العلماء عبر ترحيلهم إلى الولايات المتحدة وإعطائهم الجنسية الأميركية ودمجهم في مشاريع معرفية هناك.

هذه المغريات أسفرت عن زيارة عدد من العلماء العراقيين للكيان الصهيوني، وقد نشر الكاتب المصري معتز أحمد في صحيفة "الاتحاد الظبيانية" في 16/6/2003 مقالا بعنوان "علماء العراق أهلا في إسرائيل" رصد فيه ببالغ الدقة، ومن واقع الصحف الصهيونية، زيارة عدد منهم الكيان الصهيوني أبرزهم أستاذ علم الفيزياء النووية الدكتور طاهر لبيب، والمتخصص في مجال التكنولوجيا الدكتور محمود أبو صالح.

وقد قال خبير الشؤون الإسرائيلية في مؤسسة الأهرام الدكتور عماد جاد إن الولايات المتحدة نقلت من العراق جوا 70 من العلماء العراقيين إلى خارج العراق، ووضعتهم في مناطق نائية خشية أن يسربوا ما لديهم من معلومات، أو يحولوا تلك المعلومات إلى منظمات أو دول معادية للأميركان.

وقد ذكرت تقارير أوروبية وعربية محايدة أن أكثر من 20 ألف عالم عراقي من شتى الاختصاصات غادروا العراق منذ بداية الاحتلال خوفا على حياتهم، كما كشف تقرير أميركي نشرته صحيفة ديلي تلغراف البريطانية في 26/12/2007 أن الأميركيين فشلوا في استمالة معظم العلماء العراقيين للتعاون والعمل في الأراضي العراقية.

الخيار السلفادوري
مع بداية الاحتلال الأميركي للعراق، كما كشفت رسالة وجهها علماء العراق وحملت توقيع "علماء الأمة المهددة"، بدا أن قوات الاحتلال كانت تحمل قوائم بأسماء العلماء العراقيين الذين وردت أسماؤهم في قوائم مفتشي الأسلحة الدوليين وعناوينهم والأبحاث التي يعملون عليها، مما أدى إلى اعتقالهم أو قتلهم.

يقول العالم العراقي الدكتور نور الدين الربيعي الأمين العام لاتحاد المجالس النوعية للأبحاث العلمية، رئيس أكاديمية البحث، وأحد أبرز العلماء العراقيين في مجال التكنولوجيا النووية، "حينما جاءت أميركا وبريطانيا كان أول شيء هو ضرب المؤسسات العلمية والبحثية والمدارس والجامعات وإحراق المكتبات والتراث العراقي الذي أصابه النهب والسلب، ويكفي أن ندلل على ذلك أن العراق فقد 5500 عالم منذ الغزو الأنجلوأميركي في أبريل/نيسان 2003، معظمهم هاجروا إلى شرق آسيا وشرق أوروبا والباقي تم اغتياله".

وتجدر الإشارة إلى أن العراق أنفق ما مقداره عشرة مليارات دولار على مراكز الأبحاث العلمية، وقد تحدث الصحافي البريطاني روبرت فيسك في صحيفة إندبندنت أكثر من مرة عن العمليات المنظمة لاغتيال العقول العراقية.

الأرقام حول عدد من تم اغتيالهم من العلماء متضاربة، لكنها جميعا تقول إن هناك مذبحة لثروة العراق البشرية والمعرفية، إذ تحدثت وكالات الأبناء عن مقتل 350 عالما نوويا عراقيا وأكثر من 200 أستاذ جامعي في شتى المعارف العلمية المختلفة، وذكرت أن 80% من عمليات الاغتيال استهدفت العاملين في الجامعات، وأن نصف عدد القتلى يحمل لقب أستاذ أو أستاذ مساعد، كما أن أكثر من نصف الاغتيالات وقعت في جامعة بغداد، تلتها البصرة، ثم الموصل والجامعة المستنصرية.

إحصائية وزارة الصحة في حكومة المالكي أعلنت في فبراير/شباط 2006 أن أكثر من 220 طبيبا قتلوا في العراق بين 2003 وفبراير/شباط 2006، وأن 25% من 18 ألف طبيب عراقي غادروا العراق منذ الغزو عام 2003.

"
غزوة هولاكو عام 1258 دمرت ثمار الثقافة العربية الإسلامية، لكن غزوة هولاكو العصر تحاول أن تستأصل العقل المنتج لهذه الثقافة لذلك فهي بكل المقاييس أشد خطرا من تلك السابقة
"
أما عدد الأطباء المخطوفين منذ العام 2003 فقد بلغ 250، وقد تكون الأعداد الحقيقية أعلى من ذلك، كما أفادت الإحصاءات أن 210 من المحامين والقضاة على الأقل تعرضوا للقتل منذ الغزو، فضلا عن عشرات آخرين ممن جرحوا.

وقد أدى ذلك إلى انخفاض أعداد المحامين الذين يمارسون عملهم في العراق بنسبة 40% على الأقل في العام 2006 وحده، وبين مارس/آذار 2003 ومايو/أيار 2007 قتل 267 إعلاميا من بينهم 24 غير عراقيين، ولا يشمل ذلك 57 صحافيا غير عراقي خطفوا، لا يزال مصير ثمانية منهم مجهولا حتى اللحظة.

مذبحة العقول العراقية بلغت حدا أضحى معه من النادر العثور على أستاذ جامعي أو طبيب متخصص أو باحث في أغلب المحافظات العراقية وحتى في العاصمة بغداد.

وهذا يمكن استشرافه من تقرير وزارة داخلية حكومة المالكي والذي نشر مطلع مارس/آذار العام الحالي بذكره أن عدد المتهمين بالتورط في قتل وخطف ذوي الكفاءات والعلماء بلغ ثمانية آلاف متهم، بعضهم منتظم في جماعات قتل متخصصة، وأن عدد الأحكام بالإعدام الصادرة ضد أعداد منهم طالت 600 شخص.

كما أشار إلى إطلاق سراح عدد مماثل لم تثبت عليهم التهم، بينما حكم بالسجن المؤبد على ألفين منهم، عرضت وزارة الداخلية في تقاريرها أن واحدا من أولئك "قتل وحده ما لا يقل عن 60 شخصية علمية وفكرية.

أستاذة علم الاجتماع في جامعة بغداد سناء الداغستاني قالت "إن هناك جماعات تعمل بأجندات قد تكون مدعومة من جهات دولية لا تريد للعراق أن يستقر ولا أن يواصل مسيرته في العلم والبناء"، مشيرة إلى أن تلك الجماعات تقف وراء استهداف الأساتذة والأكاديميين على اختلاف تخصصاتهم العلمية والفنية.

أساتذة وعلماء عراقيون نجوا من الموت قد اتهموا أطرافا كالموساد الصهيوني ومخابرات دولة الاحتلال والمليشيات الطائفية المرتبطة بها بارتكاب هذه المذبحة، كما أن المعلومات تقول إن الموساد الصهيوني جند 2400 عنصر، إضافة إلى وحدة كوماندوز سرية خاصة تتضمن أكثر من 200 عنصر مؤهل من قوات البشمركة إلى جانب قوات الاحتلال، لارتكاب هذا الهولوكوست بحق العقل العراقي.

غزوة هولاكو عام 1258 دمرت ثمار الثقافة العربية الإسلامية، لكن غزوة هولاكو العصر تحاول أن تستأصل العقل المنتج لهذه الثقافة لذلك فهي بكل المقاييس أشد خطرا من تلك السابقة.

والسؤال هو كيف تصون الأمة اليوم إضافة إلى أوطانها عقولها وثقافتها؟
__________________
كاتب سوري

المصدر : الجزيرة

التعليقات